|7| نتحدث بحديث لم نذكره في اليوم الذي قبله.

|7| نتحدث بحديث لم نذكره في اليوم الذي قبله.

19 0

• شهلا •

سمعنا قرعاً للطبول والكثير من الضجة في هذا اليوم، فخرجت مع السيدة نجمة لنجد الناس مذهولين، والحراس يأمرونهم بالابتعاد والبقاء على الضفة الخاصة بهم.

الغربيين من الجهة الغربية والشرقيين من الجهة الشرقية للنهر المسمى بنهر أوابك ، سألت نجمة صديقاتها عن الذي يحصل فأخبرنها أن الأميرين يتصارعان على العرش وقد اتفقا على تقسيم آراتيا بينهما لحين تحديد الأمير الأحق باستلامه.

قالوا أن الأمير ندير سيستلم الجهة الشرقية، أي التي نقيم فيها الآن، حيث دخلنا أول مرة للمدينة وبشكل ما هي الأقرب للبوابة، أما الأمير هدير فسيحكم الجهة الغربية.

كان الأمر غريباً بحق، وكل هذه الأشياء التي تحصل هنا جعلت من إيجادنا لسراب أمراً شبه مستحيل.

الاقتراب من النهر، ممنوع.

التجول في الأسواق بعد الساعة السادسة، ممنوع.

الذهاب إلى ساحة اللقاء، ممنوع.

زيارة الأقارب التي تحتاج إلى سفر، ممنوع.

الخروج من المدينة، ممنوع.

زيارة المكتبة العظمى، ممنوع.

وبحق القانون الأخير جائر جداً، لكن بما أن المكتبة العظمى موجودة بين المنطقتين الشرقية والغربية فقد بنيت في المكان بينهما لذلك فقد أغلقت وتم منع الذهاب إليها حتى إشعار آخر.

كنتُ قد استمررت بالذهاب إليها منذ أن أخبرتني السيدة نجمة بوجودها، استعير الكتب لمدة وأعيدها عن انتهائي منها، وكذلك كنت قد أمضيت الفترة الماضية في تعلم صناعة السجاد مع السيدة نجمة، كانت طريقتها في صبغ الخيوط غريبة وجميلة،

لقد مضى منذ قدومنا لآراتيا ما يقارب الشهر، والوقت يمضي بسرعة، لم نجد أثراً لسراب، ووفتة الملك جعلت من إيجادنا لها أمراً مستحيلاً، بالأخص مع الحداد الذي أقامه الشعب، والصراع الذي يقوم بين الأميرين الآن.

_

مضى شهر آخر على موت الملك، كانت الأوضاع في المدينة قد هدأت قليلاً، كل أمير يتحكم في الجزء خاصته، كما لاحظت مع السيدة نجمة أن أزهار الياسمين قد جفت وتساقط الكثير منها بسبب التفريق الذي حصل بين المدينتين.

ذات يوم سألت نجمة عن مكان يمكنني الذهاب إليه لأخذ الراحة من هذه الجو الخانق الذي يحيط بنا، لا شيء جديد كل يوم روتيني ومتعب.

" الجبال الذهبية مكان جميل جداً يا ابنتي، يمكنك الذهاب إلى هناك، هي موجودة هنا في آراتيا الشرقية."قالت لي عندما سألتها.

" حسناً، كيف يمكنني الذهاب؟" سألت.

" ليست ببعيدة يمكنك الخروج عن طريق الغابة وبعدها سترين الجبال في وجهك تماماً، أتعلمين لماذا سميت بالذهبية؟ لأنها تصبح ككتلة من الذهب الأصفر عن شروق الشمس عليها وتبدو ككتل ذهبية أكثر منها كجبال." قالت وشعرت بالحماس.

كل شيء هنا له معنى آخر وراءه، يجب أن تسأل وتبحث حتى تجد المعنى الحقيقي خلفه.

بعد هدوء الأوضاع نسبياً سُمح بعودة فتح المكتبة العظمى، وذلك لأنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالتعليم هنا، لذلك فقد أصبحت أقترض كتب السيد موران وهو الأمين الرسمي للمكتبة العظمى هنا.

كانت أغلب الكتب عن تاريخ آراتيا وقصص خلدتها الكتب وحفظها التاريخ يوماً بعد يوم، وعن قصص الحب التي لا توال باقية ككتب وروايات وقصائد تحذبك لتقرأها مرة واثنين وعشرة.

أفضل كتاب قرأته هنا كان كتاباً اسمه {ليمور} والذي كان يخلد قصة حب الأميرة ناردين والعبد المملوك ليمور، وتسمية الكتاب باسمه كان فقط عظيماً جداً.

التقت الأميرة نارن  بالعبد ليمور أول مرة عندما كانت تحتفل بزواج أختها الكبرى، وكان ليمور من بين الأشخاص الخدم لتقديم المأكولات والمشروبات وخدمة الضيوف، عندما رأته الأميرة لأول مرة أعجبت به كثيراً، واستمرت بمراقبته خصيصاً بعد توظيفه في القصر الملكي.

بعد مدة من الحب والعشق المكنون داخل صدرها، أرسلت له برسالة مع الجارية الوفية خاصتها جنان، التي أوصلت له رسالة كان فحواها. " قابلني في هذه الساحة، في اليوم التالي لهذا اليوم عند السابعة مساءً، سآتي بمفردي وسألقاك عند أحد الأماكن الغير مزدحمة."

فكر ليمور أن الأميرة تريد منه  أن يخدمها في أحد الأمور بسرية وبدون علم أحد من القصر لذلك التقى بها في اليوم التالي، لم تخبره بما تريد ولا أنها تحبه، لكنها أخبرته بجملة خلدها التاريخ.

" التقي بي هنا كل يوم ولمدة شهر، كل يوم نتحدث بحديث لم نذكره في اليوم الذي قبله، وإن انتهت هذه الأيام ووصلنا لليوم الأخير بسلام، سأخبرك بالذي جئت لأجله."

وافق ليمور بسعادة على أمر الأميرة، ولم يكن له اي طريق ليعارض، أمضيا هذه الأيام يتناقشان فيما بينهم بأحاديث، كل يوم بشأن مختلف وحديث جديد، ليمور كان متحدثاً جيداً، والأميرة كانت أفضل مستمعة، وتوافق نما بينهما من دون أن يشعرا.

يوماً بعد يوم نما حب الأميرة في قلب ليمور، الذي لم يكن مجرد عبد أسود، كان من بلد آخر، تم أسره وترحيله إلى هنا رغماً عنه، كان يحدثها عن موطنه وعن العيش الذي كان جميلاً هناك برفقة أصدقائه وأسرته التي توفت بأكملها في الحروب التي كانت في بلاده، عن ذكريات طفولته، وعن أيام الحرب التي كانت تجعلها تبكي باستمرار حزناً على حبيبها الذي مر بكل هذه الأشياء من دون أسرة أو سند يقف بجانبه.

وقبل انتهاء الشهر بيوم واحد، اعترفت الأميرة بحبها له.

" ها أنا ذي أخبرك أنني أحبك، وليشهد الله على أن حبي لك حب طاهر، لا غاية ولا هدف من ورائه، فإن كنتَ تبادلني هذا الحب النقي تعال إلى هنا غداً وسنقف معاً حتى نجمع سوياً، وإن لم تكن تفعل فلا تأتي أبداً وسوف أطلب من أبي عندها أن يبعدك عن ناظري بطريقة غير مباشرة، ولتعلم أن حياتي متعلقة بإجابتك فلو كانت نعم سأقف بجانبك لآخر نفس يخرج من جسدي، وإن كانت لا سأوافق على الوزير الذي يريد والدي تزويجي به دون انتظار أكثر فوالدي يلح علي بالطلب هذا من شهر وأنا أماطل.

إلى اللقاء يا حب حياتي، ليمور."

في اليوم التالي وبعد انتظار الأميرة نارن لساعة كاملة أتى ليمور يحمل في يده وردة حمراء اللون، أعطاها للأميرة واعترف بحبه الشديد لها.

" يا أميرتي، أنا مستعد لأفديك بحياتي، أنا رهن إشارتك، إن أردتي نهرب سوياً ونغيش في بلادٍ لا يعرف عنها أحد وإن لم تريدي آتي إلى والدك وأطلب يدك منه مع أنني أشك أن عبداً مثلي يستطيع أن يتشرف بالزواج من أميرة نبيلة مثلك." قال وكم كان الأميرة سعيدة.

واجها العديد من الصعوبات، ولكن حبهما كان أقوى من ذلك، ليمور الذي ترك العمل كخادم بعد اشترته ناردين وحررته ذهب وأنشئ عمله الخاص وعاد إلى نارن كتاجر كبير بعد ثلاث سنوات وطلبها من والدها للزواج.

رفض الملك بعد أن تعرف عليه كعبده القديم ولكن وقوف ابنته في وجهه، وصىراخها المستمر بأنها لن تتزوج إلا منه، و إضرابها المستمر عن الطعام الذي أضر بصحتها جعل الملك يخضع ويوافق بعد أن رأى حبهما الشديد لبعضهما.

أقيم حفل زفاف استمر لشهر كامل، احتفالات كثيرة حضرها الناس من البلدان المجاورة، وتمت تسمية ساحة اللقاء بهذا الاسم تكريماً لذكراهما وحبهما الذي استمر بالرغم من كل الصعوبات وتحدى كل الظروف.

كنتُ في طريقي إلى المكتبة العمى لرؤية السيد موران وكنت قد أنهيت قصة جديدة أعطاني إياها منذ أيام.

" إذن ما رأيك بالكتاب الذي قرأته اليوم؟" سألني فور أن رآني أدخل المكتبة، كم أحب نقاشاتي معه.

" كانت قصة جميلة، الحبكة الروائية فيها جيدة، والسرد كان عظيماً. هل لك أن تعطيني شيئاً بنفس هذا الأسلوب ؟" طلبت منه.

" كاتب هذه القصة التي بين يديك دان يسمى بكاتب آراتيا الأول، لأنه كان أول رجل يكتب ويعبر عن آرائه، الجميع اشترى قصصه في فترة وجيزة لما ذكر فيها من أشياء تصف أحوالهم. إلى أن تم نفيه بعد سنوات بأمر من الملك طريف الذي كان يكره الأدب والشعر والأدباء."

" ما أسوأ هذا؟ وكيف عادت الكتب لآراتيا؟"

" كان لكل أديب ومفكر تلميذ، بعد أن تم نفي الأدباء جميعهم اجتمع كل هؤلاء التلامذة وألفوا العديد من الكتب بأسماء مجهولة وعادت الكتب لآراتيا رويداً رويداً."

" هذا جميل، والآن يا سيد موران هلا تعطيني أحد هذه الكتب المجهولة ؟" قلت ليضحك ويقف من مكانه ليذهب ويحضر لي أحد كتبه المجهولة.

الجميع يتبجح قائلاً أنه يحب القراءة ويعشقها، لكن أنا هنا أقول أن القراءة تسري فيّ مكان الدم، لم أظن أنني بعد الذي مررت به سأرمي بكل شيء عرض الحائط وكل ما أفعله هو، القراءة.

_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آراتيا.

المؤلف Marselinewrite
2025/07/29 مكتملة
قائمة الفصول (20)
الفصل 1: |1| إلى اللقاء.
2025/07/29
الفصل 2: |2| أين نحن؟!
2025/07/29
الفصل 3: |3| يا لها من مدينة سحرية.
2025/07/29
الفصل 4: |4| أنا طبيبة.
2025/07/30
الفصل 5: |5| الخروج من الغابة كأنك عائد من الموت.
2025/07/30
الفصل 6: |6| لا أستطيع النوم وأنا أعلم أنه ليس في هذا العالم.
2025/07/31
الفصل 7: |7| نتحدث بحديث لم نذكره في اليوم الذي قبله.
2025/07/31
الفصل 8: |8| زهرة سامة تقتل من يلمسها بسمومها.
2025/07/31
الفصل 9: |9| أقف مكتوف الأيدي وهي غائبة عن عينيّ.
2025/07/31
الفصل 10: |10| لقد كدت أموت من الرعب.
2025/07/31
الفصل 11: |11| الطريقة الوحيدة لأعود إلى عالمي.
2025/08/02
الفصل 12: |12| لا نستخدم السيوف والسهام لقتل أعدائنا.
2025/08/02
الفصل 13: |13| الأحلام تصبح حقيقة.
2025/08/02
الفصل 14: |14| ورقة، ريشة ومحبرة.
2025/08/02
الفصل 15: |15| ولكنني لا أحلم بالتأكيد!
2025/08/02
الفصل 16: |16| يجب أن تكونِ أقوى.
2025/08/02
الفصل 17: |17| لقد عادت قرة عيني.
2025/08/02
الفصل 18: |18| سراب؟ كيف وصلتِ إلى هنا؟
2025/08/02
الفصل 19: |19| أردت أن أترك لكم ملكاً عادلاً.
2025/08/02
الفصل 20: |20| النهاية.
2025/08/02

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة