الخامسُ من بعد العشرين

الخامسُ من بعد العشرين

86 0

عادَ علي من المهجرِ في زيارةٍ عرضيّةٍ لمدّةِ أسبوعين ، لم يكن مُخطّطاً لها ، لم يكن في الواقعِ يخطّطُ للعودةِ قبل عطلاتِ نهايةِ العام ، لكنّ استعجالَ حسن لعقدِ خطوبتِه و يارا قَدْ أعادَه الآن ، و بطلبٍ شخصيٍّ من الشّابِّ أيضاً ، لقَدْ قال:

"إمّا أن يحدثَ ذلك الآن ، أو صدّقني يا علي ، سنخسرُ بعضنا إلى الأبد"

لم يفهم الأمرَ فعلاً ، و قَدْ أبى حسن أن يشرحَه عبرَ الهاتف ، كانَ مستعدّاً للعودةِ فقط ليعرفَ ما الأمر ، لكنَّه في الواقعِ عادَ لئلّا يخسرَه ، لقدِ ارتاحَ لوجودِه مع يارا و أهله ، بطريقةٍ ما.

علي لا يفكّرُ بطريقةٍ حديثة ، و لا يمكنُ لشيءٍ أو أحدٍ أو موقفٍ في العالمِ أن يقنعَه أنّ إحدى أخواتِه يمكنُ أن تتدبّرَ أمورها لوحدها في يومٍ من الأيّام ، و على الرّغمِ من أنّ فاتناً سبقَ و ساعدته كثيراً حتّى استطاعَ السّفر ، لا يوجدُ ما يقنعه بعكسِ ما لديه من أفكار.

وصلَ إلى البيتِ فجأةً ، في صباحِ يومِ ثلاثاء مُشمِس ، شربَ قهوةً مع والدتِه و حدّثها في كثيرٍ من الأمور ، عن أخباره و ترقيته في الشّركة ، و عن شابّةٍ خرجَ معها في الآونةِ الأخيرة ، و كذلك عن رغبته في أخذِ ليلي معه إلى فرنسا بدايةً من العامِ القادم ، لم تمانع فعلاً ، لكنّها فضّلتْ أن يناقش أباه بدلاً منها في ذلك ، فهي ستُعتبَرُ لئيمةً أيّما كانَ خيارُها.

2

و استمرّتِ الأحاديثُ و فناجينُ القهوةِ و الحلويّاتِ حتّى حانَتْ ساعةُ انصرافِ الأطفال ، بدا أنّه يتجهّزُ للنّهوض ، فقَدْ كانَ يحدّقُ في ساعةِ يدِه مهتمّاً ، و والدتُه شرعَتْ تعضُّ على شفتها سرّاً ، لم يخبره أحدٌ بعد بأنّ ليلي تعودُ مع ابن الجيران ، و عندما يكتشفُ الحقيقةَ و يكتشفُ أنّهم جميعاً يكذبون عليه ، لا أحدَ يعرفُ ما سيفعلُ عندما يكتشف.

ما يزالُ علي مأخوذاً بحالةِ الرّجلِ المسؤولِ المسيطر ، تخبرها فاتن أحياناً بذلك

_"أُمّي ، هل ستمرُّ يارا على المدرسة؟"

سألَها بغتةً ، فتلعثمتْ و ارتبكَتْ ، ثمّ رفعَتْ كتفيها و ابتسمَتْ ، ببساطة ، لا فكرةَ لديها عن مكانِ الاثنتين في هذه اللّحظة ، و هذا صادقٌ إلى حدٍّ ما.

فكّرَ لبرهة ، انساقَ مع عدّةِ تيّاراتٍ فكريّةٍ متعاكسة ، و تحوّرَتْ ملامحُ وجهه مع كلِّ تغيّرٍ في نحوِ الأفكار ، ثمّ أخيراً هزَّ برأسِه و فاه:

_"أعتذر ، أنتِ لا تكونين في البيتِ عندما تعود ، هذا صحيح"

حدّقَتْ قليلاً في وجهه ، علّها تفهمُ قصده ، و لم تفعل ، لم تعِ إن كانَ يقصدُ عتاباً أو لوماً أو تفهّماً فعلاً ، لم تعِ سوى بمشاعرها هي ، بانزعاجِها من طباعه أخيراً ، بعدَ عامٍ كاملٍ قضته في إقناعِ فاتن و يارا بأنّ لديه الحقّ فيما يفعل ، و أنّه حتّى لو بالغَ فذلك لأنّه يُحِبُّهم جميعاً ، أهو يفعلُ فعلاً؟

كانَ هذا النّزاعُ الصّامتُ سيستمرُّ إلى الأبدِ لولا أن رنّ هاتفُ البيتِ و فضّه ، نهضَتِ الوالدةُ و عينُها على مُدّعي القوّة ابنها الجالسِ معها ، رفعتِ السّمّاعة ، و ردّت:

_"مرحباً؟"

_"مرحباً أُمّي.. أنا يارا.. أتّصلُ على المتجرِ و لا أجدُ أحداً.."

أقلقَ صوتُها الخافتُ قلبَ الوالدة ، كانَتْ تسمعُ الجروحَ في صوتها عبرَ الهاتف ، لكنّها لم تتوقّع شيئاً ، فهذه يارا لو ضاعَ خاتمٌ لها تبكيه شهراً ، تعرفُها ، و ربّما ليس كثيراً

_"أهلاً حبيبتي ، يبدو أنّ أبوكِ ذهبَ إلى السّوق ، و أنا هنا مع علي ، جاء اليوم"

_"علي هنا؟ هل يمكنني أن أحدّثه؟ بعدَ إذنكِ أُمّي.."

_"طبعاً ، لحظة"

أنزلتِ السّمّاعةَ عن صدغها ، و أشارَتْ لعلي بأن يأتي و وجهها جامد ، تجاوزتِ القلقَ بعضَ التّجاوز ، قلقها سيتبدّدُ عند رؤيته يظهرُ كلَّ هذه القوّة ، هي على ثقةٍ بأنّ ابنها العزيزَ قادرٌ على حلِّ الأمور ، حتّى لو كانَ ما يظهرُه مزيّفاً.

نهضَ على الفور ، توجّهَ نحو والدتِه و تناولَ من يدِها السّمّاعة ، كانَ مهتزّاً في داخله ، دون أن يعرفَ من المتّصلُ و لماذا يتّصل ، و يغطّي على هذا الاهتزازِ بعجرفةٍ محكمة ، علي جيّدٌ في التّستّرِ على مشاعره ، جيّدٌ جدّاً

_"نعم؟"

_"علي.. علي أنا يارا.. نحنُ في قسمِ الشّرطة.."

_"قسم ماذا!؟ ماذا تفعلين هناك!؟"

_"أرجوكَ علي.. تعال أرجوك.. أنا في حاجتك.."

تنهّدَ ، تنهيدةً تكادُ لفرطِ انفعالها تحرقُ الهاتفَ و على الرّغمِ من أنّه أصدرها للتّهدئة ، هو يحترقُ و هو واقفٌ في مكانه ، لا يعرفُ أين أخته و ما بالُها و كيف ينقذُها ، لا يعرفُ ما يحدثُ معها و الوقتُ يمضي ، لا وقتَ للأسئلةِ حتّى ، يارا في حاجته

_"في أيّ قسمٍ أنتِ؟"

أعطته العنوان ، و سريعاً ، تركَ كلّ شيءٍ و هبّ راكضاً في اتّجاهِ الباب ، تركَ السّمّاعةَ كيفما اتّفق ، و تركَ والدتَه مُعلّقةً بين كلّ ما سمعته و كلِّ ما أضحى خيالُها ينسجه ، غضبه و قلقه و ركضُه ، كلُّ هذه الأمورِ كادَتْ تجعلُها تنهارُ و هي واقفة ، نادته و هو خارجٌ و صوتها قَدْ حشرجَ في حلقها ، نادته و لم يردّ.. تبعته و لم يستدر.. لم يكن يرى أمامه..

ما هذا الذّي يحدثُ مع أطفالها؟

____

_"خالُكَ ريّان وقعَ في مشكلة ، لقَدْ ضُرِبَ ضرباً مبرحاً ، ضربَه شابٌّ يقولون أنّه كانَ يعترضُ طريقَ خطيبته في الشّارع"

كانَ إيليا و ليلي في أحدِ المتاجرِ القريبةِ من بيتهما ، يبتاعان كعكاً و سكاكر ، و قَدْ نقلَ البائعُ هذا الخبرَ السّعيدَ إلى إيليا و هو يناولُه أكياسَ السّكاكر ، شعرَ الصّغيرُ بشيءٍ ما ، شعرَ بفرحٍ عميقاً في داخله ، و تحفّظَ عليه بشدّةٍ لئلّا يبان ، بيدَ أنّه لم يندم في شأنِه على الإطلاق..

_"لا علاقةَ لي به يا عمّ"

_"معكَ حقّ ، ابقَ هكذا يا بنيّ ، ابتعد عنه"

ابتسمَ له ، و ناولَه كعكتين إضافيّتين عربون محبّة ، ثمّ شاهده و هو يغادرُ برفقةِ الطّفلة؛

يعرفُ الرّجلُ كم هو صعبٌ أن يكونَ في العائلةِ شخصٌ مثل ريّان ، ذو سمعةٍ سيّئةٍ و له يدٌ في كلّ مشكلةٍ تقريباً ، كثيرون سينظرون إلى العائلةِ نظرتهم إليه ، و لو لم يبدوا ذلك فعلاً ، الكثيرُ سينتظرُ زلّةَ قدمٍ ليقول:

"أخبرناكم ، هذه عائلةُ ريّان"

و على أيّةِ حال ، فالطّفلُ كانَ بعيداً تماماً عن ذلك ، الجميعُ يرى حسنَ تربيته و حسنَ أخلاقه ، و يردّونه إلى عائلةِ أبيه لا إلى عائلةِ أُمّه ، الجميعُ يرى ذلك إلّا عائلةُ أبيه ، مع الأسف

_"إيلي"

_"نعم"

_"ما اسمُ ذلك المكان؟"

أشارَتْ بإصبعها نحو الكنيسةِ في آخرِ الشّارع ، ابتسمَ إيليا ما إن سألته ، و ربّتَ على رأسها الصّغيرةِ و هو يفكّرُ في إجابةٍ سليمة

_"هذه كنيسة ، يصلّون فيها و يتقرّبون من اللّٰه"

_"ألم تقل أنّ اللّٰه في كلّ مكان؟"

_"بلى ، اللّٰه في قلوبنا جميعاً ، و لكن لا بأس في أن نجتمع و نتشاركَ حُبّه"

_"لكن..لم يدعُني أحد.. و لا حتّى إلى الجامع.."

_"هذا لأنّ.."

فكّرَ لبرهةٍ ثمّ سكتَ عن التّبريرِ إذ لم يجده ، هنالك شيءٌ غريبٌ في كلامِ رجال الدّين لا يدركُه بعد..

_"سأدعوكِ أنا إذاً ، ألا تذهبين معي؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة