|8| زهرة سامة تقتل من يلمسها بسمومها.

|8| زهرة سامة تقتل من يلمسها بسمومها.

24 0

•سراب•

بعد إغلاق بوابات المدينة وعدم فتحها مرة أخرى أصبحنا نعيش في قلق دائم مما يحصل مع الأميرين، وأنا أصبحت اساعد صابرين في صنع الخيوط الملونة التي تستخدم لغزل السجاد والملابس.

ومرة عندما ذهبت للنهر لأحضر الماء فوجئت بمياهه التي تحولت للون الأسود المعتم المغاير للونها الصافي من قبل، وأزهار الياسمن قد بدأت بالتساقط من على أسوار المدينة بالفعل ومن الحدائق والأشجار.

وعندما سألت صابرين عن هذا أخبرتني أن الحقد على الأقل انتشر بين شخصين منذ موت الملك، ألا وهما الأميرين، والشعب الذي انقسم بينهما، لذلك فسقوط أزهار الياسمين كان له الكثير من الدلائل، وهذا ما كان يخيف السيدة صابرين.

في أحد الأمسيات التي كنا نجلسها معاً في حديقتها الخلفية نبعد الهموم عن أذهاننا ونتمتع بفنجانين من الشاي لنروح قليلاً عن أنفسنا، ونذهب عنا وحدتنا.

" هل أنتِ متزوجة يا خالة؟" سألتها بفضول أقتل الصمت بيننا.

" أجل." أجابت.

" هل لديك أبناء؟ لم أرَ أحداً منهم؟" سألتها بفضول أكبر أرتسف من الكوب خاصتي.

" بالطبع، لدي أربع أبناء، ثلاثة أبناء ذكور وأبنة واحدة." قالت بنبرة بدت غريبة على أذني.

" واين هم يا خالة؟ لم أراهم يزورونك يوماً ؟" سألت.

" زوجي توفي منذ زمن بعيد، ربيت أولادي الأربعة بمفردي، ولكنهم تركوني بمفردي، أولادي الثلاثة تزوجوا منذ زمن وانتقل كل واحد منهم لعشه الخاص ولا أراهم إلا في الأعياد أو المناسبات هم وأطفالهم، وابنتي كذلك تزوجت..." قالت ثم قطعت حديثها ترتشف من فنحانها لأنظر لها بفضول، وران الصمت بيننا مدة لا بأس بها وأنا أنتظرها أن تكمل.

" ما بها ابنتك يا خالة؟" سألتها.

" تزوجت ابنتي كأي فتاة في آراتيا في السادسة عشرة من عمرها، وبعد عام حملت بطفل وأنجبته، كالقمر والقمر يأخذ جماله منه، ولكنها توفيت وهي تلده." قالت بصوت حزين وتحشرج صوتها وهي تتحدث، عينيها لم تنظر لي، كانت تنظر للأمام وكأنها تتذكر ما حصل معها.

" وأين هو الطفل؟" قلت.

" لقد ربيته إلى أن أصبح في الخامسة عشرة من عمره، ولكن في يوم خرج مع أصدقائه لساحة اللقاء ولم يعد، بحثنا عنه ولكنه أختفى والده الذي نذر نفسه لأبنه ولم يتزوج بأخرى حزن بشدة بعد غيابه واختفائه لثلاثة أعوام وعدم إيجادنا له جعل الحزن يأكل قلبه ومات من الحزن على فراقه، وهذا تُركت وحيدة، أنتظر لعل حفيدي العزيز آرون يعود يوماً إلى حضني ويشفي قلبي المتعب بوصاله لي." قالت ودموعها تساقطت أثناء حديثها،وشعرت بالحزن الشديد عليها.

" لا عليك يا خالة، أتمنى أن يعود حفيدك لحضنك، وأنا سأظل بقربك حتى أجد من أبحث عنهم." قلت لتبتسم لي.

" كم سيكون عمر حفيدك إن عاد؟" سألتها بفضول.

" في الثلاثين من عمره، لا تنظري هكذا بغرابة، أمه كانت ابنتي الكبرى ولذلك عندما تزوجت هي أنا كنت في الثلاثينيات من عمري، وبعدها ربيت حفيدي لخمسة عشرة سنة، والآن غاب خمسة عشرة سنة أخرى، لذا فهو في الثلاثين، أما أنا فأبلغ من العمر الآن سبعين عاماً." قالت وفسرت لي عندما نظرت لها باستغراب.

" الفتيات هنا تتزوج في سن صغيرة لعادات وتقاليد، في السادسة عشرة من عمرهن، وأغلبهن ينجبن الأطفال أيضاً في سن صغيرة، لذا عندما أنجبت ابنتي كنت في الثامنة عشرة من عمري، وفي نظر الجميع كنت قد تأخرت في الحمل، هذه العادات والتقاليد تغيرت منذ زمن، ولم تعد نفسها، الآن لا تتزوج الفتيات إلا عندما يردن ذلك، خصوصاً بعد ما حصل مع الأميرة نارن وزوجها ليمور." قالت بابتسامة وقد ذهب الحزن عنها.

" من هي الأميرة نارن؟" سألتها بفضولي المعتاد، أشعر أنني لم أعد الشخص الذي كنت عليه قبل شهر من الآن، حقاً الأماكن تغيرنا وتجعل تفكيرنا وكل ما نفعله مختلف بشكل أو بآخر.

أحببت كيف أصبحت منفتحة أكثر مع صابرين، أتحدث أكثر وأسمع أكثر، ربما كان العيب من المكان الذي كنت فيه، لا مني.

" ألم أحدثك عن قصتها؟ أنا حقاً عجوز خرفة تنسى الكثير باستمرار، سامحيني يا ابنتي كان يجب أن أحدثك عن قصتها منذ زمن. بكل الأحوال، الأميرة نارن هي الأميرة التي تغيرت بسببها الكثير من القوانين في آراتيا." قالت لأضحك وتبدأ هي بسرد القصة لي.

_

•شهلا•

كنت قد خرجت إلى الحديقة الأمامية لمنزل نجمة وعبيدة، ورأيت زهرة جميلة جداً، لونها أحمر قاتم كلون الدماء وفروعها تمتد للأعلى بشكل رائع، أما الغريب فيها فهي جذورها التي كانت فوق التربة، ولا شي منها كان تحت الأرض، تفاجئة من مظهرها، فكيف يمكن أن تنمو بدون أن تلامس التربة، شعرت أنها معلقة بالهواء.

كانت تنمو في الظلام، بجانب أحد أجزاء المنزل التي لا يصل إليها الشمس، كالفطر تماماً، وعندما تصل الشمس إليها تضمر وتلتف على بعضها كقبضة اليد ولكن بحجم أصغر، وعند عودة الظلام تعود لتتفح بشكل غريب للغاية

راقبتها للأيام الماضية ولم أخبر أحداً عنها ولكن أظن أنني يجب أن أحبر نجمة عنها، فربما تكون مؤذية.

ركضت إلى المنزل ادخل وأخبرها أن تأتي معي لترى تلك الزهرة، وعندما رأتها شهقت تضع يدها على فمها وعيونها التي تكاد تخرج من محاجرها أعلمتني بأن الأمر خطير.

" هل اقتربت منها او لمستها؟" سألتني على الفور.

" لا."

" إنها زهرة سامة للغاية، وتقتل أي شخص يلمسها بأبشع الطرق، الحقد الذي انتشر بيننا هو السبب بظهور هذه الآفات التي ستقضي علينا." قالت بحزن شديد.

" آسفيرا اسم هذه الزهرة السامة، التي تختار مكاناً مظلماً لتنشر فيه سمومها وشرورها، تجذبك بشكلها الجميل ولكن بمجرد لمسها ستصيبك الهلاوس وستموتين بسبب سمومها التي ستنتقل في جسدك بسرعة رهيبة، خلال أقل من يومين ستكونين قد مُتِ." أردفت تشرح لي.

" ستسألين عن الشرور، وكيف لزهرة جميلة المظهر أن تمارس الشر وتنشره، عدما تقطفينها ستظهر فوقتك سحابة صفراء يتمول لونها تدريجياً للأسود الحالك وتستمر بملاحقتك، تنفث حقدها بداخلك وتبدأ بنشر الفتن عن طريقك، ولن نتخلص من هذه الأزهار إلا بعودة المدينة كما كانت." قالت.

" ألا توجد طريقة أخرى؟" سألتها.

" لا ويجب أن نقتل بقية المزروعات قبل أن تتحول هي الأخرى إلى مزروعات سامة. إذا تناولناها سينتقل السم الذي فيها إلينا ونموت، أو ينتشر الحقد في قلوبنا ونتقاتل فيما بيننا على أتفه الأسباب." شرحت.

" يجب أن نحذر والدي والربان والسيد عبيدة." قلت.

" يجب ذلك ولكن أخشى ان يكون أحدهم قد تناول شيئاً منها." قالت.

" لا أظن ذلك." قلت. " لقد خرجوا صباحاً بعد الفطور مباشر ولا أحد منهم قد جلس في الحديقة." أكملت.

هزت رأسها ولم تعقب ومضت عدة لحظات في صمت مطبق.

" سأخبر عبيدة عندما يعود أن يقطف المزروعات بطريقة آمنة ويرميها أخشى أن تكون هذه النبتة قد نشرت سمومها، وأنا سأذهب للسوق وأشتري اللحم والخضار لأعد الغداء." قالت. " وأنت ماذا ستفعلين؟" سألتني.

" ربنا أذهب المكتبة، وأذهب بعدها للجبال الذهبية." قلت.

" لا تتأخري في العودة، الأوضاع أصبحت خطرة، أخاف عليك من الأذى." قالت لابتسم.

" حاضر يا خالة." قلت وتركت السيدة نجمة في البيت أخرج منه وأتوجه إلى المكتبة حيث السيد موران.

" مرحباً." قلت أدخل رأسي من الباب ليضحك السيد موران ويشير لي بالدخول.

" ما الكتاب الذي ستعطيني إياه اليوم؟" سألت وأنا أعطيه الكتاب الذي كان بحوزتي.

" كتاب غريب تنقصه سبعة صفحات، إنها موحودة ولكن اللغة بها غريبة والصفحات السبعة مهترئة قليلاً، موجودة في الكتاب في نهايته مطوية لأنه سبق وأن قطعها أحدهم." قال يناولني الكتاب لآخذه وأنا أنظر لشكله الغريب.

كان مكتوباً على غلافه الأسود "آراتيا." بخط كبير من الأعلى ومن الأسفل تحتها كتب بخط أصغر " مدينة الياسمين." فتحت الكتاب أقلبه، كانت صفحاته صفراء وقديمة، كان الكتاب قديماً، وعلى ما يبدو أنه يتحدث عن آراتيا.

لا خيار لدي.

" سآخذه." قلت للسيد موران أودعه و أتجه إلى الجبال الذهبية.

صعدت حيث التلة الخاصة بي وجلست وانا أفتح الكتاب ابدأ بقراءته ببطء شديد.

مضى الوقت قبل أن أقف سريعاً وأنا أعيد قراءة السطور القليلة التي أمامي.

إنها هي! الطريقة الوحيدة لعودتنا.

إنها هي! الطريقة الوحيدة لنجاتنا وعودتنا إلى عالمنا.

ركضت مسرعة أنزل من التلة ولكن حجراً صغيراً كان أمامي لم أنتبه له تعثرت به وسقطت على الأرض، حاولت الوقوف لكن قواي خارت فجأة، وغبت عن الدنيا وأنا أغمض عيناي بعد ان اصبح كل ما أراه هو اللون الأسود.

_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

آراتيا.

المؤلف Marselinewrite
2025/07/29 مكتملة
قائمة الفصول (20)
الفصل 1: |1| إلى اللقاء.
2025/07/29
الفصل 2: |2| أين نحن؟!
2025/07/29
الفصل 3: |3| يا لها من مدينة سحرية.
2025/07/29
الفصل 4: |4| أنا طبيبة.
2025/07/30
الفصل 5: |5| الخروج من الغابة كأنك عائد من الموت.
2025/07/30
الفصل 6: |6| لا أستطيع النوم وأنا أعلم أنه ليس في هذا العالم.
2025/07/31
الفصل 7: |7| نتحدث بحديث لم نذكره في اليوم الذي قبله.
2025/07/31
الفصل 8: |8| زهرة سامة تقتل من يلمسها بسمومها.
2025/07/31
الفصل 9: |9| أقف مكتوف الأيدي وهي غائبة عن عينيّ.
2025/07/31
الفصل 10: |10| لقد كدت أموت من الرعب.
2025/07/31
الفصل 11: |11| الطريقة الوحيدة لأعود إلى عالمي.
2025/08/02
الفصل 12: |12| لا نستخدم السيوف والسهام لقتل أعدائنا.
2025/08/02
الفصل 13: |13| الأحلام تصبح حقيقة.
2025/08/02
الفصل 14: |14| ورقة، ريشة ومحبرة.
2025/08/02
الفصل 15: |15| ولكنني لا أحلم بالتأكيد!
2025/08/02
الفصل 16: |16| يجب أن تكونِ أقوى.
2025/08/02
الفصل 17: |17| لقد عادت قرة عيني.
2025/08/02
الفصل 18: |18| سراب؟ كيف وصلتِ إلى هنا؟
2025/08/02
الفصل 19: |19| أردت أن أترك لكم ملكاً عادلاً.
2025/08/02
الفصل 20: |20| النهاية.
2025/08/02

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة