"إلى اللقاء، سأشتاقك كثيراً يا خالة." قلت للمرأة المسنة التي أمامي انحني بظهري كي أصل إلى طولها، فنظراُ لأنني من الطويلات أعاني كثيراً عندما أريد احتضان أحدهم.
"وأنت أيضاً سأشتاقك يا عزيزتي سراب، لا تنسيني." قالت السيدة فردوس لأقبّل خدها المليء بالتجاعيد والذي لم يخفي جمالها الذي كانت عليه قبل ثلاثين سنة. بالرغم من سنوات عمرها التي تفوق السبعين عاماً. لطالما تساءلت لماذا بشرتها بذلك الصفاء وكان السبب أنهم لم يكونوا من قبل يضعون على وجوههم ما يسمى بمساحيق التجميل.
"وهل يمكنني نسيانك يا خالة؟" قلت وأنا احتضنها مجدداً لتبكي وهي تشد على عناقي تعلم أنه لا تراجع في قراري هذا وأنني لن أظل هنا وسأسافر مهما طرأ.
أنهيتُ وداعي لها أحمل حقيبتي قبل أن أركب الباص الذي وقف أمامي للتو، وعيناي مليئة بدموعي التي رفضت الهطول وعلق بعضها برموشي انذاراً بتمردها عليّ تصنع غباشة كبيرة تمنعني من رؤية الخالة فردوس التي تلوح لي مودعة.
السفر، الهروب، المغادرة..
أياُ كان ما أقوم به الآن فهو مؤلم للغاية، يحفر في قلبي أخاديد من الحزن ولكنها تجعل منه أقوى وأقسى مع مرور الوقت، تجعلني أبكي داخلياً دون إخراج الدموع، كشخص ضعيف يمثل القوة وعند أي منعطف يسقط متهشماً وينتهي به المطاف ضعيفاً كما هي حقيقته.
ومع أنه لم يبق لي أحد إلا أنني أشعرُ وكأنني ورقة في دفتر عتيق يجمع قصة حبٍّ بين طرفين، كلاهما لا يستطيع العيش بدون الآخر ولكن الآن تتمزق هذه الأوراق لتترك تلك القصة ناقصة وبلا معنى.
سراب هو اسمي..
ولم أجد أحداً من قبل يليق عليه أسمه مثلي، كل حياتي كانت عبارة عن سراب، كلما ركضتُ نحوه تفاجئت أنه صحراء قاحلة لا ماء ولا شجر فيها وأنا الذي ظننته واحة فيها من الماء ما يروي ظمأ سنيني.
نزلتُ من الحافلة بعد أن وصلنا إلى أخر محطة. سأضطر للمشي قليلاً حتى أصل إلى الميناء. سأركب الباخرة لمغادرة هذه المدينة إلى مدينة أخرى بعيدة كل البعد عن هنا.
سأغادر إلى بلاد لا تعرفني ولا أعرفها، لا أعرف عنها سوى أسمها ولا تعرف عني سوى ما كُتب في جواز سفري سأغادر لمدينة جديدة وسأرى أناس جدد وسوف لن أتذكر هذه المدينة وسأرمي كل الكلام الذي يقولونه عن حب الوطن والشوق له في وجوههم.
سأنسى أنني كنتُ يوماً هنا، وسينسون هم أيضاُ وجودي.
ربما ذلك أفضل.
سأتعرف على أناس جدد وربما لا، بحكم شخصيتي الانطوائية التي لم تكن تحب سوى السيدة فردوس، صديقة جدتي وجارة المنزل.
رُهابي من الطائرات شكل لي عقدة منعتني من اختصار الوقت والمسافات، بسبب حادثٍ صغير وبسيط نظراً لعطل في طائرة كان فيها والداي يسافران لأجل زيارة أحد الأصدقاء أودت بحياتهما عندما كنتّ لا أزال طفلة في الرابعة من عمرها.
صعدتُ درجات السلم الصغير الذي سيوصلني إلى الباخرة التي ستكون صديقتي لأيام طويلة ريثما أصل لوجهتي. ووقفتُ لحظات أمامها قبل أن أسحب نفساً عميقاً وددتُ لو أخذتُ معه هواء الكرة الأرضية ولكنني أخذتُ كفايتي فقط وزفرت ما تبقى منه لألوث الهواء من حولي بكربوني اللعين.
خطوت المسافة الفاصلة التي ثبت عليها لوح خشبي عريض يصل بين السفينة والسلم القصير نسبياً حتى يتكن الناس من الصعود على متن الباخرة. وساعدني أحد الشبان الذين من الطاقم والذي أعطاني يده لأستيطع النزول وانتقل إلى الجهة الأخرى.
وكأنني بذلك انتقلت إلى عالمٍ آخر... هذا ما شعرتُ به.
"شكراُ." همستُ بها عندما أغلت الفتى الذي ساعدني يدي ليخبرني أنه لا بأس ويذهب ليساعد أمرأة مسنة وابنتها على الصعود على متن الباخرة.
تمشيتُ في أرجاء الباخرة مدة لا بأس بها، قبل أن يعلن القبطان أننا سننطلق وابتسمت، ابتسامة خرجت بالكاد من ثغري ولكنها تسللت إلى قلبي. أشعرُ بأنني سأتنفس هواءً جميلاً عما قريب. رحب القبطان بنا وأخبرنا بقواعد ركوب الباخرة قبل أن يعلن أنه موعد انطلاقها وتعلو مع آخر كلماته هتافات الطاقم الذي كان سعيداً بهذه الرحلة الجديدة.
توجهت بمساعدة أحد الشبان إلى حجرتي و التي حرصتُ بقليل من المال على أن تكون لي وحدي. فلا أريدُ شريكاُ ثقيل الدم يفسد عليّ رحلتي ويعكر لي صفوي، ويقلب هدوئي الذي أرجو الحصول عليه في هذه الرحلة إلى ضجيج ثقيل.
استلقيتُ على السرير الذي كان يقع بجانب حائط كبير وزجاجي، كانت هذه الباخرة مصممة بطريقة مميزة ورائعة، فجدرانها السفلية التي تمثل قاعات مختلفة وحجرات للنوم كانت تمتلك جدران زجاجية تريك المياه الزرقاء والحيوانات داخل المحيط.
كانت جميلة وهادئة بعيداً عن الصخب والضجيج الذي حظيت به اليوم.
كنتُ قد رميتّ حقيبتي على الأرضية بجوار الباب بعد إن أغلقته لذا وقفتّ بتكاسل أبدل ملابسي بأخرى سريعاً، وأعود للأستلقاء مرة أخرى، لا أعلم كم مضى من الوقت وأنا أتأمل الأسماك التي تمر من جانب رأسي والمياه ذات الصوت الجميل والهادئ ولكنني غفوت ولا أظن أنني أمضيتُ أكثر من خمسة دقائق.
_
أمضينا في هذه السفينة الرائعة أربعة أيام جميلة، لم أعلم كيف مضت لشدة ما كانت سريعة.
البحرُ كان هادئاً والرياح خفيفة ويُتوقع أن يظل هكذا حتى نهاية رحلتنا التي ستنتهي مع انتهاء هذا الأسبوع. أي بعد ما يقارب الثلاثة أيام أو أكثر بحسب البحر وأمواجه كما قال الرّبانُ لنا.
كنتُ قد تعرفتُ على العديد من الأشخاص في هذه الرحلة القصيرة، ليس العديد بل عددٌ محدود للغاية. فتاة لطيفة تدعى شهلا ووالدها العجوز سرمد.
تعرفتُ عليهما في يومي الثاني هنا وقد كانا شديدي اللطف معي.
تناولنا طعام الغداء البارحة معاً وأمضيتُ وقتاً قليلاً مع شهلا الليلة الماضية، إنها فتاة مرحة للغاية، شديدة الحساسية وكل ما في قلبها يخرج من فمها. ساذجة قليلاً لكنها لطيفة.
كنتُ قد استيقظتُ باكراً اليوم لذا فبعد أن تناولنا طعام الغداء اليوم ذهبت لآخذ قيلولة سريعة للغاية.
قبل أن استيقظ على أصوات أفزعتني وأخرجت ما بداخلي من خوف، استيقظت على صوت هرج ومرج على سطح الباخرة نظرتُ حولي لأرى الكثير من المياه قد تسربت إلى الأسفل ووصلت لغرفتي.
ما الذي يحدث؟
وقفتُ سريعاُ وحمدت الله أنني لم أبدل ملابسي قبل النوم بل استليقت وغفوت سريعاُ، لذلك فقد حملتُ حقيبتي الصغيرة التي بها كل ما أملك وخلعت حذائي أمسكه بيد وباليد الأخرى أفتح الباب أخرج من الحجرة وأركض حتى أصل لسطح السفينة.
عندما وصلت للسطح تفاجئت بالجميع هناك والربان يصرخ بطاقمه وهو يحرك دفته يميناً ويساراً يقاوم الموج الذي هاج فجأة من حولنا.
أدرت عيناي أبحث بهما عن شهلا ووالدها لأجدهما يقفان في مكان على السطح قريب مني، شهلا تحتضن والدها وتبكي وهو يربت على ظهرها يخبرها أن كل شيء سيكون بخير.
بالطبع لم أستمع لصوتها بل قرأت شفاه السيد سرمد.
اسرعت نحوهما بالكاد أستطيع المشي مع كل هذه المياه التي تغرق الباخرة، وتأتي من الجهات التي حولنا تنقلب من هنا إلى هنا، وتهيج الأمواج فترتفع فوقنا وتسقط على الكثير منا فيقعون أرضاً.
رأيت الكثير يتساقطون كالثمار من على الأشجار يسقطون في البحر من حولنا ولا يستطيعون التشبث ببعضهم البعض.
وهذا زاد من ارتجافي وسرعتي للوصول لشهلا ووالدها.
وصلت لهما وأمسكت شهلا أبعدها عن والدها واحتضنها أهمس في أذنها أن كل شيء سيكون على ما يرام. لتبادلني الحضن وننظر لربان السفينة الذي يركض من هنا لهنا حتى ينقذ هذه الباخرة الضخمة من خطر الغرق والموت المحتوم.
وعندما كنتّ سأتحدث لأخبر شهلا ووالدها أن نذهب لنساعد الربان وطاقمه، شعرتُ بالأرض تميد من تحتنا فنظرت للبحر لأجد دوامة كبيرة تدور بقوة وتسحب السفينة إلى داخلها.
"دوامة!" بالكاد همست، لكنها لم تكن مجرد دوامة.
بل إعصاراً مائياً ضخماً يدور في دوامات دائرية كبيرة تسحب كل ما تصل إليه لتبتلعه داخلها. توسعت عيناي على ما أراه ولم أعد أستيطع التحدث. ما الذي يحدث وما هذا الذي أراه.
يا إلهي.
ومرة أخرى قبل أن أتحدث أو افتح فمي، ارتجت السفينة من أسفلنا وسقطت على أرضية الباخرة أشعر برأسي قد ارتطم بشيء ما وأغمضتُ عيني.
كان آخر ما رأيته هو وجه شهلا التي سقطت بجانبي وموجة كبيرة من المياه أعلمتني أن نهايتي التي لطالما انتظرتها قد أتت.
_
Marselinewrite