توالَتِ الأيّامُ المدرسيّةُ على ليلي ، لكنّها لم تبلغ أن أصبحَتِ اعتياديّة ، كانَتْ ترتبكُ في كلِّ صباح ، و تضطربُ قبل العودةِ لأنّها لا تريدُ رؤيةَ علي في البيت ، الأخيرُ كذلك أضحى يتجنّبُ الجميعَ عدا والديه ، لقَدْ تحسّنت علاقتُه بهما ، و أصبحَ الاثنان يدعمان كلّ حركاته ، أكثر بكثيرٍ ممّا كانا يفعلان من قبل.
هي لا تريدُ التّفكيرَ في أمرِه اليوم ، فاليومُ هو يومُ القصّة ، اليومُ الأخيرُ من أسبوعهم الأوّل ، أخبرتهم المعلّمة نداء أنّها ستقضي آخر حصّتين بالكاملِ في روايةِ قصّةٍ لطيفةٍ عليهم ، و هي تنتظرُ هذه الفرصةَ مُذ أخبرتهم ، أي قبل يومٍ كامل ، لم تنم جيّداً ، و لم تأكل جيّداً ، و لم تكترث بأخيها كثيراً و هو يوصلُها إلى المدرسة ، و لم تنتبه جيّداً في أوّل درسين ، كلُّ تفكيرِها متمحورٌ حول القصّة ، حول الحصّةِ المميّزة؛
لم تعد تستطيعُ أن تصبر!
ها هي فرصةُ الاستراحةِ الأولى قَدْ حلَّتْ ، و الوقتُ يمرُّ أبطأ من استيعابِ شقيقتها يارا في آخرِ يومين؛
ليلي جالسةٌ في مقعدها تراقبُ النّاس و تعدُّ الوقت ، خمسةً خمسة ؛ زينة ترسمُ شيئاً ما بجانبها ، و لا تتحدّثُ كعادتها ، و طُلّابُ المقاعدِ الأولى في الجهةِ الأُخرى يتحدّثون بصوتٍ مرتفعٍ مع بعضهم ، عدا زين ، الفتى الغريب الذّي يقضي وقته في جمعِ الملصقات ، حسناً ، ليلي و زين يتشاركان في شيئين ، في أنّهما مختلفان عن بقيّةِ الطّلبةِ في الصّفِّ أوّلاً ، و ثانياً في أنّهما اكتشفا كونهما مختلفين هنا في المدرسة ، ما لاحظا الأمرَ من قبل.
يا للضّجر!
لا شيءَ تفعلُه ، ليسَتْ ترغبُ في تناولِ الطّعام ، و لا في الحديثِ مع ذلك الطّفلِ الغريبِ أو عنه ، و لا في فعلِ أيّ شيء ، لا ترغبُ إلّا في سماعِ القصّة ، تُحِبُّ القصص.
طُرِقَ البابُ بعدَ لحظات ، و شدَّ انتباهَ الصّغيرةِ المتضجّرة ، ظلّت تراقبُ المعلّمةَ في طريقِها إليه ، و تراقبُ البابَ و هو يفارقُ الجدار ، و عندما فعل ، رمَتْ بكلّ الضّجرِ و الأفكارِ أرضاً ، و ركضَتْ نحوه؛
هذا إيليا!
_"إيلي!"
ما كادَتِ المُعلّمةُ ترحّبُ به قبل أن سمعَتْ صوتَ ليلي النّاعمَ يصدحُ في الصّفّ ، فضحكَتْ ، ضحكَتْ بصوتٍ منغّمٍ رقيق ، أشبهَ بمعزوفةٍ منه إلى الضّحكة ، هذا ما شعرَتْ به ليلي لأوّلِ وهلة ، هي لا تريدُ أن تصبحَ سوى مثلَ المعلّمةِ نداء ، هي أروعُ بنتٍ كبيرةٍ على الإطلاق!
دعته إلى الدّاخل ، فقبلَ دعوتها و وجهُه يظهرُ حبوراً غايةً في اللّطف ، المُعلّمةُ تعتقدُ بأنّه طفلٌ مميّز ، تؤمنُ بهذا الأمرِ مُذ رأته في حضنِ والدته لأوّلِ مرّةٍ في الإدارة ، كانَ في الثّانية ، و لم يكن يبكي و لا يشاغب ، كانَ هادئاً و رقيقاً ، و قريباً من القلبِ جدّاً
_"كيف حالُكَ عزيزي؟"
_"ممتاز!"
_"ما سرُّ هذه الزّيارة؟"
_"جئتُ أرى ليلي معلّمتي ، لو سمحتِ لي"
كانَ يميلُ بجذعِه و هو يطلب ، و يداه معقودتان خلف ظهره بظرافةٍ و تهذيب ، ابتسمَتِ المُعلّمةُ له ، ثمَّ استدارَتْ نحو ليلي التّي تنتظرُ اقترابه بفارغِ الصّبر ، بدَتْ و كأنّها تقفزُ في مكانها لشدّةِ الحماسةِ و الفرح ، أحسَّتِ المعلّمةُ ها هنا بشرارةٍ من الدّفءِ تنبعثُ عن براءةِ هذين الاثنين ، فتركتهما ، و عادَتْ إلى طاولتِها الوحيدةِ في الزّاوية ، أمام مقعدِ بنتها الصّغيرةِ الوحيدةِ كمثلها.
دلفَ إيلي إلى وسطِ الصّفّ ، حيث كانَتْ ليلي تقف ، ثمّ دنا منها يقصدُ النّظرَ في وجهها مباشرةً ، اندثرتِ الابتساماتُ عند هذا اللّقاءِ المستعجل ، و لم يعرف أيُّ الاثنين كيف يتكلّمُ بسرعة؛
لم يرَها منذُ أيّام ، مُذْ أخذتها أختها الكبرى من ساحةِ اللّعب ، كانَ يفكّرُ في أخذها إلى بيتِ والدته قبل أن يعودَ خالُه ريّان من رحلته ، و ظلّ يذهبُ في كلّ عصرٍ إلى السّاحةِ لأجلِ هذا الهدف ، بيدَ أنّ ليلي لم تظهر أبداً ، و لا حتّى على النّافذة ، لم تظهر إطلاقاً ، لقَدْ قلقَ عليها كثيراً
_"لم أركِ منذُ وقتٍ ليلي ، افتقدتُكِ"
_"و أنا أيضاً!"
أظهرَ لها ابتسامةً طفيفة ، ثمَّ ربّتَ على رأسها كعادتِه ، لكنّه لم ينثر شعرَها في هذه المرّة ، ظلَّ يحدّقُ فيها ، لقَدْ شعرَ بشيءٍ ما ، شعرَ على نحوٍ ما بأنّ الفراغَ على طولِ الأيّامِ السّابقةِ قدِ امتلأ بهجةً على حينِ غرّة ، كانَ شعوراً لذيذاً ، سيرغمُه على العودةِ يوماً بعد يوم ، حتّى لو لم يكن يستوعبُ ماهيّته بعد
_"كنتُ أنتظرُكِ كلّ يومٍ في السّاحة ، لماذا لم تخرجي؟"
_"علي الغبيض لم يسمح لي"
_"البغيض تقصدين"
_"نعم الغبيض"
ضحكَ بلطف ، ثمّ أومأ لها مستسلماً ، لا بأسَ لديه في تغييرِ اللّغةِ طالما كانَ بهذه الظّرافة ، حتّى لو كانَ ضليعاً فيها ، و مُحِبّاً لتعلّمها ، لا بأسَ أحياناً في نسيانِ القواعدِ و الوقوفِ أحراراً هكذا ، حسناً ، إيلي لم يصل إلى هذا الحدِّ من التّفكيرِ على الأكيد
_"اسأليه مرّةً أُخرى ، لا أُحِبُّ اللّعبَ بدونكِ"
_"حقّاً؟"
أومأ لها مُؤكّداً؛ خُيِّلَ إلى إيلي أنّ النّجومَ في عينيها الصّغيرتين قَدْ لمعَتْ مُذْ بلغها كلامُه و من ثمّ توكيدُه ، لم تكن ملاحظةُ هذا البريقِ النّفيسِ صعبةً حتّى على زين الذّي تركَ ألعابه و راحَ يتفرّجُ عليهما من بعيد ، و سرُّه واحدٌ فقط ، إيليا الصّغير؛
لم يخبر أحدٌ ليلي بشيءٍ كهذا من قبل ، و لم تكن لتأبه لو أنّ غيره قَدْ قاله ، فمن مثلُ إيلي لديها؟ لا أحد ، حتّى دورايمون.
لا يُحِبُّ اللّعبَ بدونها ، كم هو جميل! لقَدْ غمرَ قلبها الصّغيرَ بالسّعادة ، بل و يكادُ يطيرُ به إلى الغيومِ أيضاً ، إيلي رائع ، مثل المعلّمةِ نداء
_"صحيح ، أحضرتُ لكِ هذه"
أخرجَ من جيبِه ثلاثةَ أكياسٍ صغيرةٍ ملوّنة ، و ناولها هي و هو يبتسم ، تلك أكياسُ حبوبِ شوكولاتة ملوّنة ، يشتريان منها كلّما ذهبا إلى السّاحة ، يأكلان منها و يرميان للطّيور الحائمةِ حولَهم ، و الطّيورُ تهربُ منها ، لا يجدونها لذيذةً ربّما ، لكنّ ليلي و إيليا يُحِبّانها ، لذلك لا بدّ للطّيورِ من تجربتها ، كيف يمكنُ العيشُ دون حلويّات؟
_"واحد.. اثنان.. ثلاثة؟"
سألَتْه مستغربة ، فنظرَ في ناحيةِ مقعدِ زينة ، هذه البنتُ تتحاشاه على الدّوام ، مُذْ تعرّفَ إليها ، و على الرّغمِ من أنّه لم يخطئ في حقّها من قبلُ أبداً ، بل و يراها لطيفةً أيضاً و لا ينزعجُ من قدرتها الضّئيلةِ على الكلام ، لهذا أحضرَ لها كيساً معه أيضاً ، يريدُ أن يكونَ لطيفاً
_"أعطي لزينة أيضاً ، و أعطي لأحدٍ آخر"
_"و أنت؟"
_"أنا سأذهب ، وقتُ إيلي انتهى"
عبسَتْ ليلي متضايقة ، فربّتَ على رأسِها بتحنان ، وقتُ إيلي انتهى من جديدٍ كما ينتهي وقتُ دورايمون ، لكنّ البنتَ ستنتظرُ من جديد ، هي تنتظرُ أبطالها دائماً.
شاهدته و هو يستأذنُ المعلّمةَ و يغادر ، ظلّت واقفةً في مكانها ، تنتظرُ أن يعدّلَ رأيه و يظلّ أكثر ، أرادَتْ بصدقٍ أن يبقى معها أكثر ، أرادَتْ أن يستديرَ عند الباب ، و لكن ، و لأنّه إيلي ، استدارَ قبل أن يصلَ إلى الباب ، لوّحَ لها بلطف ، ثمّ غادر..
متى ستعودُ إلى البيتِ كي تتحدّثَ مع علي!؟ لماذا عليها أن تنتظرَ دائماً!؟
طأطأت رأسها منزعجة ، و كادَتْ تعودُ أدراجها لولا أن تذكّرتِ الأكياسَ في يديها.
صحيح!
لمن ستعطي الكيسَ الآخر؟ إيلي لم يحدّد اسماً ، و هي لا تعرفُ الجميعَ بشكلٍ جيّد ، كما أنّهم جميعاً يحملون طعاماً و يلعبون و يتحدّثون في قلبِ الصّفّ ، عدا ثلاثة طبعاً ، هي و زينة ، و الفتى الغريب
هل تعطيه الثّالث؟
لمَ لا؟
دلع☆