الثّامن من بعد الأربعين

الثّامن من بعد الأربعين

69 0

بعدَ أيّام..

التصقَ زين بليلي بعدَ المدرسة ، و أبى إلّا أن يلازمها إلى بيتها رغماً عن أنفها ، كلُّ ذلك جاء على إثرِ رغبةٍ حثيثةٍ في داخله ، و طلبٍ من علي و حسن كذلك ، لقَدْ حظي الثّلاثةُ بنقاشٍ سريعٍ عن وضعِ ليلي عندما كانَ عندهم في البيت ، و قرّروا في ختامه أن يسلّموا الثّقة له كأقرب أصدقائها؛

لقَدْ عادَتْ في ذات اليومِ من المتجرِ بلا ليمون ، و دخلَتْ إلى غرفتها ، أقفلتِ البابَ لم تتناول طعامها و لم تجلس مع ضيفها العزيز زين ، لم تخرج مهما كانَ إخوتها مصرّين ، لقَدْ شتمتهم بأعلى صوتها أيضاً؛

1

كانَ الموقفُ برمّته ثقيلاً و غريباً ، لم يستطع فيه علي حتّى أن يؤنّبها ، لم يتلفّظ بحرف ، تركها تقولُ ما شاءَتْ ، و انتظر ، هذا خيارُه الوحيد.

و اليوم ، قرّرَ زين أن يفتتحَ معها الموضوع ، موضوعَ الحدثِ الخطيرِ الذّي تسبّبَ بانقلابها المفاجئ إلى بنتٍ ساكنةٍ جدّاً و وقحة ، لكنّه لم يجد سبيلاً إلى ذلك؛

ظلّ يمشي إلى قربها ، عيناه في الأرضِ تراقبُ خطواتهما المبعثرة ، لم يكن ينظرُ إليها حتّى ، فهو يعرفُ أنّ وجهها متجهّمٌ كوجهِ الضّفدع ، لا ، لا يستطيعُ أن يتفوّه بمثلِ هذه المزحةِ الآن ، قَدْ تنهي صداقتهما إلى الأبد ، زين يعرفُها جيّداً.

ماذا سيفعلُ الآن؟ هي تأبى أن تكلّمه ، و وضعها الحاليّ لا يسمحُ بفتحِ موضوعٍ جدّيّ ، جرحُ قلبها ما يزالُ حيّاً غضّاً ، لمسُه سيعيدُ النّزيفَ تماماً كساعةِ الجرح الأولى ، و ربّما أكثر..

_"ليلي"

_"ماذا تريد؟"

_"أتتزوّجين بي؟"

توقّفَتْ في منتصفِ الطّريق مصعوقة ، و وقفَ المخبولُ كمثلها ، استدارَ نحوها يبتسمُ ابتسامةً غبيّةً مازحة ، ثمّ زمّ شفته السّفليّةَ و رفعَ حاجبيه يدّعي المسكنة ، لم تستطع أن تقمعَ ضحكتها في هذه المرّة ، نجحتَ زين!

_"غبيّ!"

_"مهلاً مهلاً يا فستقة ، لا يمكنُكِ سبُّ زوجكِ"

أبقَتْ على أثرٍ من الضّحكة ، و تراخى وجهها قليلاً يسمحُ لضوءِ الشّمسِ الضّعيفِ بالانسلالِ إلى مقلتيها الباردتين ، كانَ وجهها في مرمى الأشعّةِ الخجولةِ النّافذةِ من بين الغيومِ و الغموم ، تضيءُ تفاصيله الرّقيقةَ بلونٍ ذهبيٍّ خفيفٍ جعلَ زين يسكنُ لوهلة ، لقَدْ راقَه المنظرُ جدّاً ، لم يستطع أن يبعدَ عينيه عنه ، لقَدْ أدركَ بغتةً كم هي هذه البنتُ جميلة ، على الرّغمِ من أنّها لا تمتلكُ صفةً جسديّةً مميّزة ، بل مهلاً ، ليلي فريدة ، فريدةٌ و لو كانَ لها من الأشباه ستّون؛

لحظةً زين! فيمَ تفكّر؟

_"زين"

_"ما الأمر؟"

_"أنا و إيليا.."

اقتربَ منها قليلاً ما إن بدأ صوتها ينخفض ، إيليا هو السّرُّ الذّي تكتمه منذُ أيّامٍ و تأبى أن تفصحَ به ، إيليا سببُ انقلابِ أوضاعها رأساً على عقب ، و لكن ، ما الذّي حدث؟ و كيف يمكنُ لزين المتهوّر إصلاحه؟

_"إيليا خيّرني.."

رُبِطَ لسانُها ، و لم تعد الحروفُ تصدرُ عنه؛ ماذا ستقولُ له؟ هو يريدُ لصداقتنا أن تنتهي؟ يريدُ أن أختارَ من سأخسرُ بيديّ؟ أم يرمي عليكَ مسؤوليّةَ تخريبِ علاقتنا؟

لا يوجدُ ما يمكنُ قوله ، فهي لم تختر و لن تفعل ذلك في حياتها ، لن تستقصدَ خسارةَ أحدِ الاثنين مهما كانَ الأمرُ ثقيلاً ، و مهما تغابى الاثنان في تعاملهما معها ، المهمُّ أنّها تثقُ في أنّ داخلهما لا يمكنُ أن يسودَّ مع سوادِ السّنين ، الخطأ خطأ ، و الجوهر جوهر ، كلّ مفهومٍ لدينا مستقلّ ، و هذا جزءٌ من كونهما بشراً ، أليس كذلك؟

_"ما به إيليا؟"

_"تخاصمنا"

_"لماذا؟"

_"لأنّه يشكُّ بي"

طأطأ زين رأسه ، و شرعَ يعضّ على شفته دون أن يعي ، ذنباً ، و على الأرجحِ خوفاً؛

لقَدْ توضّحتِ الصّورةُ في رأسه بسرعةٍ قياسيّة ، فهمَ أنّه طرفُ الاتّهامِ الآخرُ و المتسبّبُ فيه ، و لكن ما بيده حلّ ، لا يريدُ أن يبتعد.. لا يريد..

_"اسمعي.. إن.. أردتِ أن أبتعد.."

_"هل جُنِنت!؟ طبعاً لا! قالَ يبتعد! صدّقني سأموتُ إن خسرتُك!"

_"إذاً ماذا ستفعلين؟"

_"لا أدري.. صدّقني.. قلبي يحترقُ يا زين.."

اقتربتْ منه ، و أسندت رأسها بعض الإسنادِ إلى صدره المرتجف ، كانَتْ تبكي ، لقَدْ تحاملت على نفسها الكبتَ لكيلا تسري هذه الدّموعُ أمام أحد ، على طولِ الأيّامِ السّابقة ، كانَتْ تكتمُ صوتها و تحاولُ العيشَ في فكرةٍ أُخرى ، لم تكن تريدُ لأحدٍ أن يقترب ، فالجرحُ حيّ..

أكثرَ منها..

____

الامتحانُ الأوّلُ لإيليا في الكليّةِ قَدْ حلّ و حان ، امتحانٌ في مادّةِ الدّراما ، المادّةِ الوحيدةِ التّي حضرَ جميعَ دروسها دون استقطاع ، لكنّه لم يستطع مراجعتها قبل الامتحانِ جيّداً ، فرأسُه مشوّشٌ و ضميرُه الدّراسيُّ غائبٌ تمامَ المغيب ، المادّةُ صعبةٌ إلى حدٍّ ما ، و مدرّسُها متحفّظٌ جدّاً ، أسئلته صعبةٌ و لا يجاملُ طالباً ، و إيليا ليس قلقاً لا يدري لماذا ، لم يشعر بالقلق يسري في عروقه إلّا وقتما جلسَ في قاعةِ الامتحان ، هنالك ، كلُّ شيءٍ اختلف ، حتّى تنفّسه.

خرجَ بهدوءٍ من بعدِ ما أنهى التّعاملَ مع مصيبةِ الأسئلةِ غير المعقولة ، و عادَ إلى مصيبته الرّئيسيّة ، تتكرّرُ على رأسِه جملٌ و أحاديثُ باستمرار ، تتناقلُ في ذاكرته ما بين المدفونِ و الحيّ ، و الماضي القديمِ و الماضي القريب ، الماضي السّعيدِ و الماضي التّعيس ، و أمّا بالنّسبةِ للمستقبل ، فأصواتُه خيرُها قاتمٌ حالك ، لا طعمَ فيه للحياة.

هل سوف يتعاملُ مع كلِّ ذلك في وقتٍ قريب؟ أسوف يشعرُ أنّ حياته اليوم كانَتْ تستحقُّ عناءَ السّهرِ و القلقِ في الأمس؟ هل سوف يستعيدُ أحبّته كما كانوا؟ إلى قربه؟ بعد كلّ ما اقترفَ في حقّهم؟

هل ستعودُ ليلي إليه بعدما مرَّتْ أيّام لم يتواصل معها فيها و هو الذّي أخطأ في حقّها؟ و بعدما اتّهمها بخيانته دون خجل؟

هل ستعودُ و هو لا قدرةَ له على مقابلتها؟

ماذا سيفعل؟

لا يعلم..

خرجَ من مبنى كليّته ، و راحَ يلقي نظره هنا و هناك علّه يفكّرُ في شيءٍ مختلف ، رأى أحبّة ، رأى أصدقاء ، رأى بعض الطّلّابِ مع أهلهم ، رأى ما يذكّرُه بالمشاعرِ الحازّةِ في صدره لا غير ، كلّ شيءٍ فقده إمّا بيديه أو على يدي القدر ، يحملُه النّاسُ معهم ليس و كأنّه شيء ، أصدقاءُ و أهل و أحبّة..

_"إيليا"

استدارَ من فورِه يجيبُ النّداء ، ذلك كانَ تيم ، الذّي لم يجلس معه في البيتِ منذُ قرابةِ أسبوع ، كانَ إيلي يعودُ للنّومِ فقط ، و اليومَ صباحاً تفجّرتِ الأمور ، تشاجرَ معه و أخبره أنّه و لو انتقلَ من البيتِ إلى حاويةِ قمامةٍ سيكونُ أفضل له و لكرامته ، كلُّ ذلك الكلامِ كانَ يصدرُ عن فمه دون أن يعي به أو يعنيه ، و لكن ، هذا تيم ، لن يحكمَ على صديقِ عمره في أوجِ حاجته إليه.

كانَ وجهُ الأخير جامداً ، لا أثرَ فيه لأيّ نوعٍ من المشاعر ، لم يستطع إيليا في نفسِ الوقتِ أن يقولَ شيئاً ، سادَ صمتٌ غليظٌ بينهما ، كسرَه تيم بأن اقتربَ و عانقَه ، كانَ يريدُ أن يخبره أنّه معه ، مهما حدثَ و كيفما كانتِ الأحوال ، لكنّه سكت ، تركَ حركاتِه تعبّرُ عنه ، تركها تتواصلُ مع كتلةِ الجروحِ و الشّاعريّةِ الواقفةِ أمامه ، إيليا

_"ما قلته.. لم أقصده.."

تمتمَ إيلي يدوسُ على كبريائه غيرِ الضّروريّ ، فربّتَ صديقُه على ظهره ، تربيتةً حنوناً ينتظرُ من بعدها أن يهدّئه ، هو يعرف ، يعرفُ أن لا أبغضَ إلى قلبِه ممّا يقترفُ في حقِّ أحبابه الآن

_"أعلم إيلي ، انسه و أخبرني ما الذّي يحدثُ معك"

_"قصصٌ طويلة"

_"و أنا جاهزٌ لسماعها"

أظهرَ ابتسامةً بالشّكلِ لا غير ، و عاد يفكّر؛ من أين يبدأُ قصّ المشكلةِ؟

كيف سيقتربُ من الجرحِ و هو حيٌّ ما يزال؟

_"تعال نجلس"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة