العشرون

العشرون

98 0

وصلَ الطّفلان إلى الحيّ ، لاقتهما العصافيرُ و الغيومُ و ساحاتُ الأعشاب ، و زهيراتُ الأملِ الطّائرةُ في الهواء ، كانَتْ ليلي تراقبُ الطّريقَ بحذافيره ، و تراقبُ إيلي و عيناها تلمعان لكثرةِ الفرح ، لقد عادَتْ مع صديقها العزيزِ لأوّلِ مرّةٍ إلى البيت ، و أنصتتْ إلى كلامِه عن برنامجه المُفضّلِ أيضاً ، وعدته بأنّها ستتابعُه ما إن يحينُ وقتُه ، يجبُ أن تتذكّرَ وعدها هذا مهما كلّفها الأمر!

لقَدْ هوّنَتْ هذه الرّحلةُ عليه أيضاً ، كانَ مرتاحاً لأنّه يحكي لها عن شيءٍ يُحِبُّه ، و لأنّها تسمعُه و تشاركُه الحديثَ بحماستها المعهودة؛ كانَ يمكنُ أن يكونَ سعيداً أيضاً ، لكنّ الطّريقَ الذّي يتقلّصُ شيئاً فشيئاً يحولُ ما بينه و بين ذلك ، لا يريدُ رؤيةَ ريّان في البيت ، سيكونُ هنالك اليومَ مع زوجِ أُمِّه ، سيتحدّثان عن العمل ، و سيُحفَظُ السّلمُ في جلستهما البغيضةِ على حسابه هو ، سيعلّقان عليه و على أفعاله بدلاً من التّعليقِ على بعضهما البعض ، بخاصّةٍ بعد مشكلاته الجديدةِ مع خاله المزعوم ، و مع سعي الأخيرِ للانتقامِ طوال عامٍ من رجلٍ مجهول ، دون قدرته على ذلك.

تنهّدَ إيلي مُذْ لاحَ له الحيّ ، احتجزَ نفساً عميقاً ، و حرّره على دفعاتٍ إلى أن وصلَ ساحةَ اللّعب؛

ضيقُه الذّي تخافتَ مع ليلي ، عادَ على دفعاتٍ إليه ، صدرُه يعتصرُ أكثرَ كلّما قربَ بيته ، كلّما استذكرَ خاله و شكلَه و كلماته ، كانَ اسمُه مكتوباً على كلِّ حجرٍ من أحجارِ الطّريق ، لم تترك صورته حتّى الأشجارَ و العصافير ، لم تترك إلّا عصفوراً مغرّداً واحداً ، ليسَتْ ذاتَ قدرةٍ على أن تقربَه بسوء ، تلك ليلي؛

لقَدْ كانَ راغباً في مشاركةِ الطّفلة هذا الحملَ في البداية ، علَّه يخفُّ أو يهونُ قليلاً ، غيرَ أنَّه لم يستطع ، ما تزالُ ليلي صغيرةً و ما تزالُ تحسبُه بطلاً قويّاً عظيماً ، ليس يرغبُ في تشويهِ هذه الصّورة ، أبداً ، هو القوّةُ التّي ستحميها ، يجبُ ألّا تراه على غيرِ حال

_"هل ستذهبين إلى البيت؟"

سألَها بصوتٍ خافت ، يُفترَضُ به أن ينتظرَ يارا معها أمام الباب ، أو في أيّ مكانٍ يريدُه ، المهمُّ أن تكونَ في البيت ساعةَ تأتي شقيقتها من الجامعة ، بعدَ ساعةٍ أو أقلّ ، و أعطته نسخةً عن المفتاحِ لأجلِ الطّوارئ ، كانَ هذا المفتاحُ منقذه ، إذ لم يكن جيّداً في حسابِ الوقتِ دون ساعة ، لا أحدَ كذلك

_"لا أريد ، سأبقى معكَ إيلي"

تمعّنَ قليلاً في الأمر ، السّاحةُ قريبةٌ من البيتِ و الشٌارعُ فارغ ، سوف يشعران على الأكيدِ بيارا وقتَ تعود ، لذلك لا مشكلة؛

شدَّ على يدها المتراخيةِ في قلبِ كفِّه ، و توجّهَ بها إلى ساحةِ اللّعب ، كانَ يرغبُ في زراعةِ السّاحةِ بالزّنبق ، حتّى تستحيلَ حديقةَ زنبق ، حتّى يستحيلَ المكانُ الأوّلُ الذّي جمعهما مكاناً مميّزاً ، يجمعهما في الخيالِ من بعدِ الواقع ، كانَ ذلك حلماً عابراً خامرَه في ساعةٍ من ساعاتِ اللّيل ، و الآن بدأ يفكّرُ فيه جديّاً ، سيفعلُها ، قالَ لنفسه.

نزعَ حقيبته و جلسَ فوقَ العشب ، و جلستْ ليلي إلى جواره تراقبُ ملامحه التّائهة ، لم يكن قدِ انتبه إلى حركاتها ، و لا حتّى إلى حركاته ذاته ، لم ينتبه إلى أنّه اختارَ هذه البقعةَ من السّاحةِ دون غيرها ، في الوسطِ حيث تُقامُ مبارياتُ أطفالِ الحيِّ في العادة ، كانَ المكانُ فارغاً اليوم ، مهجوراً ، لا يحتوي سواه و سوى الزّنبقةِ و العصافير ، أحلَّ هذا الأمرُ نوعاً من السّكونِ على قلبه ، لم تقطعه حتّى ترانيمُ الطّفلةِ العشوائيّةُ و هي تتسلّى بقطعِ الشّوكِ الصّغيرة ، تلملمها و تقطّعها ، و تعودُ و تنفثها في الجوّ ، و هو شارد ، شاردٌ و يكادُ يغفو و هو جالس

_"معي فراولة ، هل تُحِبُّها إيلي؟"

1

سألتْه فجأةً ، نالَ منه التّعبُ بعدَ السّؤال ، بل قبله ببرهة ، لم يعد راغباً في شيء ، أضحى يتمنّى أن ينامَ هنا ، يحلمَ بما يشاء ، ثمَّ يصحو على صوتِ والدِه و هو يوقظُه ، أن يكونَ كلُّ ما مرَّ في حياته من بعدِ رحيلِ أبيه كابوساً مقرفاً ، سيختفي ، نعم ، و لكن ليلي لا يجبُ أن تفعل ، ستكونُ هنالك في الواقعِ أيضاً ، لا بأسَ بذلك ، يستطيعُ أن يحلمَ بما يشاء ، هو حرٌّ في أحلامه

_"لا أريدُ الآن ، شكراً لكِ"

ارتمى إلى خلفه ، تمدّدَ فوق العشبِ و راحَ يتابعُ الغيومَ تحومُ في السّماءِ دون رغبة ، قلبُه غاصٌّ بالهموم ، صعبَ عليه احتواءُ الجمالِ و المحبّةِ كما كانَ يفعلُ في السّابق ، سيعودُ كلُّ شيءٍ كما كان ، هذا ما يحدثُ في العادة ، خاطبَ نفسه.

أغمضَ عينيه لبرهة ، شعرَ أنَّه سيغفو ففتحهما فوراً ، رأى وجهَ ليلي عندما فعل ، حسبَ أنَّه فشلَ و استغرقَ في الحلم ، بيدَ أنَّه اكتشفَ بعد برهة ، هي تقفُ فوقَ رأسه و تشاهده ، مظهرها باعثٌ على البهجة

_"إيلي ، لماذا أنتَ حزين؟"

_"لستُ حزيناً"

_"لكن.. تبدو حزيناً.. لا تحزن.."

اعتدلَ في جلسته ، و نظرَ في وجهها مباشرةً ، لن يقدرَ على إقناعها ، هي تراه حزيناً ، ترى ما كابدَ لئلّا يظهره ، و فوق هذا ، و لتزدادَ غلاوةً في قلبه الصّغير ، توشكُ على أن تبكي على إثرِ ذلك.

ازدردَ ريقَه ، و شدَّ على ملامحه و هو يفكّر ، لا يجبُ أن تفكّرَ هكذا ، لكنّها فعلت.. يا ربّ.. لم ينجح في تثبيتِ صورته في ذهنها ، يشعرُ بالضّعفِ و الهوانِ الآن..

_"لستُ حزيناً يا ليلي.. هل أقسمُ لكِ؟"

هزَّتْ برأسِها نافية ، لا تريدُ أن يقسم ، فهي لن تصدّقَه حتّى لو فعلَ و حتّى لو كانَ صادقاً ، لن تصدّقَه و تكذّبَ ما ترى بعينيها؛

و هو ، هو كانَ مستعدّاً للكذبِ و القسمِ فقط لئلّا ترى جانبه الضّعيفَ هذا ، و فشلَ حتّى في ذلك

_"أنا قويٌّ ليلي.. أقسمُ لكِ.."

_"أعلم.."

تشهّقَتْ بغيرِ قصدِها ، و بدأتْ دموعُها تسيلُ على خدّيها النّضرين ، لا تريدُ أن يحزن ، تتمنّى أن يبقى سعيداً طوالَ عمره ، و أن يبقى إلى قربها دائماً ، ليلي تُحِبُّه كثيراً ، كثيراً..

_"لا تبكي ليلي.. أرجوكِ.. أنا بخير.."

تحاملَ على نفسه ، و كابدَ حتّى وقفَ على ركبتيه ، ثمَّ شدَّها إليه كي تعانقَه ، كانَتْ في حالِه هذه تزيدُه طولاً ، لذلك استطاعَ أن أخفى وجهه في حضنها النّاعمِ الصّغير ، و بكى ، بكى كما لم يبكِ على طولِ أيّامٍ كانَ يجدرُ به البكاءُ فيها ، بعدَ صراخِ خاله و رغبته في قمعه ، و بعدَ وقوفِه وحيداً في وجهِ هذا الألمِ العظيم ، دون معينٍ أو مهوّن ، بكى كلَّ شيء ، كما لم يبكِ في حضنِ والدته..

_"لا تبكِ إيلي.. أنا أُحِبُّك.."

4

نعم ، لا تبكِ إيلي ، يجبُ أن تكونَ قويّاً و يجبُ أن تحمي ليلي..

أكملَ همساتها في رأسِه المُثقلة ، ثمَّ لملمَ نفسه ، أبعدها منه قليلاً و تأمّلَ وجهها المبتلَّ المُحمرّ ، العاصفَ الحزين ، حاولَ أن يبتسم ، ليلي تُحِبُّكَ ، لستَ في حاجةٍ لحُبِّ شخصٍ آخر

_"و أنا أيضاً ليلي.. أُحِبُّكِ كثيراً.."

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة