عادَ علي من المهجرِ في زيارةٍ عرضيّةٍ لمدّةِ أسبوعين ، لم يكن مُخطّطاً لها ، لم يكن في الواقعِ يخطّطُ للعودةِ قبل عطلاتِ نهايةِ العام ، لكنّ استعجالَ حسن لعقدِ خطوبتِه و يارا قَدْ أعادَه الآن ، و بطلبٍ شخصيٍّ من الشّابِّ أيضاً ، لقَدْ قال:
"إمّا أن يحدثَ ذلك الآن ، أو صدّقني يا علي ، سنخسرُ بعضنا إلى الأبد"
لم يفهم الأمرَ فعلاً ، و قَدْ أبى حسن أن يشرحَه عبرَ الهاتف ، كانَ مستعدّاً للعودةِ فقط ليعرفَ ما الأمر ، لكنَّه في الواقعِ عادَ لئلّا يخسرَه ، لقدِ ارتاحَ لوجودِه مع يارا و أهله ، بطريقةٍ ما.
علي لا يفكّرُ بطريقةٍ حديثة ، و لا يمكنُ لشيءٍ أو أحدٍ أو موقفٍ في العالمِ أن يقنعَه أنّ إحدى أخواتِه يمكنُ أن تتدبّرَ أمورها لوحدها في يومٍ من الأيّام ، و على الرّغمِ من أنّ فاتناً سبقَ و ساعدته كثيراً حتّى استطاعَ السّفر ، لا يوجدُ ما يقنعه بعكسِ ما لديه من أفكار.
وصلَ إلى البيتِ فجأةً ، في صباحِ يومِ ثلاثاء مُشمِس ، شربَ قهوةً مع والدتِه و حدّثها في كثيرٍ من الأمور ، عن أخباره و ترقيته في الشّركة ، و عن شابّةٍ خرجَ معها في الآونةِ الأخيرة ، و كذلك عن رغبته في أخذِ ليلي معه إلى فرنسا بدايةً من العامِ القادم ، لم تمانع فعلاً ، لكنّها فضّلتْ أن يناقش أباه بدلاً منها في ذلك ، فهي ستُعتبَرُ لئيمةً أيّما كانَ خيارُها.
و استمرّتِ الأحاديثُ و فناجينُ القهوةِ و الحلويّاتِ حتّى حانَتْ ساعةُ انصرافِ الأطفال ، بدا أنّه يتجهّزُ للنّهوض ، فقَدْ كانَ يحدّقُ في ساعةِ يدِه مهتمّاً ، و والدتُه شرعَتْ تعضُّ على شفتها سرّاً ، لم يخبره أحدٌ بعد بأنّ ليلي تعودُ مع ابن الجيران ، و عندما يكتشفُ الحقيقةَ و يكتشفُ أنّهم جميعاً يكذبون عليه ، لا أحدَ يعرفُ ما سيفعلُ عندما يكتشف.
ما يزالُ علي مأخوذاً بحالةِ الرّجلِ المسؤولِ المسيطر ، تخبرها فاتن أحياناً بذلك
_"أُمّي ، هل ستمرُّ يارا على المدرسة؟"
سألَها بغتةً ، فتلعثمتْ و ارتبكَتْ ، ثمّ رفعَتْ كتفيها و ابتسمَتْ ، ببساطة ، لا فكرةَ لديها عن مكانِ الاثنتين في هذه اللّحظة ، و هذا صادقٌ إلى حدٍّ ما.
فكّرَ لبرهة ، انساقَ مع عدّةِ تيّاراتٍ فكريّةٍ متعاكسة ، و تحوّرَتْ ملامحُ وجهه مع كلِّ تغيّرٍ في نحوِ الأفكار ، ثمّ أخيراً هزَّ برأسِه و فاه:
_"أعتذر ، أنتِ لا تكونين في البيتِ عندما تعود ، هذا صحيح"
حدّقَتْ قليلاً في وجهه ، علّها تفهمُ قصده ، و لم تفعل ، لم تعِ إن كانَ يقصدُ عتاباً أو لوماً أو تفهّماً فعلاً ، لم تعِ سوى بمشاعرها هي ، بانزعاجِها من طباعه أخيراً ، بعدَ عامٍ كاملٍ قضته في إقناعِ فاتن و يارا بأنّ لديه الحقّ فيما يفعل ، و أنّه حتّى لو بالغَ فذلك لأنّه يُحِبُّهم جميعاً ، أهو يفعلُ فعلاً؟
كانَ هذا النّزاعُ الصّامتُ سيستمرُّ إلى الأبدِ لولا أن رنّ هاتفُ البيتِ و فضّه ، نهضَتِ الوالدةُ و عينُها على مُدّعي القوّة ابنها الجالسِ معها ، رفعتِ السّمّاعة ، و ردّت:
_"مرحباً؟"
_"مرحباً أُمّي.. أنا يارا.. أتّصلُ على المتجرِ و لا أجدُ أحداً.."
أقلقَ صوتُها الخافتُ قلبَ الوالدة ، كانَتْ تسمعُ الجروحَ في صوتها عبرَ الهاتف ، لكنّها لم تتوقّع شيئاً ، فهذه يارا لو ضاعَ خاتمٌ لها تبكيه شهراً ، تعرفُها ، و ربّما ليس كثيراً
_"أهلاً حبيبتي ، يبدو أنّ أبوكِ ذهبَ إلى السّوق ، و أنا هنا مع علي ، جاء اليوم"
_"علي هنا؟ هل يمكنني أن أحدّثه؟ بعدَ إذنكِ أُمّي.."
_"طبعاً ، لحظة"
أنزلتِ السّمّاعةَ عن صدغها ، و أشارَتْ لعلي بأن يأتي و وجهها جامد ، تجاوزتِ القلقَ بعضَ التّجاوز ، قلقها سيتبدّدُ عند رؤيته يظهرُ كلَّ هذه القوّة ، هي على ثقةٍ بأنّ ابنها العزيزَ قادرٌ على حلِّ الأمور ، حتّى لو كانَ ما يظهرُه مزيّفاً.
نهضَ على الفور ، توجّهَ نحو والدتِه و تناولَ من يدِها السّمّاعة ، كانَ مهتزّاً في داخله ، دون أن يعرفَ من المتّصلُ و لماذا يتّصل ، و يغطّي على هذا الاهتزازِ بعجرفةٍ محكمة ، علي جيّدٌ في التّستّرِ على مشاعره ، جيّدٌ جدّاً
_"نعم؟"
_"علي.. علي أنا يارا.. نحنُ في قسمِ الشّرطة.."
_"قسم ماذا!؟ ماذا تفعلين هناك!؟"
_"أرجوكَ علي.. تعال أرجوك.. أنا في حاجتك.."
تنهّدَ ، تنهيدةً تكادُ لفرطِ انفعالها تحرقُ الهاتفَ و على الرّغمِ من أنّه أصدرها للتّهدئة ، هو يحترقُ و هو واقفٌ في مكانه ، لا يعرفُ أين أخته و ما بالُها و كيف ينقذُها ، لا يعرفُ ما يحدثُ معها و الوقتُ يمضي ، لا وقتَ للأسئلةِ حتّى ، يارا في حاجته
_"في أيّ قسمٍ أنتِ؟"
أعطته العنوان ، و سريعاً ، تركَ كلّ شيءٍ و هبّ راكضاً في اتّجاهِ الباب ، تركَ السّمّاعةَ كيفما اتّفق ، و تركَ والدتَه مُعلّقةً بين كلّ ما سمعته و كلِّ ما أضحى خيالُها ينسجه ، غضبه و قلقه و ركضُه ، كلُّ هذه الأمورِ كادَتْ تجعلُها تنهارُ و هي واقفة ، نادته و هو خارجٌ و صوتها قَدْ حشرجَ في حلقها ، نادته و لم يردّ.. تبعته و لم يستدر.. لم يكن يرى أمامه..
ما هذا الذّي يحدثُ مع أطفالها؟
____
_"خالُكَ ريّان وقعَ في مشكلة ، لقَدْ ضُرِبَ ضرباً مبرحاً ، ضربَه شابٌّ يقولون أنّه كانَ يعترضُ طريقَ خطيبته في الشّارع"
كانَ إيليا و ليلي في أحدِ المتاجرِ القريبةِ من بيتهما ، يبتاعان كعكاً و سكاكر ، و قَدْ نقلَ البائعُ هذا الخبرَ السّعيدَ إلى إيليا و هو يناولُه أكياسَ السّكاكر ، شعرَ الصّغيرُ بشيءٍ ما ، شعرَ بفرحٍ عميقاً في داخله ، و تحفّظَ عليه بشدّةٍ لئلّا يبان ، بيدَ أنّه لم يندم في شأنِه على الإطلاق..
_"لا علاقةَ لي به يا عمّ"
_"معكَ حقّ ، ابقَ هكذا يا بنيّ ، ابتعد عنه"
ابتسمَ له ، و ناولَه كعكتين إضافيّتين عربون محبّة ، ثمّ شاهده و هو يغادرُ برفقةِ الطّفلة؛
يعرفُ الرّجلُ كم هو صعبٌ أن يكونَ في العائلةِ شخصٌ مثل ريّان ، ذو سمعةٍ سيّئةٍ و له يدٌ في كلّ مشكلةٍ تقريباً ، كثيرون سينظرون إلى العائلةِ نظرتهم إليه ، و لو لم يبدوا ذلك فعلاً ، الكثيرُ سينتظرُ زلّةَ قدمٍ ليقول:
"أخبرناكم ، هذه عائلةُ ريّان"
و على أيّةِ حال ، فالطّفلُ كانَ بعيداً تماماً عن ذلك ، الجميعُ يرى حسنَ تربيته و حسنَ أخلاقه ، و يردّونه إلى عائلةِ أبيه لا إلى عائلةِ أُمّه ، الجميعُ يرى ذلك إلّا عائلةُ أبيه ، مع الأسف
_"إيلي"
_"نعم"
_"ما اسمُ ذلك المكان؟"
أشارَتْ بإصبعها نحو الكنيسةِ في آخرِ الشّارع ، ابتسمَ إيليا ما إن سألته ، و ربّتَ على رأسها الصّغيرةِ و هو يفكّرُ في إجابةٍ سليمة
_"هذه كنيسة ، يصلّون فيها و يتقرّبون من اللّٰه"
_"ألم تقل أنّ اللّٰه في كلّ مكان؟"
_"بلى ، اللّٰه في قلوبنا جميعاً ، و لكن لا بأس في أن نجتمع و نتشاركَ حُبّه"
_"لكن..لم يدعُني أحد.. و لا حتّى إلى الجامع.."
_"هذا لأنّ.."
فكّرَ لبرهةٍ ثمّ سكتَ عن التّبريرِ إذ لم يجده ، هنالك شيءٌ غريبٌ في كلامِ رجال الدّين لا يدركُه بعد..
_"سأدعوكِ أنا إذاً ، ألا تذهبين معي؟"
دلع☆