بعدَ أيّام
كانَتْ ليلي تجلسُ في صفِّها ، رأسُها مُسندٌ إلى طاولتها ، و زينة بقربها تتدرّبُ على دروسِها الخاصّةِ بعد المدرسة ، البنتان ظلّتا في الصّفِّ في وقتِ الفرصة ، الأولى لأنّها متعبةٌ و متضايقة ، و الثّانيةُ لأنّها غيرُ معتادةٍ على الخروجِ كثيراً ، لا تخرجُ إلّا لرؤيةِ أمّها في طابقِ الصّفِّ التّحضيريّ.
كانَتْ تشعرُ بأنّ ليلي تبكي منذُ وقت ، برغمِ أنّها تغطّي على وجهها خيرَ تغطية ، و تكتمُ صوتها بكلّ قدرة ، كانَتْ تشعرُ بأنفاسها المضطربة ، و برأسها الذّي يهتزّ مع كلّ شهقة ، زينة بارعةٌ إذا ما بعُدَ الأمرُ عن الكلام.
انتظرَتْ قليلاً ، علّها تهدأ لوحدها ، ثمّ و ما إن تأخّرتْ حالُها هذه ، أسندَتْ ذراعها إلى كتفها ، و عانقتها بسكون.
لم ترفع ليلي رأسها ، و لكنّها هدأتْ نوعاً ما ، أحسَّتْ بالسّكينةِ تنتشرُ في صدرها ، و من صدرها إلى أعصابها ، الأشياءُ كلّها سكنَتْ ، لقدِ استطاعَتْ زينة دون كلامٍ أن تهدّئ من روعها ، أن تشعرها بأنّها إلى قربها ، تفهمها ، تسمعها ، و ليسَتْ في حاجةٍ لضغطِ نفسها ما بين الأخبارِ و الكلام ، و لكن.. لكنّ ليلي في حاجةٍ ماسّةٍ للكلام..
_"صغيرة"
صغيرة؟ هذا زين.
ابتعدتْ زينة منها بعد قليل ، و تركتها ترفعُ رأسها نحو المنادي ، كانَ ذلك زين فعلاً ، و كانَ أقربَ إليها ممّا تصوّرتْ ، وجهه أمامها مباشرةً ، و ذراعاه مسندتان إلى طاولةِ المقعد ، و عيناه..
ماذا تقولُ عن عينيه؟ تقرأ فيهما شيئاً ما ، كلاماً ما لا تستطيعُ صوغه ، زين قلقٌ عليها مثلما كانَ علي في ليالي مرضها أو حزنها ، قبلَ أن يتحوّلَ إلى شرّي.. إلى رجل ، و لكن ، يبدو أنّ زين لطيفٌ جدّاً و لن يتحوّلَ الآن
_"هل تبكين؟"
_"لا"
_"لماذا تبكين؟ هل يؤلمُكِ بطنكِ؟"
هزّتْ برأسها نافية ، ثمّ نظرَتْ في عينيه من جديد ، كانَتْ تعبسُ رغبةً في إبعادِه و إبعادِ أسئلته المُحرجة ، و لم يتأثّر هو على الإطلاق ، زين لحوحٌ إذا ما تعلّقَ الأمرُ بها ، إذا ما حاولَتْ أن تخفي عنه شيئاً يُهِمُّه ، و لن يبتعدَ عنها أبداً أبداً قبلَ أن تبوحَ له ، يعرفُ متى تنزعجُ و متى تفرحُ و كيف يحدثُ الاثنان ، و يراقبُها عن بعد و عن قربٍ أيضاً ، يعرفُ شعورها تجاه كلّ شيءٍ في المدرسةِ تقريباً ، إلّا أهمّ الأشياء ، الذّي صارَ على بابِ الصّفِّ الآن
_"ليلي"
ناداها بصوتٍ خافتٍ قبل أن يخطو حقّ الخطوِ في الصّفّ ، فنظرَ الثّلاثةُ إليه ، زين ، زينة ، و ليلي.
الأوّلُ مستغرباً ، الثّانيةُ متضايقة ، و الأخيرة ، لم تكن تميّزُ أتفرحُ أم تحزنُ أم تخاف ، لكنّ دموعها عادَتْ تنهمرُ من جديد ، و لم تستطع إخفاءها في هذه المرّة.
لقَدْ منعَ عليها كلُّ من في البيتِ الاختلاطَ بإيليا بأيِّ شكلٍ من الأشكال ، أصبحَ علي يصطحبُها مبكّراً لئلّا تخرجَ مع الطّلبةِ و تصادفَه ، و تجلسُ طوالَ النّهارِ في الصّالةِ أمامهم ، لا تخرجُ إلى السّاحةِ و لا تجلسُ حتّى أمام النّافذة ، كلُّ ذلك بسببِ أنّ والدتها سمعَتْ بما حدثَ بين ريّان و حسن ، و علمَتْ بأنّ ريّان خالُ إيليا ، أصبحَتْ راغبةً في إبعادهم عن أطفالها بتحريضٍ مكثّفٍ _و على سبيلِ المفاجأة_ من يارا.
لحظَ إيلي أنّها لا تتحرّكُ من مكانها و لا تنادي عليه حتّى ، لم يحدث هذا من قبل ، لم تتصرّف ليلي على هذا النّحوِ من قبل ، و هو لن يستطيعَ الاقترابَ و قولَ شيءٍ في مثلِ هذا الوضع ، فضّلَ الوقوفَ في مكانه ، للمرّةِ الأولى أيضاً ، و النّداءَ عليها من جديد ، و ما لم تأتِ ، فهي أبداً ليست بخير
_"تعالي ليلي"
نهضَتْ من مكانها ، و خطَتْ في اتّجاهِ إيلي متردّدة ، خطوتين يتيمتين ، توقّفت من بعدهما و تشهّقَتْ باكية ، عيناها ما تزالان تذرفان الدّموع ، بغزارة ، هي خائفة ، مخنوقة ، لا تريدُ أن يحدثَ هذا ، لم يناقشها أحدٌ فيه ، لا تريدُ أن تكونَ طفلةً طالما كانَتْ ستبعدُ عن إيليا ، تريدُ أن تكبرَ في غمضةِ عين ، و أن تستطيعَ فعلَ كلّ شيءٍ دون أن يسألها أحدٌ لماذا و كيف و متى..
ركضَ إيليا إليها ، و دنا منها يعرضُ عليها قلقه و خوفه ، لم تنظر في عينيه ، هنالك شيءٌ أكبر ، شيءٌ أكبرُ يحولُ بينه و بينها في هذه اللّحظة
_"لماذا تبكين ليلي؟ ما الأمر!؟"
_"لا يريدون.. لا يريدون أن أكونَ معك"
_"من!؟ و لماذا!؟"
_"لأنّه.. ريّان.. خالك.."
اقتربَ إيلي منها على عجل ، شعرَ أنّ الفراغَ قدِ انتشرَ في حدقتيه المشتدّتين ، و أنّ قلبه قَدْ توقّفَ عن نشرِ أيّ نوعٍ من المشاعر ، لوهلة ، لثانية ، لوقتٍ لا يحسنُ تعداده ، توقّفَ فيه كلُّ خيرٍ كانَتِ الحياةُ مع ريّان قَد أبقت عليه ، و بسببه ، من جديد..
_"ريّان؟ ما به ريّان؟"
_"لا أعرف.. أُمّي قالَتْ.. أنّه سيّء.."
_"و أنتِ ليلي؟"
.
.
.
_"و أنتِ ليلي؟ ماذا تقولين؟"
كان المساءُ على مشارفِ الرّحيل ، و نورُ الفجرِ في أوّلِ دقائقِ ولادته ، السّماءُ كحليّةٌ مكسيّةٌ بنورِ بدرٍ كبيرٍ و بضعةِ أجرامٍ أُخرى ، و أنوارُ الكهرباءِ انزاحَتْ من المشهد ، تركته على حاله ، قطعةً فنّيّةً من فنونِ الطّبيعةِ غير القابلةِ للتّكرار ، غالياً حلواً.
كنتُ جالسةً في قلبِ النّافذة ، كما كانَتْ تجلسُ أختي يارا قبل زواجها ، و أمامي ، في الحديقةِ التّي زرعها إيليا بالزّنبقِ منذُ فترة ، يجلسُ خيالُه الجميل ، قادماً من الذّكرى ، يجلسُ على العشبِ و يحدّثُني.
أذكرُ عندما كانَ جالساً هكذا من قبل ، مشهدٌ قادمٌ من ذاكرتي الملتهبة ، كنتُ في هذا المشهدِ في السّنةِ الإعداديّةِ الثّانية و كانَ هو في الثّانويّة ، قبيل مقاطعتنا الجديدة بعامين اثنين ، و قبيلَ اللّحظةِ الرّاهنةِ بعامين و نصف.
كنّا في ذلك الوقتِ نرى بعضنا سرّاً هناك ، بعدما تزوّجت يارا بالضّبط ، كنّا نستغلُّ موعدَ نومِ فاتن عند السّاعةِ التّاسعةِ في الغرفةِ الأُخرى ، و نسهرُ حتّى منتصفِ اللّيل ، إلى أن يعودَ والداي من المتجر ، و أبدأ غسلَ المواعينِ التّي يحضرانها في المطبخ ، ثمّ كنتُ أذهبُ للنّومِ في سريري ، بسلام ، أمام صورةِ زين مالك الكبيرةِ الملصقةِ فوق سرير يارا المهجور ، كانَ شكلُها في الغرفةِ يعجبني لذلك ما أزلتها ، أو ربّما لأنّها كانَتْ تشعرُني ببعضِ الأنس ، فكنتُ أحدّثُه أحياناً ، و أذكّرُه بيارا و كيف كانَتْ تقبّلُ الصّورةَ كالمجانين عندما كنتُ صغيرة ، لن أراوغ ، جرّبتُ تقبيلها أيضاً منذ فترة ، و لم يكن الأمرُ مهمّاً فعلاً.
إيليا الآن لا يكلّمني ، لقَدْ بدأ دروسه في الجامعةِ منذُ فترة ، و أصبحَ يغيبُ عنّي و عن الحديقةِ كثيراً ، لكنّ ذلك لم يكن سبب القطيعة ، كانَ طريقاً إليه.
على كافّةِ الأحوال ، سأحكي لكتابي كلّ شيءٍ فيما بعد و بالتّفصيل ، يجبُ أن أنهي واجبَ الرّياضيّاتِ و أتجهّزَ للمدرسةِ سريعاً ، زين سينتظرُني عند البابِ بعدَ وقتٍ و ستبدأ فاتن في استعجالي و التّسبّبِ لي بموجةِ توتّرٍ عاليةٍ و غيرِ مرغوبة ، صحيح ، والداي يحبّانه كثيراً ، لا أجدُ هذا عدلاً بالمناسبة ، لماذا ليس إيليا؟ لقَدْ كان.. هل أثرثرُ كثيراً؟
شيءٌ واحدٌ أخير!
لا أستطيعُ إبعادَ زين عنّي ، لا في السّابقِ و لا بعدما كبرتُ قليلاً ، الأمرُ مستحيل ، أشعرُ بعجزٍ هائلٍ و ربّما خوفٍ عندما أفكّرُ فيه ، لو حدث فسوف أمسي وحيدة ، وحيدةً جدّاً.
أنا وحيدةٌ الآن فعلاً
دلع☆