استيقظتُ على صوت هرج ومرج في القصر، أرتديت ملابسي وأسرعت للخروج من حجرتي لأجد الأمبرة هيار في وجهي وكأنها كانت تنوي الطرق على الباب ومناداتي، كانت دموعها لا تتوقف عن السقوط.
" لقد مات... لقد.. مات." قالت من بين شهقاتها ثم أمسكت يدي تسحبني خلفها وصلنا إلى حجرة الملك التي كانت مفتوحة الأبواب والأصوات والصراخ يملأ المكان من الداخل والخارج.
اقتربت بسرعة من الملك بعد أفلتُ يدي من يد هيار، كان يرقد على سريره وصدره ساكم بلا حراك، تحسست بيدي يده لأجدها خالية من النبض وجسده بدأت البرودة تغزوه وشفتاه كان اللون الأزرق قد سيطر عليهما بلا رجعة، يبدو أن توفي منذ ساعتين أو أكثر بقليل.
التفت إلى هيار التي تقف مع الملكة وأخوتها والكثير من الخدم والحراس خلفي، ينتظرون تفسيراً.
" يبدو أنها كانت صحوة الموت، عندما يبدأ جسده بالتعافي لمدة قصيرة، أو يبدو أن تعافى ولا يمكن حتى للأطباء اكتشاف أن به شيئاً، لكن فجأة يتوقف قلبه. وهذا ما حصل مع الملك، لقد تعافى خلال الأسبوع الماضي بأكمله وكان في أكمل نشاطه حتى أن عمل في اليومين الأخيرين.
لكن البارحة وبدون سابق إنذار توقف قلبه في الليل، أو ربما ليس في الليل لا يمكنني التحديد بدقة شديدة، ربما قبل ساعتين أو ثلاث أو أكثر بقليل، يصعب تحديد ذلك بدقة." قلت أشرح لهم كل كا حدث مع الملك وهم يستمعون وعيونهم تذرف الكثير من الدموع.
" لكنه كان بصحة جيدة جداً، لم يبدو أنه مريض أو يعاني من شيء ما." قالت الملكة من بين دموعها ليحتضنها ابنها البكر.
" كما قلت لكِ سموك، هذه الأمور تحدث فجأة، بمعنى آخر لا يمكن توقع حدوثها، قضاء الله وقدره." قلت لها.
" يا إلهي كُن معي في محنتي." قالت الملكة ببكاء ليحتضنها أولادها وهم يشاركونها البكاء بأصواتهم المرتفعة، وصدقاً لقد تأثرت كثيراً حتى أنني مسحت الدموع التي سقطت على خدي ففقدهم صعب ومصابهم كبير ثم خرجت مع الحراس والخدم فهم بالنهاية يريدون توديع فقيدهم قبل دفنه.
_______________
مضت ثلاثة أيام على موت الملك والأمر فقط كان مؤلماً لعائلته التي كانت لم تتخطى الأمر حتى الآن، أما المملكة فقد أعلنت حالة حداد شديدة على الملك طوال الأيام الثلاثة الماضية والتي ستستمر حتى شهر آخر حزناً على ملكهم الطيب.
توقف الجميع عن الذهاب إلى ساحة اللقاء، والمحال توقفت عن البيع، حتى أنهم خرجوا بموكب ضخم لتوديع الملك إلى مثواه الأخير عند دفنه وهم يحملون بين أيديهم الباقات العطرة من زهور الياسمين البيضاء.
الحميع كان يحب هذا الملك، وكلهم بلا استثناء حضر الجنازة التي استمرت لعدة ساعات، حتى أن الأطفال والصغار قد حضروا ولم يقتصر الأمر على الكبار فقط.
قررتُ اليوم أن أخبر الملكة أنني سأعود إلى منزل السيدة صابرين وخرجت من حجرتي متجهةّ إلى جناح الملكة، طلبت من الحارس أن يخبر الملكة بقدومي وهو غاب لدقائق ثم عاد يخبرني أنها تنتظرني في الداخل.
" سموك." حييتها بانحنائة خفيفة من ظهري وهي أشارت لي بالاقتراب، كان أولادها موجودين، التوأمان هدير و ندير والأميرة هيار.
طلبت مني الجلوس على الأريكة المقابلة لأريكتها حيث تجلس هيار، بينما أبنائها واحد بجانبها من اليمين والآخر من اليسار.
" سمو الملكة، لقد قررت العودة إلى آراتيا الغربية وأريد منك فقط أن تطلبي من الحارس الذي اصطحبني إلى القصر أن يعيدني إلى المنزل الذي خرجت منه." قلت لها.
" ولكن يا عزيزتي سراب لماذا لا تبقين هنا بجانبي؟ هل قام أحدهم بإزعاجك ؟" سألت بلطف ولكن الحزن الذي خيم على صوتها خرج واضحاً في نبرتها.
" أنا أحببتك ابقي هنا أرجوك." قالت هيار بحزن لأبتسم لها.
" لا سموك، لم يزعجني أحد، وأنا أيضاً أحببتك يا سمو الأميرة هيار، ولكن أنا أتيت للمدينة مع ثلاثة أشخاص وأريد العودة للبحث عنهم." قلت لها وهي صمتت للحظات.
" إذا أردت أخبر الحراس أن يبحثوا عنهم وإحضارهم." قالت ووافقتها هيار الرأي.
" شكراً لك جلالتك ولكن أريد العودة لمنزل السيدة صابرين، بعد إذن جلالتك." قلت لها لتنظر لي وتبتسم.
" حسناً كما تريدين، غداً صباحاً أخبر الحارس ليصطحبك إلى منزل تلك السيدة." قالت.
" شكراً لك جلالتك، أنا أستأذن." قلت وأنا أقف لتهز الملكة رأسها وأخرج.
خرجت منتوجهة إلى حجرتي لأقوم بتحضير أعراضي في الحقيبة للغد وبعدها خرجت إلى حديقة القصر لأجد هيار هناك تجلس على الكرسي أمام النافورة، اقتربت منها لأجدها تبكي وهي تنظر باتجاه النافورة.
" سمو الأميرة، توقفي عن البكاء أرجوك." قلت وأنا أمسح لها دموعها بيد وأمسك بيدها بيدي الأخرى ولكنها فقط نظرت لي وعينيها لا تزال تذرف الكثير من الدموع.
ثم وقفت واحتضنتي لتجهش بالبكاء. " لقد كان كل شيء في حياتي، كان أبي وصديقي وحبيبي وأخي وأختي التي لم تلدها أمي، وبذهابه ذهبت كل أسرتي، لا أحد يفهمني مثله، كنتُ ابنته المدللة ولا زلت كذلك لكنني متعبة للغاية بدونه، لا أستطيع النوم وأنا أعلم أنه غير موجود في خذا العالم، كيف يمكنني أن أغمض عيناي وأنا أعلم أن جسده يحتضن التراب بدلاً من أن يحتضنني؟" قالت تفرغ كل مشاعرها في حضني، وبكائها الشديد مزق قلبي حقاً.
" هل لك أن تستمعي لي قليلاً وتمسحي دموعك؟" قلت لها بعد ابتعدت عن العناق.
" سأحكي لك قصتي، عندما طنتُ صغيرة في الخامسة من عمري توفي والداي في رحلة لهما، وعشتُ أنا مع جداي، كان جدي رائعاً عوضني عن كل الحزن الذي شعرت به بسبب غياب والداي تعلقت به بشدة لا آكل إلا معه، لا ألعب إلا معه وهكذا مضى عامان حتى أصبحت في السابعة وهو توفي أيضاً.
بكيت كثيراً وقلت لجدتي أنني فقدت كل أسرتي ولكن جدتي وقفت بجانبي حتى خرجت من الصدمة، بعد عدة أعوام وعندما كنت في الثامنة عشر من عمري وقبل عيد مولدي التاسع عشر بأيام عدت من المدرسة لأجد جدتي أيضاً قد توفيت، عندها حقاً لم يتبقى لي أحد وبكيت كثيراً بسبب إدراكي لهذا الأمر.
ولكنني تذطرت وعدي لجدتي بأن أصبح طبيبة لذلك فقط اجتدهت ودرست بجد حتى أصبح طبيبة وأصبحت، لكنني لم أجد الوظيفة المناسبة في موطني لذلك فقد خرجت منه ولا أعلم كيف نجوت مع تحطم السفينة خاصتنا في البحر، وها أنا ذا أمامك، حاربي لأجلك هيار، لا أجل أحد آخر وتذكري أن والدك يريد لك الأفضل وربما يراك من مكان ما لذلك كوني قوية لأجله." قلت لها وهي كانت تستمع بإنصات.
" والآن ألن تودعيني؟" قلت وأنا أفتح يداي لتحتضنني بابتسامة.
" أنتِ صديقة رائعة." قالت.
" أتعلمين أنك صديقتي الأولى؟" قلت لها لتبتسم باتساع.
" وأنت أيضاً صديقتي الأولى يا سراب." قالت. " وأعدك أنني سأكون أقوى وسأجعل أبي فخوراً بي جداً، ولن أنساك ما حييت، لكن أرجوك تعالي لزيارتي كثيراً." قالت لابتسم لها.
" سأزورك كثيراً، طالما أنا هنا في آراتيا، سوف آتي لزيارتك قريباً." قلت لها وابتسمت هي بشدة.
_
غادرت القصر منذ أسبوعين وعدت إلى منزل صابرين التي استقبلتني بكل حفاوة.
منذ أسبوعين وأنا أحاول البحث عن الربان وشهلا ووالدها ولكن لم أجد أحداً، خصوصاً مع الحداد الذي لا يزال قائماً لليوم في مدينة آراتيا.
كنتُ أجلس في منزل صابرين أطلع على أحد الكتب الطبية الذي أحضرته من المكتبة عندما أتت صابرين تركض بهلع وهي تأتي باتجاهي.
" الأميرين هدير وندير يتبارزان لتحديد من سيحكم العرش وقد أمر الأمير هدير بإغلاق أبواب المدينة اليوم صباحاً حتى أجل غير مسمى.
الأمير ندير سينتقل لقصر الملك الصيفي الموجود في آراتيا الشرقية بينما الأمير هدير قرر أن يأتي للعيش في القصر الشتوي في آراتيا الغربية هنا، وسيمنع أي شخص من التنقل بين آراتيا الشرقية والغربية وهذا بحد ذاته سيسبب الدمار والتفرقة والحقد بين الأفراد.
فآراتيا الغربية تحوي كل المؤونة والعتاد والأسحلة ومتطلبات العيش، أما آراتيا الشرقية فتحوي على البساتين ومزارع الحيوانات كما أنها تحوي ينابيع المياه العذبة التي لا توجد في آراتيا الغربية.
ستتوقف التجارة والصناعة إلى حين تحديد ملك جديد وهذا أيضاً سيسلط علينا الأعداء الخارجيين لأنه إذا ضعفنا من الداخل سنضعف من الخارج ولن نستطيع محاربة العدوان الخارجي." قالت وأنا فقط ذهلت.
منذ أسبوعين كان كل شيء بخير عندما تركتهم، ما الذي يحصل؟!
" كما أن الخوف الأكبر من ذبول أزهار الياسمين لأنها إذا ذبلت بسبب الحقد هذا يجعلنا أضعف وأضعف." اكملت وهي تجلس بجانبي.
" يا إلهي هذا يصعب إيجادي لشهلا ووالدها والربان، من كان يظن أن هذه المدينة الهادئة ستتحول لصاحبة في عدة أيام؟" همست بيأس كبير.
" من سيحدد الملك؟" سألتها بعد مرور القليل من الوقت، كل واحدة منا كانت شاردة في أفكارها.
" الملكة تحدد الملك الجديد.
في العادة يأخذ الابن البكر العرش ولكن لأنهما توأم ولا فرق بينهم سوا بدقائق قليلة سيكون الأمر أصعب." قالت وأنا فكرت من أين تخرج المصائب فوق رأسي باستمرار؟
أرجو فقط ألا يطول هذا الأمر لأنني بدأت أفقد الأمل بالفعل.
_
Marselinewrite