الرّابع عشر

الرّابع عشر

102 1

توالَتِ الأيّامُ المدرسيّةُ على ليلي ، لكنّها لم تبلغ أن أصبحَتِ اعتياديّة ، كانَتْ ترتبكُ في كلِّ صباح ، و تضطربُ قبل العودةِ لأنّها لا تريدُ رؤيةَ علي في البيت ، الأخيرُ كذلك أضحى يتجنّبُ الجميعَ عدا والديه ، لقَدْ تحسّنت علاقتُه بهما ، و أصبحَ الاثنان يدعمان كلّ حركاته ، أكثر بكثيرٍ ممّا كانا يفعلان من قبل.

هي لا تريدُ التّفكيرَ في أمرِه اليوم ، فاليومُ هو يومُ القصّة ، اليومُ الأخيرُ من أسبوعهم الأوّل ، أخبرتهم المعلّمة نداء أنّها ستقضي آخر حصّتين بالكاملِ في روايةِ قصّةٍ لطيفةٍ عليهم ، و هي تنتظرُ هذه الفرصةَ مُذ أخبرتهم ، أي قبل يومٍ كامل ، لم تنم جيّداً ، و لم تأكل جيّداً ، و لم تكترث بأخيها كثيراً و هو يوصلُها إلى المدرسة ، و لم تنتبه جيّداً في أوّل درسين ، كلُّ تفكيرِها متمحورٌ حول القصّة ، حول الحصّةِ المميّزة؛

لم تعد تستطيعُ أن تصبر!

ها هي فرصةُ الاستراحةِ الأولى قَدْ حلَّتْ ، و الوقتُ يمرُّ أبطأ من استيعابِ شقيقتها يارا في آخرِ يومين؛

ليلي جالسةٌ في مقعدها تراقبُ النّاس و تعدُّ الوقت ، خمسةً خمسة ؛ زينة ترسمُ شيئاً ما بجانبها ، و لا تتحدّثُ كعادتها ، و طُلّابُ المقاعدِ الأولى في الجهةِ الأُخرى يتحدّثون بصوتٍ مرتفعٍ مع بعضهم ، عدا زين ، الفتى الغريب الذّي يقضي وقته في جمعِ الملصقات ، حسناً ، ليلي و زين يتشاركان في شيئين ، في أنّهما مختلفان عن بقيّةِ الطّلبةِ في الصّفِّ أوّلاً ، و ثانياً في أنّهما اكتشفا كونهما مختلفين هنا في المدرسة ، ما لاحظا الأمرَ من قبل.

يا للضّجر!

لا شيءَ تفعلُه ، ليسَتْ ترغبُ في تناولِ الطّعام ، و لا في الحديثِ مع ذلك الطّفلِ الغريبِ أو عنه ، و لا في فعلِ أيّ شيء ، لا ترغبُ إلّا في سماعِ القصّة ، تُحِبُّ القصص.

طُرِقَ البابُ بعدَ لحظات ، و شدَّ انتباهَ الصّغيرةِ المتضجّرة ، ظلّت تراقبُ المعلّمةَ في طريقِها إليه ، و تراقبُ البابَ و هو يفارقُ الجدار ، و عندما فعل ، رمَتْ بكلّ الضّجرِ و الأفكارِ أرضاً ، و ركضَتْ نحوه؛

هذا إيليا!

_"إيلي!"

ما كادَتِ المُعلّمةُ ترحّبُ به قبل أن سمعَتْ صوتَ ليلي النّاعمَ يصدحُ في الصّفّ ، فضحكَتْ ، ضحكَتْ بصوتٍ منغّمٍ رقيق ، أشبهَ بمعزوفةٍ منه إلى الضّحكة ، هذا ما شعرَتْ به ليلي لأوّلِ وهلة ، هي لا تريدُ أن تصبحَ سوى مثلَ المعلّمةِ نداء ، هي أروعُ بنتٍ كبيرةٍ على الإطلاق!

دعته إلى الدّاخل ، فقبلَ دعوتها و وجهُه يظهرُ حبوراً غايةً في اللّطف ، المُعلّمةُ تعتقدُ بأنّه طفلٌ مميّز ، تؤمنُ بهذا الأمرِ مُذ رأته في حضنِ والدته لأوّلِ مرّةٍ في الإدارة ، كانَ في الثّانية ، و لم يكن يبكي و لا يشاغب ، كانَ هادئاً و رقيقاً ، و قريباً من القلبِ جدّاً

_"كيف حالُكَ عزيزي؟"

_"ممتاز!"

_"ما سرُّ هذه الزّيارة؟"

_"جئتُ أرى ليلي معلّمتي ، لو سمحتِ لي"

كانَ يميلُ بجذعِه و هو يطلب ، و يداه معقودتان خلف ظهره بظرافةٍ و تهذيب ، ابتسمَتِ المُعلّمةُ له ، ثمَّ استدارَتْ نحو ليلي التّي تنتظرُ اقترابه بفارغِ الصّبر ، بدَتْ و كأنّها تقفزُ في مكانها لشدّةِ الحماسةِ و الفرح ، أحسَّتِ المعلّمةُ ها هنا بشرارةٍ من الدّفءِ تنبعثُ عن براءةِ هذين الاثنين ، فتركتهما ، و عادَتْ إلى طاولتِها الوحيدةِ في الزّاوية ، أمام مقعدِ بنتها الصّغيرةِ الوحيدةِ كمثلها.

دلفَ إيلي إلى وسطِ الصّفّ ، حيث كانَتْ ليلي تقف ، ثمّ دنا منها يقصدُ النّظرَ في وجهها مباشرةً ، اندثرتِ الابتساماتُ عند هذا اللّقاءِ المستعجل ، و لم يعرف أيُّ الاثنين كيف يتكلّمُ بسرعة؛

لم يرَها منذُ أيّام ، مُذْ أخذتها أختها الكبرى من ساحةِ اللّعب ، كانَ يفكّرُ في أخذها إلى بيتِ والدته قبل أن يعودَ خالُه ريّان من رحلته ، و ظلّ يذهبُ في كلّ عصرٍ إلى السّاحةِ لأجلِ هذا الهدف ، بيدَ أنّ ليلي لم تظهر أبداً ، و لا حتّى على النّافذة ، لم تظهر إطلاقاً ، لقَدْ قلقَ عليها كثيراً

_"لم أركِ منذُ وقتٍ ليلي ، افتقدتُكِ"

_"و أنا أيضاً!"

أظهرَ لها ابتسامةً طفيفة ، ثمَّ ربّتَ على رأسها كعادتِه ، لكنّه لم ينثر شعرَها في هذه المرّة ، ظلَّ يحدّقُ فيها ، لقَدْ شعرَ بشيءٍ ما ، شعرَ على نحوٍ ما بأنّ الفراغَ على طولِ الأيّامِ السّابقةِ قدِ امتلأ بهجةً على حينِ غرّة ، كانَ شعوراً لذيذاً ، سيرغمُه على العودةِ يوماً بعد يوم ، حتّى لو لم يكن يستوعبُ ماهيّته بعد

_"كنتُ أنتظرُكِ كلّ يومٍ في السّاحة ، لماذا لم تخرجي؟"

_"علي الغبيض لم يسمح لي"

_"البغيض تقصدين"

_"نعم الغبيض"

ضحكَ بلطف ، ثمّ أومأ لها مستسلماً ، لا بأسَ لديه في تغييرِ اللّغةِ طالما كانَ بهذه الظّرافة ، حتّى لو كانَ ضليعاً فيها ، و مُحِبّاً لتعلّمها ، لا بأسَ أحياناً في نسيانِ القواعدِ و الوقوفِ أحراراً هكذا ، حسناً ، إيلي لم يصل إلى هذا الحدِّ من التّفكيرِ على الأكيد

_"اسأليه مرّةً أُخرى ، لا أُحِبُّ اللّعبَ بدونكِ"

_"حقّاً؟"

أومأ لها مُؤكّداً؛ خُيِّلَ إلى إيلي أنّ النّجومَ في عينيها الصّغيرتين قَدْ لمعَتْ مُذْ بلغها كلامُه و من ثمّ توكيدُه ، لم تكن ملاحظةُ هذا البريقِ النّفيسِ صعبةً حتّى على زين الذّي تركَ ألعابه و راحَ يتفرّجُ عليهما من بعيد ، و سرُّه واحدٌ فقط ، إيليا الصّغير؛

لم يخبر أحدٌ ليلي بشيءٍ كهذا من قبل ، و لم تكن لتأبه لو أنّ غيره قَدْ قاله ، فمن مثلُ إيلي لديها؟ لا أحد ، حتّى دورايمون.

لا يُحِبُّ اللّعبَ بدونها ، كم هو جميل! لقَدْ غمرَ قلبها الصّغيرَ بالسّعادة ، بل و يكادُ يطيرُ به إلى الغيومِ أيضاً ، إيلي رائع ، مثل المعلّمةِ نداء

_"صحيح ، أحضرتُ لكِ هذه"

أخرجَ من جيبِه ثلاثةَ أكياسٍ صغيرةٍ ملوّنة ، و ناولها هي و هو يبتسم ، تلك أكياسُ حبوبِ شوكولاتة ملوّنة ، يشتريان منها كلّما ذهبا إلى السّاحة ، يأكلان منها و يرميان للطّيور الحائمةِ حولَهم ، و الطّيورُ تهربُ منها ، لا يجدونها لذيذةً ربّما ، لكنّ ليلي و إيليا يُحِبّانها ، لذلك لا بدّ للطّيورِ من تجربتها ، كيف يمكنُ العيشُ دون حلويّات؟

_"واحد.. اثنان.. ثلاثة؟"

سألَتْه مستغربة ، فنظرَ في ناحيةِ مقعدِ زينة ، هذه البنتُ تتحاشاه على الدّوام ، مُذْ تعرّفَ إليها ، و على الرّغمِ من أنّه لم يخطئ في حقّها من قبلُ أبداً ، بل و يراها لطيفةً أيضاً و لا ينزعجُ من قدرتها الضّئيلةِ على الكلام ، لهذا أحضرَ لها كيساً معه أيضاً ، يريدُ أن يكونَ لطيفاً

_"أعطي لزينة أيضاً ، و أعطي لأحدٍ آخر"

_"و أنت؟"

_"أنا سأذهب ، وقتُ إيلي انتهى"

عبسَتْ ليلي متضايقة ، فربّتَ على رأسِها بتحنان ، وقتُ إيلي انتهى من جديدٍ كما ينتهي وقتُ دورايمون ، لكنّ البنتَ ستنتظرُ من جديد ، هي تنتظرُ أبطالها دائماً.

شاهدته و هو يستأذنُ المعلّمةَ و يغادر ، ظلّت واقفةً في مكانها ، تنتظرُ أن يعدّلَ رأيه و يظلّ أكثر ، أرادَتْ بصدقٍ أن يبقى معها أكثر ، أرادَتْ أن يستديرَ عند الباب ، و لكن ، و لأنّه إيلي ، استدارَ قبل أن يصلَ إلى الباب ، لوّحَ لها بلطف ، ثمّ غادر..

متى ستعودُ إلى البيتِ كي تتحدّثَ مع علي!؟ لماذا عليها أن تنتظرَ دائماً!؟

طأطأت رأسها منزعجة ، و كادَتْ تعودُ أدراجها لولا أن تذكّرتِ الأكياسَ في يديها.

صحيح!

لمن ستعطي الكيسَ الآخر؟ إيلي لم يحدّد اسماً ، و هي لا تعرفُ الجميعَ بشكلٍ جيّد ، كما أنّهم جميعاً يحملون طعاماً و يلعبون و يتحدّثون في قلبِ الصّفّ ، عدا ثلاثة طبعاً ، هي و زينة ، و الفتى الغريب

هل تعطيه الثّالث؟

لمَ لا؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة