تيك تاك؛
عقاربُ السّاعةِ تستفزُّ إيليا ، السّكونُ بين دقّاتها لا يُلحَظُ له أثر ، ضجّةٌ ضجّة ، الأمرُ أكثرَ إزعاجاً من أيِّ صوتٍ مستمرٍّ آخر ، بخاصّةٍ عندما ينظرُ إلى السّاعةِ و لا يجدُها قَدْ تحرّكَتْ كثيراً ، يستشيطُ غيظاً.
كانَ الشّابُّ ينتظرُ محينَ السّاعةِ الثّالثةِ ليقابلَ ليلي أمام مكتبةِ الحيّ ، ثمّ باتَ ينتظرُ الرّابعة ، ثمّ الخامسة ، كانَ يجلسُ في المكتبةِ ذاتها ، يحتلُّ و أغراضُه أوّلَ طاولةٍ خلفَ الواجهةِ تماماً ، في يدِه كتاب ، لا يعرفُ أيّ نوعٌ من الكتبِ هو ، و أمامه كوبُ شاي مهجورٌ و دفترٌ و بضعةُ أقلام ، صاحبُ المكتبةِ العجوزُ لا يسمحُ لغيره بإدخالِ المشروبات ، كما لا يسمحُ لمن في سنّه بالبقاءِ وقتاً طويلاً في المكتبة ، و لكن إيليا مختلف؛
كانَ الشّابُّ يقضي يومه بأكمله عنده ما لم يخرج مع تيم ، يدرسُ و يقرأ و يساعدُه في ترتيبِ الكتبِ و البيعِ و اقتراحِ رواياتٍ على الزّبائن ، حياتُه تسيرُ على هذا النّهجِ منذُ قرابةِ أربعِ سنوات ، لا يعودُ إلى البيتِ إلّا وقتَ النّوم ، و وقتَ يحتاجُ بعض المال أو الطّعام ، اعتادَتْ والدتُه الأمر مع الأسفِ بسرعة ، و أضحَتْ لا تسأله أين كنتَ و لماذا لا تجلسُ معنا ، تمرّرُ الأمرَ هكذا ، كأنّه لا شيء ، و فعلاً ، لم يكن شيئاً.
كانتِ المكتبةُ داخليّةً طويلةً و ذاتَ عرضٍ قليل ، مستطيلٌ له واجهةٌ صغيرة ، و مقسومةٌ في الدّاخلِ إلى قسمين ، قسمٌ خارجيٌّ تتوزّعُ فيه طاولاتُ القراءةِ و مقاعدُ الجلوس ، و قسمٌ داخليٌّ يحتوي أرفف الكتبِ و المجلّدات ، تغطّي الأرففُ الجدران في الدّاخلِ بالكامل ، و تتركُ مساحةً ضئيلةً لبابٍ يؤدّي إلى الحمّامِ الدّاخليّ و المطبخِ الضّئيل.
دخلَتِ امرأتان إلى المكتبةِ عند الخامسة ، عندما كانَ إيليا يتهيّأ للمغادرة ، إحداهما ذاتُ بطنٍ منتفخٍ كبطنِ والدته عندما كانَ يحملُ أخاه الصّغير ، أسرعت هذه تبادلُ الرّجلَ السّلام ، بدا أنّها تعرفُه ، كما بدا أنّه يحاولُ عصرَ ذاكرته لاستعادةِ اسمها و لا يقدر ، كانَ مظهره مضحكاً و هو يتلكّأ و يناديها بعمّي.
كانَتِ الأُخرى في هذا الوقتِ مأخوذةً بشكلِ الكتبِ المصفوفةِ فوقَ الرّفوف ، كانَت تتأمّلُها بعينين برّاقتين ، بريقهما جذبَ إيلي للحظة ، ثمّ ما لبثَ أن ما عادَ مُهِمّاً ، لا يرى فيهما عيني ليلي ، ليس فيهما ما يلفتُ حتّى لو كانَ ولعُها بالكتبِ يفعل ، صحيح ، الأخيرةُ ليسَتْ قارئةً نهمةً كمثله ، لذلك كانَ يشعرُ أنّ عليه تعريفَها على عالمِ الكتب ، سيكونُ سعيداً إن أعجبها الأمر ، و ما لم يعجبها لا بأسَ بذلك ، هو يُحِبُّ شخصيّتها كما هي و ليس يطمحُ إلى تغييرها
_"بعدَ إذنكَ عمّي ، هل نستطيعُ رؤيةَ الكتب؟"
سألتِ المرأةُ الأولى ، ذاتُ البطنِ المنتفخ ، و التّي بدَتْ لإيلي مألوفةً جدّاً ما إن نظر إلى وجهها ، و هزّ السّيّدُ فؤاد صاحبُ المكتبةِ برأسه سريعاً ، ثمّ دعاها للدّخولِ بإيماءاتِ يديه ، و بالفعل ، انتقلَتْ مع رفيقتها إلى القسمِ الدّاخليّ ، و وقفَتْ أمام أحدِ الأرففِ تحاولُ خدمةَ نفسها في أمرِ البحث ، ثوانٍ و عادَتْ تلتفتُ إلى صاحبِ المكتبة ، و على محياها ابتسامةٌ خفيفةٌ محرجة ، لم تفهم شيئاً ممّا رأت
_"عذراً عمّي.. هل أجدُ لديكَ كتباً للأطفال؟"
_"طبعاً! أين ستجدين ما لم تجدي عندي؟ لديّ كتبٌ و قصصٌ مصوّرة"
_"هل أجدُ كتباً تعليميّة؟"
_"لحظة"
استدارَ الرّجلُ إلى خلف ، بحثَ بعينيه قليلاً بين كمِّ الكتبِ الهائل ، ثمَّ و ما إن أسعفته ذاكرتُه الحديديّة ، أسرعَ الخطا إلى وجهةٍ واحدة ، ربعُ رفٍّ جانبيٍّ بعيدٍ من موطئ يارا بقليل ، شرعَ يستخرجُ منه كتباً خفيفةَ الوزنِ قليلةَ الأوراق ، و يناولُها للمرأةِ الحاملِ و صديقتها الحالمة ، كتبٌ تعلِّمُ اللّغةَ و الحسابَ للأطفالِ بأبسطِ الطّرق ، و باستخدامِ شخصيّاتٍ كرتونيّةٍ و ما إلى ذلك ، وجدتها المرأتان مميّزة ، و سرعان ما اختارتا منها مجموعةً كبيرة؛
يارا أصبحَتْ على مشارفِ الولادة ، و تريدُ لطفلها القادمِ أن يكونَ ذكيّاً منذ ولادته ، تلك في الواقعِ أفكارُ علي قبل ولادةِ ليلي ، تذكرها جيّداً مع أنّها لم تنجح.
لقَدْ تذكّرَ إيلي أين رآها
_____
في وقتٍ سابقٍ من هذا اليوم..
حلّ العصرُ و ليلي ما تزالُ مع أبيها في المحلّ ، تعاونُه في كلِّ ما يفعل ، ترتّبُ و تجلسُ و تسخرُ من الزّبائنِ بعد خروجهم ، سرّاً طبعاً ، فلو سمعَ أبوها لن يُسرَّ بذلك.
لقَدْ كانَ هذا اليومُ روتينيّاً مملّاً ، نسخةً عن كلِّ أيّامها التّي تلتْ شجارها مع زين و انشغالَ والدتها بتحضيراتِ ولادةِ الحفيدِ الأوّلِ في العائلة؛
في المدرسة ، يمرُّ الوقتُ ببطءٍ و عدوانيّةٍ منذُ لحظةِ الوصولِ و حتّى الانصراف ، و ليكتملَ بؤسُها ، أصبحَتْ تجلسُ إلى قربِ بنتٍ جديدةٍ في الصّفِّ بدلاً من زين الأهوج ، و البنتُ هذه كانَتْ تستهزئ بها خلفَ ظهرها و كانَتْ تعلم ، و لكن ما من حلّ ، لم تجدِ المُعلّمةُ مكاناً آخرَ تجلسُها فيه ، فزين لم يوافق على تركها تجلسُ في مقعده.
و بعدَ الدّوامِ أصبحَتْ تحلُّ محلّ أمّها في المتجر ، و أبوها يرحّبُ بها في كلِّ يوم بحماسةِ يومها الأوّل ، و بحفاوةِ المفاجأة ، و كأنّه حصلَ على جائزةٍ ذهبيّةٍ في أكبرِ مسابقاتِ الأرض ، ليلي مستعدّةٌ لاحتمالِ النّهارِ بطولِه لأجلِ اللّحظةِ الأولى مع أبيها هذه
_"هل مللتِ حبيبتي؟"
سألها لحظةَ شردَتْ ، فهزّتْ برأسها نافية ، كانَتْ تفكّرُ في إيلي ، يُفترَضُ بأنّه الآنَ في المكتبة ، أخبرها أن تعرجَ عليه ساعةَ تريدُ بدلاً من الانتظارِ حتّى يوم الخميس ، ربّما ينتظرها الآن ، لا لا ، لماذا سيفعل؟
تناولَتْ فنجان شاي كانَتْ قَدْ أعدّتُه لها و لأبيها في وقتٍ سابق ، و أخذت ترتشفُ منه بينما تشاهدُ ما يفعل ، يبدو لها أنّه يقرأ من دفترٍ و يدوّنُ في آخر ، في الواقعِ كانَ يعدُّ الحساباتِ ، يراجعُها و يصحّحها ، هنا ، خلفَ الطّاولة ، يبدو لها أبوها ها هنا مديراً عظيماً ، تقضي الوقتَ أحياناً في إخباره بذلك.
لاحَ لهما ظلُّ زبونٍ عندَ الباب ، فقامَتْ ليلي سريعاً من مكانها و وقفَتْ إلى قربِ الطّاولة ، ضحكَ أبوها ، هي تريه أنّها في الخدمةِ و أنّ كلّ ما عليه فعلُه هو الجلوسُ خلفَ الطّاولةِ و الأمرُ كالمدراء ، و حسناً ، أبوها يُحِبُّ لعبَ هذا الدّورِ معها ، لكنّه لا ينكفئ يكسرُ قواعده ، هو من يُحِبُّ أن يدللها لا بالعكس
_"عمّي.. هل أنتَ متفرّغ؟"
مدَّ شابٌّ رأسَه من البابِ و سألَ لاهثاً ، تراجعَتْ ليلي من المشهدِ فوراً ، و شاهدَتْ أباها يهرعُ إليه ، يخرجُ من بابِ المحلِّ و يساندُه في إسنادِ شخصٍ آخر ، حاولَتْ رؤيته من حيث كانَتْ ، بيدَ أنّ والدها كانَ يغطّيه بظهره ، يبدو أنّه مصاب ، و هي لا تُحِبُّ الوقوفَ و رؤيةَ الإصاباتِ و الدّمِ و الجروح ، لذلك ركضَتْ إلى المطبخ ، ربّما يطلبون منها كأسَ ماءٍ بعد قليل ، بعد أن يرتاحَ المُصابُ هذا قليلاً.
دخلَ الثّلاثةُ إلى المحلّ ، و سريعاً أجلسوا المصابَ إلى إحدى الكراسي ، و شرعَ العمُّ جمال يعاينُ الجرح ، كانَتْ ساقُه تنزف ، و الشّابُّ معه كانَ يشتعلُ قلقاً في مكانه ، ابنُ خالِه الصّغيرُ دائماً ما يوقعُ نفسه في المشاكلِ ، كلّما تحدّثَ معه ازدادَ عناداً ، و هو لا يتواجدُ في الغالب للدّفاعِ عنه ، ماذا يقول؟ زين أهوج ، لن تصلحَ حالُه أبداً
_"لا تقلق يا موسى ، الجرحُ ليس عميقاً"
خاطبَ والدُ ليلي الشّابَّ بلكنةٍ راسيةٍ هدّأته إلى حدٍّ ما ، لقَدْ لحظَ أنّ حاله أسوأ من حالِ المُصابِ نفسه ، فالشّابُّ الأصغرُ يكابرُ على جرحِه بجسارةٍ ألهته عن ألمه ، ألهته عن الشّعورِ بدموعه ، لا يريدُ أن يبدو ضعيفاً أمام موسى بالأخصّ ، فهو يحاولُ إقناعه بأنّه قادرٌ على تدبّرِ أموره منذُ أعوامٍ و لا يقنع ، الآن يستحيلُ أن يفعل ، ما عادَ هنالك فرصة.
قامَ الرّجلُ فوراً و توجّهَ نحو طاولتِه ، تناولَ علبةَ الإسعافاتِ الأوليّةِ من أحدِ الدّروجِ و عادَ بها إلى المُصاب ، استخرجَ منها معقّماً و قطناً ، و راحَ يمسحُ حول الجرحِ و يحاولُ ألّا يتسبّبَ بأيّةِ آلام ، و لكن أين المهرب؟ كانَ زين يتلوّى من الألم ، يعضُّ على شفتيه بقوّةٍ لئلّا يصرخ ، إلى حدِّ تركَتْ أسنانُه آثاراً واضحةً في وجهه
_"ماذا حدثَ بنيّ؟ كيف أُصِبت؟"
_"وقعتُ على الأرض"
_"دفعَه شابٌّ عمّي"
_"لم يدفعني! أنا فقدتُ توازني بعدما ضربتُه!"
قفزَ بالمعنى الحرفيّ ما إن سمعَ كلامَ موسى ، الأخيرُ كادَ يقفزُ و يصفعُه أيضاً ، لكنّ وجودَ العمِّ جمال جعلَه يتراجعُ عن انفعاله و يكبته ، فهو لا يريدُ أن يبدو أمام والدِ صديقِه بمظهرٍ غبيّ ، يُحِبّه و يحترمُه أكثرَ من أعمامه و لا يناقشُ غيره عندما يحتاجُ إلى المشورة ، كيف سيشوّه صورته أمامه بهذه البساطة؟ يمكنُ تربيةُ زين في وقتٍ لاحق ، اصبر يا موسى.
أظهرَ وجهُ العمّ جمال ابتسامةً بسيطة ، يذكّرُه هذا الشّابّ اليافع بعلي ، كلاهما عنيدٌ جدّاً و لا يبرّرُ شيئاً من أفعاله إلّا كما يشاء ، كلُّ المعاييرِ عندهما هما واضعاها ، لا يناقشان فيها إلّا فيما ندر ، و لكن لا بأس ، سيكبران ، سيكبران
_"ما اسمُكَ بنيّ؟"
_"زين"
_"من ضربت يا زين؟ و لماذا؟"
_"رجلاً غبيّاً كانَ يضايقُ فتاةً في الشّارع"
هزَّ العمُّ برأسه ، كانَ يتابعُ عمله و يحاولُ إلهاءَ زين في ذاتِ الوقت ، يعقّمُ الجرحَ و ينظّفُه من الدّم ، لقَدْ توقّفَ النّزيفُ أخيراً و أصبحَتْ حالُ الجرحِ أفضلَ بقليل ، سيلفُّها بقماشٍ طبّيٍّ بعد أن يتأكّدَ من نظافتها ، و سيرى ما إن كانَ سيحتاجُ شيئاً آخر؛
والدُ ليلي قَدْ درسَ ليصبحَ ممرّضاً في الأصل ، و قَدْ عملَ لفترةٍ طويلةٍ في مستشفىً خاصٍّ بالأطفالِ و كانَ وضعُ عائلته الإقتصاديُّ في ذلك الوقتِ جيّداً جدّاً ، إلى أن وقعَ و أُصيبَ بكسرٍ في العمودِ الفقريّ ، اضطرَّ على إثره للمكوثِ في البيتِ وقتاً طويلاً ، لم يقف صاحبُ المستشفى إلى قربه في ذلك الوقت ، لم يحفظ حقّه و لم يحاول مساعدته في شيء ، خسرَ عمله و خسرَ فرصةَ الوقوفِ من جديدٍ في ظروفٍ مماثلة ، و كانَ لديه ثلاثةُ أطفالٍ في حاجةٍ للإعالة ، كلّما رأى عائلةً محتاجةً يستذكرُ كيف نجتْ عائلتُه من الموتِ في ذلك الوقت ، لقَدْ نجت بأعجوبة ، بفضلِ اللّٰه وحده
_"اجلس هنا بنيّ ريثما ترتاح ، و أنت موسى ، لديك عمل ، سأعتني أنا به"
ازدردَ موسى ريقَه ، لم يكن يعرفُ أيشكرُه أم يسألُه ألّا يحمّلَ نفسه أعباءَ رعايةِ شخصٍ لا يعرفُه بعدُ حتّى ، انشغلَ بالتّوتّرِ بعد أن كانَ راغباً في ضربِ زين على رأسه ، قال ينقذُ فتاةً قال
_"عمّي.."
_"و لا كلمة ، لديك مسؤوليّاتٌ و لا تقلق عليه ، هو بخير ، أليس كذلك زين؟"
نظرَ المخاطبُ في عيني الرّجلِ لبرهة ، يفكّر ، لقَدْ ألفَه على نحوٍ ما ، يشعرُ أنّه قريبٌ منه ، و لكنّه لا يدركُ كيف و لماذا ، كما شعرَ العمُّ بذاتِ الألفة ، ربّما لأنّ روح زين قريبةٌ من روح علي حبيبِ القلب ، لا أحدَ يعرف
_"نعم.. اذهب موسى"
دلع☆