_"ليلي! ماذا تفعلين بعد هنا؟ اتركي التّلفاز"
_"هذا وقتي يا فاتن.."
_"و كأنَّ لكِ وقتاً واحداً ، لا أراكِ سوى أمام التّلفاز ، أريدُ أن أشاهدَ شيئاً ، كم أنتِ مضجرة!"
.
.
.
طُرِدَتْ ليلي من جديدٍ إلى غرفتِها و غرفةِ يارا ، و بوساطةِ حكمِ الشّقيقةِ الكُبرى الجائر ، غيرِ القابلِ للمناقشةِ و لا للاستعانةِ بقوّةٍ أكبر ، تعرفُ والدتَها جيّداً ، لن تنحازَ إلّا إلى جانبِ فاتن حتّى لو كانَتْ على خطأ ، فهي الكُبرى و يجبُ أن يحترمَها جميعُ الأبناءِ الباقين ، بما فيهم علي المُدلَّلُ اللّطيف ، لو قالَتْ له أنّ السّكّرَ أسودُ فهو أسود.
ليلي الصّغيرةُ لا تُحِبُّ رفقةَ فاتن الآن ، تظنُّ أنّ أختها الكبيرةَ تكرهها لأنّها صغيرةٌ و مضجرةٌ و لا فائدةَ منها في البيت ، و لو أنّها كانَتْ أكبرَ بقليل ، مثلَ إيليا ، أو يارا و علي ، سوف تُحِبُّها و تجالسُها على الدّوام ، و سوف تأخذُها معها إلى بيتِ صديقاتها الجميلات ، و إلى السّوق ، و سوف ترضى بالذّهابِ معها في نزهاتٍ صغيرةٍ هنا و هناك ، و سوف تقنعُ والدتها كي تسمحَ لها باللّعبِ مع إيليا عندما يأتي مرّةً ثانية ، أو حتّى بدعوته إلى البيتِ لمشاهدةِ برنامجها المُفضّل ، هل يُحِبُّه إيليا يا تُرى؟ أم أنّه سيراها مضجرةً بسببه أيضاً؟
فتحَتْ بابَ الغرفةِ برويّة ، كانَتْ يارا تقرأ في سريرها ، على عادتها في كلِّ عصرٍ تقضيه في البيت ، رفعَتْ رأسها للحظةٍ تطّلعُ على الصّغيرة ، ابتسمَتْ لها ، ثمَّ عادَتْ للكتابِ دون تلفّظ ؛ يارا انطوائيّةٌ في البيتِ و اجتماعيّةٌ في خارجه ، تعرفُ عشرين صديقةً و تزورهنّ على الدّوام ، و يُحِبُّها الجميعُ في كليّتها ، تخبرُ ليلي عن رفاقها دائماً ، و الطّفلةُ ترى أنّه لا يوجدُ من يمكنُ أن يكرهَ يارا ، إلّا لو كانَ شرّيراً يكرهُ الأخيار ، هي رائعة
_"أختي"
همهمَتْ لها بينما تقلبُ صفحةً من صفحاتِ كتابها ، كانَتْ تخالُ أنّ ليلي ستخبرُها بشيءٍ سريعٍ غريبٍ على عادتها "أُحِبُّكِ أختي؛ أنتِ جميلةٌ جدّاً؛ أنتِ رائعة؛ أنا جائعة؛ أريدُ فراولة" و ممّا يشاكلُ ذلك ، بيدَ أنّ البنتَ ظلَّتْ ساكتة ، تترقّبُ الانتباه.
وضعَتْ يارا قلماً حيثُ وصلَتْ في القراءة ، و أطبقَتْ دفّتي الكتابِ على بعضهما ، اعتدلَتْ في جلستِها أمام ليلي ، و نادَتْ عليها كي تأتي ، قليلاً ما تكونُ يارا متفرّغةً لها ، لذلك هي سعيدة ، مهما كانَ إزعاجُ فاتن من قبلُ بالغاً.
جلسَتْ إلى قربِها ، و حطَّتْ رأسَها في الأرضِ و هي تفكّر ، و تهزُّ ساقيها ؛ كيف ستخبرُها بما تريد؟ و هل ستظلُّ راضيةً في حالِ أخبرتها؟
_"ما الأمرُ حبيبتي؟ هل أزعجتكِ الشّمطاءُ في الخارج؟"
ضحكَتْ ليلي بصوتٍ ناعمٍ مكتوم ، و أومأتْ لها بالإيجاب ، شعرَتْ بأنّ ما قيلَ مذمّة ، و لم تفهمها على الأكيد ، أعجبَها وقعُ الكلمة ، فعلاً ، فاتن شوماء ، أهكذا كانت؟
_"لا تزعجي نفسكِ برؤيتها ، ابقي هنا"
_"أختي.. أريدُ.. أريدُ أن ألعبَ في الخارج.."
_"في الخارج؟"
نظرَتْ يارا نحو النّافذة ، فكّرَتْ قليلاً ، والداها في العملِ و ليس هنالك سوى فاتن في البيت ، و هي لا تقصدُهما إلّا لو أرادَتْ أن تتأمّر ، لن تنتبه.
و لكن لحظة ، يارا بالغة ، تستطيعُ أن تقرّرَ و تستطيعُ أن تسمحَ و تمنعَ عن أختِها الصّغيرة ، و لها الحقُّ في أن تفعل ، تعرفُ أين مصلحتُها و تعرفُ ما يمكنُ أن يؤذيها و ما سوف يفيدها ، ثمّ ماذا سيحدثُ لو خرجتِ المسكينةُ قليلاً؟ لن يحدثَ شيء ، مثلها مثلُ بقيّةِ الأطفال ، قالَتْ يارا في نفسها.
وضعَتِ الأختُ يدَها على رأسِ الّصغيرة ، بشكلِ تربيتةٍ تحوّلَ هدفها فيما بعدُ إلى بعثرةِ شعرها المسترسل المربوط ، و لم تنزعجِ الصّغيرة ، هي تُحِبُّ حركاتِ يارا كيفما كانَتْ
_"اخرجي ، سأراقبُكِ من النّافذة ، لا تبتعدي من هنا"
_"أخرجُ من النّافذة؟"
_"ألا تستطيعين؟"
حدّقَتْ ليلي فيها قليلاً ، بضيق ، خشيَتْ أن تعودَ عن الأمرِ إذا ما علمَتْ بأنّها غيرُ قادرةٍ على القفزِ من النّافذة ، بل و بأنّها تخشى أن تفعلَ لئلّا تأتي السّاحرةُ و تحجّرَ يدها كما فعلَتْ مع إيليا.
قلّبَتِ الشّابّةُ الأمرَ في رأسِها أيضاً ، النّافذةُ عاليةٌ على شقيقتِها ضئيلةِ الحجم ، و لو وقعَتْ لن يُوبَّخَ غيرُها ، الققزُ من النّافذةِ ليسَ خياراً جيّداً
_"ما رأيُكِ أن أحملَكِ إليها؟"
هزَّتْ ليلي برأسِها بحماسةٍ كبيرةٍ أضحكَتْ أختها ، و أشعرتها بنوعٍ من الفخر ، حسنٌ ، فخرٌ مؤقّت ، تخالُه مستمرّاً حتّى يكتشفَ أحدٌ فعلتها ، تكتشفَ أمُّها ، ستجعلُها تتعرّفُ على كافّةِ أشكالِ و ألوانِ النّدمِ عندئذٍ.
قامَت بنشاط ، فتحَتِ النّافذةَ على مصراعيها ، رفعَتْ جسدَها قليلاً حتّى بلغَتْ أن جلسَتْ على حاجزِ الطّوب ، لحقَتْ ليلي بها بحماسة ، و تجاوبَتْ معها حتّى رفعتها إلى حضنها ، ثمَّ أنزلتها من الجهةِ الأُخرى للنّافذة ، كانَتْ هذه اللّحظةُ بمثابةِ عيدٍ في نظرِ الطّفلة ، لحظةَ لامسَتْ أقدامُها العاريةُ عشبَ السّاحةِ الرّطب ، اعترتها رعشة ، بل دغدغة ، من أعلى رأسِها إلى أخمصِ قدميها ، كما لو أنّ هواءَ الخارجِ قَدْ أنالها روحاً جديدة ، روحاً حلوةً حُرّة.
ركضَتْ ليلي ما إن رأت إيليا في الجوار ، لم تلتفت إلى يارا أبداً ، و ما وقفتْ تصرُّ على شكرها كما تفعلُ في العادة ، عجبتِ الشّابةُ من أمرها ، بيد أنّها لم تقل شيئاً ، عادَتْ تجيءُ بكتابها كي تستقرَّ في النّافذة ، تراقبها و تطمئنَ قلبها.
كانَ إيليا جالساً فوق العشب ، يعطي جهة ليلي ظهره ، يجمعُ بضعةَ أعشابٍ بيدٍ واحدة ، وحيداً تماماً بينما يلعبُ الصّبيةُ في النّاحيةِ الأُخرى بالكرة ، لا يُسمَحُ له باللّعبِ طبعاً حتّى تُشفَى يدُه ، و الصّبيةُ لم يبحثوا معه عن لعبةٍ تناسبُ الجميع ، إيليا ليس حاقداً عليهم ، لكنَّه منزعجٌ قليلاً ، يشعرُ بالوحدة
_"إي.. ليا!"
نادَتْ عليه و هي تلهث ، مالَ برأسه نحوها مستغرباً ، لم يستطع تمييزَ صوتها من بين كلِّ الأصواتِ التّي يعرف ، فقدِ التقاها قبلَ يومٍ واحد ، كما لم يتوقّع رؤيتها هنا بالضّبط ، يراها صغيرةً جدّاً ، أصغرَ من أن تخرجَ وحدها هكذا.
ابتسمَ مُذ تعرّفَ إليها ، و التفتَ نحوها بشكلٍ كاملٍ يتابعُ ركضها إليه ، شعرَ بالدّفء بعدَ أن كادَتِ الوحدةُ ترهقُه ، شعرَ بالأُنس ، برغمِ أنّ البنتَ تصغرُه بأعوام.
وقفَتْ أمامه عندما وصلَتْ تلتقطُ أنفاسها ، وقفت وقفةً غريبة ، إذ لم تعرف ما تقولُ له و كيف تلقي عليه السّلام ، أخفضَتْ رأسها و حسب ، يراها إيلي مهذّبة
_"أهلاً ليلي ، تعالي ، اجلسي بجانبي"
اقتربَتْ منه ، و جلسَتْ على الأرضِ بجواره ، لحظَ أنّها لا تنتعلُ حذاءً ، شعرَ بالقلقِ إلى حدٍّ ما ، فاستدارَ نحو بيتها يطّلعُ على النّافذة ، رأى شابّةً تجلسُ هناك ، تقرأ كتاباً و تستغرقُ في قراءته ، يرجو أنّ مكروهاً لم يصب ليلي ، لا يعرفُ لماذا خطرَتْ له هذه الخاطرة
_"من هذه يا ليلي؟"
_"هذه يارا أختي"
_"سمحَتْ لكِ بالخروج؟"
هزَّتْ له برأسِها توافقُ قوله ، و أراحَتْ قلبَه الصّغيرَ ممّا كانَ يهاب ، لا يعرفُ أيَّ نوعٍ من المشاكلِ قَدْ يلحقُ بهذه البنت ، و لا يعرفُ عنها سوى اسمها و بيتها ، لكنّه سعيدٌ بقدومها ، ربّتَ على شعرها يعبّرُ عن هذه السّعادة ، كما فعلَتْ يارا قبل قليل ، و لكن بلطفٍ أكبر
_"ماذا تريدين أن نفعل؟"
_"أريدُ أن ألعب"
ندهَتْ بحماسة ، لم يستطع إيليا أن يجاريها فيها ، كانَ يظنُّ أنّها جاءَتْ تجلسُ معه ، لكن لا بأس ، هي صغيرةٌ جدّاً ، أصغرُ منه بكثير.
أشارَ لها نحو الصّبيةِ الذّين يلعبون بالكرة ، تردّدَ قليلاً في القول ، كانَ يشعرُ بضيقٍ ما ، لكن لا بأس ، لقدِ اعتادَ على ذلك
_"ها هم يلعبون ، هل أخبرُهم كي يلعبوا معكِ؟"
_"و أنت؟"
هزَّ برأسِه نافياً ، و أخذَ يحدّقُ في الأعشابِ الصّغيرةِ التّي جمعها من الأرض ، كانَتْ قَدْ سألَتْه بأسىً شديد ، و كأنّها على وشكِ البكاء ، لم يلحظ ذلك ، كانَ كذلك آسياً ، كلاهما يأسى لسببٍ مختلف
_"لكن.. أريدُ أن ألعبَ معكَ أنت"
_"لا أستطيعُ أن ألعب ، لأجلِ يدي"
أشارَ نحو يدِه المحجوزة ، و أشاحَ بوجهه ينظرُ نحو أناسٍ يقطعون شارعاً في الجهةِ الأُخرى من المنطقة ، هو منزعجٌ من يده ، منزعجٌ كثيراً لأنّها تمنعُه من لعبِ الكرة ، يُحِبُّ كرةَ القدمِ كثيراً ، و بسببها كُسِرَتْ يدُه ، لكنّه لا يذكرُ الأمر ، يريدُ أن يلعبَ بكلّ قواه و قدراته و كلّ آماله ، يريدُ أن يلعب
_"إيلي.. لا أريدُ أن ألعب.. أريدُ أن أبقى معك"
نادَتْ عليه فجأة ، بكلِّ عناصرِ المفاجأة ، غمرَتْه السّعادةُ كما غمرتْه عندما فاجأتْه عائلتُه بحفلِ ذكرى مولدِه ، لم يستطع ألّا يبتسم ، لقَدْ تحقّقَ طلبُه دون أن يطرحه.
انتشلَ زهيرةَ أملٍ من بين العشب ، كانَت قَدْ سقطَتْ هنالك منذُ وقت ، و مدَّها في ناحيةِ ليلي الصّغيرةِ و هو يبتسم ، أُمُّه تُحِبُّ هذه الزّهيرات ، و هو كذلك ، و لن يعطيها لأيٍّ كان
_"تمنّي أمنية"
قرّبَ الزّهيرةَ من وجهها ، تذكّرَتْ عندما أخبرتها صديقةٌ ليارا ذاتَ مرّةٍ أنّ السّماءَ مفتوحةُ الأبوابِ دائماً ، يمكنُها أن تتمنّى متى شاءَتْ و سوف يحقّقُ لها اللّٰه رغباتها ، و عندما لا يتحقّق ما تريد ، ذلك يعني أنّ هنالك ما هو أجملُ في طريقه إليها ، و أعجبها الكلام ، لذلك تتمنّى كلّما حانَتِ الفرصة ، و الآن ، سوف تتمنّى شيئاً خاصّاً ، لحظيّاً ، مع الطّفلِ اللّطيفِ الذّي ظهرَ في حياتها فجأة
_"أتمنّى أن تعودَ يدُ إيلي و نلعبَ معاً"
ابتسمَ من جديد ، و أعادَ الزّهيرةَ إلى حيّزه بحبور ، وضعها أمام فمه ، و أخذَ يتمتم أمنيته الجديدةَ قبل أن ينفخها بعيداً في الهواءِ الطّلق ، قبلَ أن ينفخها لتطيرَ بأحلامهما و أمنياتهما إلى السّماء ، موطنُ الأمنياتِ الوحيد
_"أتمنّى أن أرى ليلي دائماً"
دلع☆