منذ عدة أيام تعرفت على فتاة لطيفة للغاية، تدعى ليان إنها في مثل سني تقريباً، ربما أنا أكبر منها بقليل، وتعيش هنا بالقرب من منزل السيدة صابرين.
أصبحت صديقتي بوقت قصير وتعرفت على قصتها بحكم أنها إنسانة ثرثارة للغاية، أحياناً أشعر أنها مناقضة لاسمها، ولكن أحياناً أخرى أشعر أن الاسم لم يخلق إلا ليكون اسماً لها، فاسمها يحمل معنى الهدوء والسكينة، فمعناه الحرفي هو النسيم الهادئ.
توفي والدها عندما كانت في العاشرة وبقيت مع أمها وجدتها وأخيها نجيب الذي هو الآخر اسم على مسمى، لا يمكن كيف أن والديهما فكرا بأسماء ستليق بأبنائهم عندما يكبران.
تعرفت أيضاً على والدتها وجدتها وأخبرتني هدوء عن مكانها السري، بالقرب من النهر. " هذا المكان بُني كطريق سري للهروب من آراتيا الشرقية إلى آراتيا الغربية في حال كانت هناك حروب." قالت تحدثني عن المكان.
كان الطريق عبارة عن نفق طويل بعض الشيء يصل ما بين آراتيا الشرقية والغربية ولكن تحت الأرض، عند بدايته توجد فتحة متوسطة الحجم بحيث تسمح لشخص واحد بالمرور منها ذهاباً أو إياباً.
أجبرت ليان على اصطحابي معها لاستكشاف ذلك الطريق، أو إن صح النفق.
وأخبرت السيدة صابرين ودللتُها على الفوهة في حال تأخرنا، لم نخبر والدة ليان أو جدتها حتى لا تمنعاننا من الذهاب.
أخذت حقيبتي التي أخاف أن تفارقني للحظات وحملنا مصباحين يعملان بإضافة الزيت لهما كشعلة لتضيء لنا الطريق في النفق الذي نريد دخوله في صباح اليوم التالي.
مع شروق الشمس في الصباح كنا قد دخلنا إلى النفق، أنا وليان، بدا نفقاً طويلاً، فيه هياكل عظمية كثيرة وأكثرها كان يحمل رماحاً أو سيوفاً في أيديهم اليسرى بالتحديد.
كما توجد مشاعل على أطراف النفق، قربت شعلتي منها وأضاءت لنا النفق على الفور.
" التصميم مبهر للغاية." همست ليان وضحكت على دهشتها الشبيهة بدهشة الأطفال عند رؤية شيء ساحر.
قطعنا مسافة طويلة جداً فوجدنا أنفسنا أمام ثلاثة طرق متفرعة، نظرت إلى ليان الخائفة وقد كنت سأبدأ بتأنيبها وهممت بالعودة من حيث أتيت.
إلا أنها أوقفتني وهي تشتعل من الحماس كعادتها.
" أرجوك يا سراب فلنجرب أحد هذه الطرق، أرجوك." قال برجاء تتمسك بيدي بقوة تمنعني من التحرك وعينيها التي يملأها الحماس أوقفتني.
" عزيزتي ليان نحن لا نعرف ماذا تخبئ لنا هذه الطرق والممرات، وأنا أعلم أنك خائفة ولكن الأدرينالين الذي في جسدك من الحماس يطغى على خوفك، لذا فلنعد الآن ونأتي في يوم آخر ونحاول مرة أخرى." قلت وتبددت حماستها واقتنعت بكلامي نوعاً ما.
خطت باتجاهي قبل أن تدوس على بلاطة مرتفعة عن مثيلاتها فاهتزت الأرض من تحت أقدامنا ومادت، وصرخت ليان وأسرعت تحاول الوصول لي لتمسك يدي، ولكن النفق واهتزاز الأرض كانا أسرع مني ومنها فانقسمت الأرض لقسمين وكل واحدة منا أصبحت في اتجاه بعيد عن الأخرى.
حاولت القفز نحوها ولكن الفوهة التي بين القسمين أخذت تتسع حتى أصبحت هي الأخرى كبيرة للغاية، وبدأت بالانزلاق في اتجاه لا أعلمه بنفس الطريقة التي حصلت مع ليان التي اختفت من أمام عيناي دون سابق إنذار وصرخاتها تخبرني أنها لا زالت قريبة بشكل ما.
أما أنا فوجدت نفسي في جهة أخرى بمفردي مجدداً أمام جبال بلون بني فاتح للغاية تميل للذهبي مع سطوع الشمس عليها، وقفت على قدماي ودرت بعيناي بحثاً عن ليان علّي أجدها.
ولكن لا فائدة، كان مصيري الفشل.
بحثت عن طريق للعودة للنفق، حجر عال أو بلاطة مرتفعة تظهر من العدم، أو أي شيء يمكنني به العودة إلى آراتيا الغربية ولكن لا فائدة.
قررت السير باتجاه الجبال ربما أجد عندها أحداً يدلني على طريق آراتيا الغربية أو يخبرني أين أنا.
سرت طويلاً حتى أخذ التعب مني كل مأخذ، وقدماي لم تعد تطيعني للوقف أكثر لذا جلست على صخرة كبيرة وأخرجت من حقيبتي زجاجة ماء كنت قد ملأتها قبل دخولي للنفق أنت وليان.
يا الله! كيف هي الآن؟ أرجو أن تكون بخير فأنا خائفة عليها كثيراً.
أغلقت حقيبتي أضعها فوق رأسي لتحميه من أشعة الشمس القوية،وقررت متابعة المسير، وفور أن وقفت شعرت بالأرض تميد من تحتي وتهتز بعنف شديد.
كما حدث معي عندما كتت في النفق.
ولحظات قليلة مرت قبل أن تنشق الأرض لنصفين و أنزلق للأسفل بطريقة غريبة حتى وجدت نفسي مرة أخرى في النفق الذي كنت فيه منذ ساعات قليلة.
كانت ليان على الأرض مغماً عليها، أسرعت نحوها وأخرجت الماء من حقيبتي وقمت برش القليل على وجهها حتى تستيقظ.
" أرجوك يا سراب لنعد للمنزل، لقد كدت أموت من الرعب بمفردي." قالت بعد أن استفاقت وعلمت أنني بجانبها.
لأقف وأنا أسندها لتقف معي ونركض مسرعين عائدين من حيث أتينا، صعدنا الدرجات الخمس التي أنزلتنا مسبقاً للنفق وعدنا للأعلى، بعد أن مررنا بجانب هيكل عظمي لحارس استغربت أنه كان بعيداً عن البقية.
فور صعودنا وضعت يدي على عيناي وكذلك فعلت ليان بسبب أشعة الشمس التي ظهرت أمام أعيننا، فقد فقدنا مشاعلنا في لحظة افتراقتا في النفق، والمشاعل التي أشعلناها انطفأت بمفردها، لذلك طوال طريقنا كان الظلام رفيقاً لنا.
أغلقنا فوهة النفق وركضنا باتجاه منازلنا، أوصلت ليان لمنزلها وعدت باتجاه منزل السيدة صابرين، عندما أصل سأخبرها بما حدث معي منذ قليل ربما أجد تفسيراً لما حدث.
دخلت للمنزل فوجدتها كالعادة جالسة وهي تحيك السجاد بواسطة الخيوط الملونة، اقتربت منها وجلست بجانبها.
بدأت بقص كل ما حدث معي عليها منذ البداية، ولكنها لم تكن مركزة للغاية تستمع وهي تعمل، ولكن عندما أخبرتها عن قصة انشقاق وظهور أمام تلك الجبال حتى توقفت عن العمل ووضعت أغراضها جانباً تنظر لي باهتمام أكبر مطالبة إياي بمتابعة الحديث.
" أخبريني يا خالة هل لديك تفسير لكل ما حدث معنا؟ وما سر هذه الأنفاق الثلاث والهياكل العظمية والنفق الذي كان ضيقاً بالبداية بالكاد يتسع لشخصين ملتصقين بجانب بعضهما أصبح بعدها وكأنه ساحة كبيرة." قلت عندما أنهيت حديثي أطلب منها التفسير ربما تملك واحداً.
" يا سراب، كما أظن، وعندما احتلت آراتيا منذ زمن كان هذا السرداب يتسع للآلاف من الجنود والمحاربين، والهياكل العظمية التي تحمل السيوف ربما بسبب أنها كانت حراساً لهذا النفق الذي هو أيضاً يعد من الأنفاق الملكية، ولكن ربما الملك الجديد الذي تسلم العرش لم يكن يعلم بأمر هذه الأنفاق، والحراس لا يمكنهم ترك أماكنهم بدون أمر ملكي، وبما أن هذا النفق أو السرداب يوجد في آراتيا الغربية فبكل تأكيد ..."
" يوجد مثلها في آراتيا الشرقية." قاطعتها لتومئ لي مؤكدة كلامي.
" ولكن يا خالة كيف عرفت كل هذا؟" سألتها بتعجب بعد صمت دام لدقائق.
" جدي كان من جندياً من أحد الجنود الذين دافعوا عن آراتيا في أيام الحروب والاحتلال، وعندها كان والدي صغيراً في العمر ولكن تذكر تلك الأحداث ورواها لنا عن بطولات والده الذي هو جدي." قالت بابتسامة.
" أتعلمين؟ لم يكن أحد يصدقه، كنا نظنها مجرد نسج من الخيال، صحيح أننا لم نقل هذا في وجهه ولكن بكل تأكيد فكرنا في هذا." قالت بضحكة تتذكر ذكريات طفولتها.
" هذا عجيب للغاية." قلت بهمس ولكنها سمعتن لأنني بقربها.
" آراتيا بلد العجائب يا صغيرتي، لا يوجد ما يسمى بالعجب فيها." قالت فأكدت كلامها بهزة من رأسي.
" معك حق." قلت.
" هل تعلمين أيضاً ما سر تلك الأنفاق الثلاثة؟" سألتها لمونئ بابتسامة.
" الأول للذهاب إلى آراتيا الشرقية، والثالث للخروج من خارج آراتيا بأكملها." قالت.
" والثاني؟" سألت بفضول.
" للذهاب إلى الممر السري في القصر." قالت.
" وهل يوجد ممر سري أيضاً في القصر؟" قلت بتعجب لتضحك ثم تومئ بابتسامة.
" إذا تم مهاجمة القصر تستطيع العائلة الملكية الفرار عن طريق هذا النفق، إما لآراتيا الشرقية أو إلى خارج آراتيا وذلك لإنقاذ النسل الملكي للمملكة." قالت تشرح لي، وبدا الأمر مقنعاً.
" تجتمع الجيوش في النفقين مستعدين لمهاجمة الأعداء والدفاع عن العائلة المالكة والقضاء عليه، وتوجد غرفة سرية في بداية النفق، تلك التي أخبرتني أن حارساً وحيداً يقف عندها، هذا الحارس الوحيد يعد أقوى من عشرة رجال وهذه الغرفة التي يحرسها مخصصة فقط للعائلة المالكة للاختباء هناك وحمايتها." قالت وشعرت بغرابة شديدة لكل ما سمعته من فم السيدو صابرين.
ويوماً بعد يوم تزداد مفاجئتي من هذه الأرض الغريبة.
_
Marselinewrite