كما جرتِ العادةُ و قضتِ التّقاليد؛
زين و ليلي هاربان من الحصّةِ الأخيرة ، متوجّهان إلى مكتبةِ جدّ زين ، و لغرابةِ الصّدفة ، كانتِ الحصّةُ المتروكةُ حصّةَ رسمٍ أيضاً ، بمعلّمةٍ جديدةٍ لها ذات العلاقةِ بالصّبيّ ، تكرهه كثيراً ، و ستتركُه يهربُ و يهرّبُ من شاء ، المهمُّ ألّا يقفَ في الحصّةِ و يطلبَ دروساً خصوصيّة ، لأنّ مادّتها صعبةٌ و لا يستطيعُ دراستها لوحده.
وصلَ الاثنان ناصيةَ الشّارعِ العامِّ المُؤدّي إلى بيتِ ليلي و المكتبةِ في ذاتِ الآن ، زين يتابعُ الأبنيةَ و العصافير و المتاجرَ و الأطفال و صديقته ، و الأخيرةُ شاردةٌ لا تنتبه إلى شيء
_"انظري أمامكِ يا غبيّة"
وقفتْ من فورها و نظرَتْ إلى حيث يشير ، و اكتشفتْ أنّها كانَتْ على شفا الاصطدامِ بشيءٍ اسمنتيٍّ غريبٍ يصلُ في طولِه إلى ركبتها لولا أن لحظَ زين المشهدَ بأكمله ، كالعادة
_"أين عقلكِ؟"
نظرتْ في ناحيته ، و سكتتْ عن الإهانةِ إذ شُغلتْ بما هو أهمّ ، موقفُ إيليا من رؤيتهما معاً؛
تذكرُ أنّها كلّما حكتْ له عن صديقها يغمقُ وجهه و يشردُ ذهنه ، يصيرُ التّواصُلُ معه صعباً قليلاً ، لفترة ، غيرَ أنّها لا تستطيعُ ألّا تقلقَ في هذا الشّأن ، فهو سينزعجُ في قرارةِ نفسه ، و لن يعترفَ بذلك أبداً ، سيكذبُ و سيغيّرُ المواضيعَ بكلِّ قوّته ، سيصبحُ الجلوسُ معه ثقيلاً و غريباً حتّى فترةٍ معيّنة ، لا تريدُ لذلك أن يحدث
_"زين.."
_"نعم"
_"ما رأيُكَ أن نذهبَ لرؤيةِ علي الصّغير؟ هو في بيتنا اليوم"
نظرَ نحوها مستغرباً ، و لم يبالغ كثيراً في استغرابه ، حسره من فوره و زمّ فمه ، لقَدْ توقّعَ أن تتراجعَ ليلي عن هذا اللّقاءِ عاجلاً أو آجلاً ، لهجتُها المُهتزّةُ عندما وافقَت عليه كانَتْ خيرَ دليل ، هنالك مشكلة ، و هو يعرفُ أين
_"لا تريدين الذّهابَ إلى المكتبة؟"
_"لنؤجّلِ الأمر.. أخبرتُ إيليا أنّني قادمةٌ في المساءِ و ليس الآن ، ربّما سيكونُ في الجامعة"
_"أخوكِ في البيت؟"
_"نعم ، اليوم عطلته"
'حمداً للّٰه!'
ابتسمَ زين ، تغافلَ عن كذبةِ ليلي الغريبة ، آثر عليها في داخله الحماسةَ لرؤيةِ علي و الحديثِ معه ، ربّما سيمسكُ رقبته و سيجرّبُ حركةً خطيرةً عليه ، أو سوف يخبرُه بقصّةٍ من قصصه القديمة ، سيكونُ رائعاً أيّما فعل ، ذلك ما يراه كلّما زار متجرَ العمّ جمال و كانَ هناك ، أو كلّما مرَّ على موسى و كان لديه ، علي يُحِبُّه أيضاً ، و لولا ذلك لما أمنَ و سمحَ له بالسّيرِ مع ليلي عندما يريد ، حسناً لقَدْ هدّده أيضاً ، و رأى ذلك رائعاً
علي رائع
_"هيّا بنا إذاً"
اهتزَّ ثغرُها و هو يحاولُ أن يخفّفَ اضطرابَ ملامحها ، ثمّ تخلّتْ عن الدّور ، و سارَتْ إلى قربِ زين في اتّجاهِ بيتها ، و ظلّ هو يلقي عليها نظراتٍ مستعجلة ، ما تزالُ ساهمة ، تسترُ بضعةَ أفكارٍ تحت لسانها؛
و كانَ على حقّ ، لم يكن الابتعادُ عن المكتبةِ الأمرَ الوحيدَ الذّي تفكّرُ فيه ، الثّاني كانَ مختلفاً قليلاً ، لقَدْ كانَ عن ريم ، لم يفعل شيئاً ممّا خطّطَ له ، كلّمها في نهايةِ الدّوامِ و عادَ و كأنّ شيئاً لم يكن ، ما تراه قَدْ حدث؟
_"زين"
_"نعم"
_"ماذا قلتَ لريم؟"
_"أنّ سترتها رائعة"
توقّفَ رأسُ ليلي عن العمل ، و توقّفَتْ كذلك عن السّير ، و معها توقّفَ صاحبُ الابتسامةِ الجانبيّةِ الهادئة ، هو يعرفُ فيما تفكّر ، لكنّها و ممّا ندر ، تائهةٌ في أمره؛ سترتها رائعة!؟ حقّاً!؟
_"هكذا؟ فقط؟"
_"ما الأمر؟ ألم تطلبي منّي ألّا أقعَ في المشاكل؟"
_"نعم أخي! و لكن لا تقع في حُبِّها!"
_"حُبِّها؟ أتمزحين؟ تشبهُ جدّي"
تخلخلَتِ الجدّيّةُ في وجهِها ، و تحوّلتْ إلى ضحكةٍ بسيطةٍ مستسلمة ، أشاحَتْ بعينيها من بعدها و ضربته على ساعده ، لماذا لا يجيبُ مثلاً؟
_"هل تغارين على صديقكِ يا فستقة؟"
_"لستُ قليلةَ عقلٍ مثلك"
_"إذاً لن أخبركِ ما فعلتُ يا كثيرةَ العقل"
_"لستُ مهتمّة ، حتّى لو دعوتها إلى موعدٍ غراميّ"
كانَ على استعدادٍ ليتحفها بإجابةٍ ساخرةٍ تستكملُ السّلسلة ، غيرَ أنّ رؤيةَ علي واقفاً أمام بيتهم أنسته كلّ شيء ، ها هو قدوتُه واقفٌ هناك ، و سوف يصفعُ رأسه لأنّه يسيرُ إلى قربِ أخته ، كم هو..
مُتحَمّس!
____
في تلك الأثناء؛
شُهدَ إيليا جالساً في المكتبة ، وحيداً تماماً ، يقرأُ كالعادةِ روايةً جديدة ، و ذهنُه يغادرُ إلى أماكنَ متفرّقة؛
لقَدْ أرسلَتِ اثنتان تطلبان رؤيته اليوم ، الاثنتان لا يعرفُ ما تحت لسانهما بعد ، الأُولى هي ليلي ، التّي تستطيعُ ببساطةٍ القدومَ إلى المكتبةِ متى شاءت و مقابلته دون مراسلين ، و الثّانيةُ هي والدتُه ، ما تزالُ ترسلُ لهم الأكلَ و الشّربَ إلى المسكنِ الجماعيّ مع بعضِ الأولاد ، و حديثاً مع ابنها آدم ذي الأربعِ سنوات ، و تسألُ تيماً عن حاله إذا ما أمسكت به في الحيّ ، أخبره في آخرِ مرّةٍ بشيءٍ لم يخطر له ببال ، بأنّها كانَتْ تنتظرُ أن يمرَّ عليها طوال الأعوامِ الماضية ، و هذا لن يحدث؛
تريدُه؟ لماذا لا تأتي لرؤيته؟ لماذا تنتظرُ منه هذه الخطوةَ و قَدْ أقسمَ بروحِ أبيه على ألّا يدوسَ في ذلك البيت أمامها؟ كيف تنتظرُ منه شيئاً كهذا و هي أدرى النّاسِ كم جُرِحَ و نزفَتْ جراحُ وحدته على طولِ الأعوامِ الماضية؟ و ليس ذلك فقط ، تُرسِلُ و تستعتبه ، كيف تفكّرُ أمُّه؟ تلك التّي كانَتْ أغلى الخلقِ عليه في يومٍ من الأيّام؟ بل في أعوام؟
_"مرحباً"
رفعَ رأسَه عن صفحاتِ الرّواية ، و نظرَ نحو الزّبونِ القادمِ إلى المكتبةِ في هذا اليومِ البارد ، هذه ريما ، ترتادُ المكتبةَ منذُ سنتين ، و منذُ فترةٍ قصيرة ، أصبحَ يعرفُها أكثر ، يقترحُ عليها رواياتٍ و يبادلُها أطرافَ الحديث ، و لكن باختصارٍ شديد ، هي قارئةٌ جيّدة ، على العكسِ من ليلي ، التّي لا تُحِبُّ الكتبَ إلّا إذا قرأها هو لها ، و هو يسعدُ بذلك ، يقرأُ بصوتٍ خافتٍ و يترصّدُ ردّاتِ فعلها ، و يحذفُ طبعاً كلّ ما لا يليقُ بها ، أو يستبدلُه ، و تظلُّ هي على رتمِ حماسٍ ثابت ، مُبهِج ، يشعرُه بأنّه على أبوابِ آذار ، أبوابِ الرّبيع.
لقَدْ تذكّرَ ليلي رغماً عنه ، و استغرقَ في الأمرِ حتّى أشرقَ وجهه كما يفعلُ في حضورها ، و البنتُ الواقفةُ أمامه حسبتِ البشرَ ذلك فرحاً بقدومها ، و تبشّر وجهها أكثر؛
هي تنتظرُ منه بادرةَ إعجابٍ مهما صغرت ، و لم يكن يعطيها شيئاً ، هو جامدٌ بعض الشّيء ، و يقفلُ الأحاديثَ بسرعةٍ عجيبة ، و لكن.. ماذا تفعل؟ هي تُحِبُّه ، تُحِبُّه و تكرهُ حبيبته.. تكرهُ ليلي أختَ يارا الصُّغرى.. تكرهها كثيراً..
_"ماذا تقرأ يا إيليا؟"
_"نساء صغيرات"
_"هل أعجبتك؟"
_"لا أزالُ في بدايتها ، لكنّها جذّابة"
نهضَ من ثمّ ، و أقفلَ على عادته سبلَ الحديثِ الممكنة ، صحيحٌ أنّه لطيفٌ و مراعٍ ، لكنّ السّبلَ إلى عقله و قلبه مُغلقةٌ كلُّها ، هذا في حالِ كانَتْ موجودةً أصلاً ، لا يمكنُ لأحدٍ العبورُ إليه ، لا يمكنُ لأحدٍ أن يكوّنَ شيئاً ثابتاً في حياته بعد الآن ، هذا إيليا ، البالغُ منه
_"كاكاو كالعادة؟"
سألها بصوتٍ معتدل ، و هزّتْ برأسها موافقة ، ثمّ ازدردتْ ريقها و هي تراقبُه ، لديها ما تقول ، هنالك سمٌّ تحت لسانها تترقّبُ فرصةَ إطلاقه؛
أختها الصّغرى ريم تدرسُ مع ليلي و زين في ذاتِ الفصل منذ وقتٍ طويل ، رأتهما في الشّارعِ معها بالصّدفةِ البحتة و حديثاً جدّاً ، و فوجئت عندما أخبرتها ريما بعلاقتها بإيليا ، المدرسةُ تظنّهما معاً ، لم تتخيّل في يومٍ أن يكونَ لها حبيبٌ آخر ، هل تخدعُ الاثنين؟ أهذه هي القصّة؟
لا تعرف ، لكنّها ستحيكها على هذه الشّاكلةِ في كافّةِ الأحوال
_"إيليا"
_"نعم"
_"اسمع بالمصادفة ، يارا أختُ ليلي تكونُ زوج ابنِ عمّي ، و أختي الصّغيرةُ تدرسُ مع ليلي في ذاتِ الصّفّ"
هزّ برأسه ، و تابعَ تحريكَ السّكّرِ في كوبِ الكاكاو الصّغير دون أن يردف ، لم تستطع جذبَ اهتمامه بعد ، قالَتْ لنفسها.
تحمحمت ، كانَتْ تستعدُّ لرمي ما في خاطرها في وجهِه مباشرةً ، تريدُ أن تصدمه صدمةً لطيفة ، صدمةً تجعلُه لا يفكّرُ قبلَ أن ينهي علاقته المميّزةَ بتلك البنت ، هي تفكّرُ فيه مُذْ زارَتِ المكتبةَ لأوّلِ مرّةٍ مع يارا ، منذُ عامين تقريباً..
ستفعلُ ذلك..
_"رأيتُها مع زين منذ وقت ، تقولُ أختي أنّهما لا يفترقان ، كالحبيبين"
سكنَتْ حركته لبرهةٍ و قَدْ سرى في أعصابه تيّارٌ كهربائيٌّ شديد ، ريثما أعادَ التّركيزَ فيما قالتْ بينه و بين نفسه ، ثمّ وجد نفسه يرفعُ رأسه و يحدّقُ في وجهها ، و كأنّها المتّهمةُ الوحيدةُ فيما حدث
_"لم أفهم ، ماذا تقصدين؟"
_"لا لا شيء ، أنا فقط معجبةٌ بصبرك و شخصيّتك ، لو كنتُ مكانكَ كنتُ سأنفجر"
_"لا شيء بيني و بينها ، و لا شيء بينها و بين زين ، ابتعدي عنها"
استدارَ بعد دقائق يشغلُ نفسه بالكؤوسِ البلاستيكيّة ، كانَ ذلك طرداً مهذّباً سريعاً ، جعلَها تغادرُ حانقة ، صحيحٌ أنّه كسرَ قلبها من جديد ، بيدَ أنّها نجحت في مهمّتها الأساسيّة؛
لم تسكتِ الكلمةُ أبداً ، كانَتْ تتكرّرُ في داخلِ رأسِه حتّى أفقدته صوابه ، تركَ كلّ ما بين يديه و هرعَ نحو الخارج ، لم يرَ أحداً في الشّارع ، سيرسلُ وراء ليلي فوراً ، سيراها فوراً و لو اضطرّه الأمرُ لمحاربةِ أخيها ، سيفعلُ أيّ شيءٍ لئلّا يقفَ عنده و النّيران تلتهمه!
صدرُه يؤذيه ، يثقلُ عليه التّنفّسَ و يطالبُه بالمزيد ، يشعرُ و كأنّ خنجراً قَدْ غُرِسَ في لبِّ صدره ، خنجراً عريضاً لا ينكفئ يتحرّكُ بين أضلاعه ، و كأنّه ناوٍ على ذبحه ألماً..
لقَدْ أصاب قلبه السّمُّ و يكادُ يقتله ، أين هو التّرياق؟
دلع☆