اللقاء الأخير

اللقاء الأخير

2 0

هل الهروب نجاة أم موت؟

أحيانًا يصبح الهرب من الموت أصعب من الموت نفسه، لكن يصعب علينا تقبل ما نحن عليه؛ لأن ذلك يذكرنا كم نحن ضعفاء، لذا يبقى خيارنا الأخير هو عدم مواجهته والهروب منه.

أتجول بين أروقة المكتبة القديمة، أتفحص بعينيّ بحثًا عن كتاب يشبع فضولي. ألمس تلك الكتب التي، مع كل لمسة، تعيدني للحياة. يلتصق الغبار على أطراف أصابعي، أسير في متاهة الكتب، وصوت الأرضية الخشبية يصدر صريرًا مزعجًا ومريحًا في آن واحد.

كانت المكتبة مقسمة إلى خمسة أقسام، وفي كل صف توجد مجموعة من الكتب الضخمة التي تناقش مواضيع عدة، لكن الغريب في الأمر أنني أنا الوحيدة التي تزور هذه المكتبة، ولا أحد غيري.

في إحدى المرات سألت موظفة المكتبة عما إذا كان هناك أشخاص يلجؤون إلى المكتبة، لكنها أجابتني بأن جميع من في المستشفى هم مرضى نفسيون يفتقرون للعلاج، لهذا أغلب وقتهم يكونون في غرفهم موصدة عليهم الأبواب كي لا يقوموا بعمل أحمق يشبه ماهيتهم.

لكني كنت أحب أنني أنا الوحيدة التي تزور هذا المكان، فقد أصبح عالمي. رائحة الكتب تخترق أنفي وتبقى عالقة، متمنية ألا تزول؛ لأنها أكسجيني.

لمحت كتابًا بلون أحمر قاتم كلون الدماء، عنوانه بلون أسود منقوش بخط عربي: هروب مستحيل. شدني إليه، لذا اقتنيته بكل شغف، وسرت بخطوات خفيفة أخشى إزعاج الكتب.

جلست القرفصاء في زاوية المكتبة، فتحت الكتاب وبدأت أسعل بقوة بسبب الغبار الكثيف عليه. نظفته وفتحت الصفحة الأولى، مكتوب عليها:

"دائمًا ما كان طريقي هو الهرب وعدم المواجهة؛ لأن العدو كان الموت بعينه."

استغربت من كلامه، من هو العدو؟

قلبت الصفحة التالية:

"نحن البشر ضعفاء، لذا الهروب هو أسهل طريق لنا."

لمعت عيناي، وبدأت أنغمس بين السطور. قلبت الورقة، وهنا اشتعل الأدرينالين في جسدي، فقد كان مكتوبًا:

"إن كنت غير مستعد لقراءة هذا الكتاب، فلا أنصحك بإكماله. يجب أن تتحلى بالشجاعة الكافية لتتحمله، لذا أغلقه وأعده إلى مكانه، ولا تكن عنيدًا."

أكملت قراءة الكتاب. كان يتحدث عن شخص سُجن بسبب تورطه بجريمة قتل، وهذا الذي جعله مضطرًا للتخلي عن عائلته. كان يقصد بالعدو نفسه؛ كان يحاول الهروب من خبثه، من شره الذي جعله يلطخ يده بالدماء.

بعد مرور السنوات، قرر وأخيرًا الهرب؛ لأنه لم يعد يتحمل، واشتاق إلى أسرته. لكن الصدمة كانت عندما طرق منزل زوجته، ففتح له رجل غريب الباب، إذ صُدم بأن زوجته، بعد دخوله للسجن، تزوجت لأنها لم تعد تتحمل تربية الأبناء وحدها.

عاد أدراجه خائب الأمل، أعماه الغضب، فباشر بالقتل وأصبح أشهر قاتل متسلسل في بلده.

أغلقت الكتاب بقوة، أستعيد مجرى تنفسي. كان الكاتب محقًا، يحمل هذا الكتاب مجموعة من الجمل المشحونة والثقيلة بالمشاعر.

نهضت، أنفض ثوبي، أعدت الكتاب لمكانه، وسرت أهِمُّ للخروج من المكتبة. كنت منغمسة في أفكاري حتى قاطعني صوت ركان:

_ مالذي تفكرين به أيتها الفضولية؟

_ لا شيء، متى نسبت لي هذا الاسم؟ قلت باستغراب.

_ منذ أن كنت تقرئين الكتب بنهم لتشبعي فضولك. قالها مبتسمًا.

_ حسنًا، ماذا عن تلك الخطة؟

_ أي خطة؟

_ أنسيت؟ ألم نقرر الهرب معًا؟

_ آه، لقد تذكرت الآن. أطلق نفسًا متنهّدًا وأكمل:

حسنًا، لقد دبرت الأمر. أولًا سنهرب بعد يومين. ستدعين بأنك على فراش الموت، سيبقى الأطباء منشغلين بك، وأنا سأذهب لغرفة الحارس، سأقول له بأن هناك حريقًا مشتعلًا، وهو سيهم بالخروج مسرعًا. سأخذ مفاتيح البوابة الخارجية، وبعد أن تصل سيارة الإسعاف سأفتح لك باب السيارة، وسنفتح الباب الخارجي، ثم سنركض بأقصى سرعة.

_ أووه، تبدو فكرة جيدة، لكن يجب أن نحرص على أن تتم كما هي. قلت بحماس.

_ حسنًا، إذن حاولي التدرب لكي تقنعيهم حقًا بأنك تموتين.

_ حسنًا، أنا موهوبة. غمزت له في آخر الكلام.

_ إذن حان موعد العودة للغرف. نلتقي بعد يومين.

أدار ظهره وغادر.

قلت له بصوت مرتفع لكي يسمعني:

_ شكرًا لك يا ركان.

لوّح بيديه، وسار حتى اختفى ظله.

بعد يومين...

كان المستشفى هادئًا على غير عادته. صوت الصفير في الممرات المتهالكة كأنه مشهد من فيلم رعب، وضوء أحمر باهت يزيد من وحشة المكان. أما صوت دقات الساعة في الأرجاء، فكأنه عدّاد للموتى.

تجلس أمل على السرير، تحاول أن تبدو هادئة على ماتشعر به . فهذا اليوم مميز بالنسبة لها؛ وأخيرًا ستلتقي بوالدها ومازن، لكنها خائفة من فشل الخطة.

~أنس~

ـ السلام عليكم ورحمة الله، خبر عاجل: قصف عنيف استهدف عائلة بأكملها. الاحتلال الإسرائيلي أصبح أكثر عنفًا، وبدأ بإبادة الفلسطينيين. يُرجى البقاء في منازلكم، وسنوافيكم بالأخبار.

تنهد أنس بتعب، وسار يجر رجليه بجهد، كأنه مربوط بسلاسل حديدية. توجه نحو صخرة ليجلس عليها، لعل تعبه يخف.

في الفترة الأخيرة أصبح يعاني من الأرق بسبب تفكيره بالأحداث الأخيرة. عدد الشهداء والجرحى أصبح مرتفعًا بشكل مخيف، وأخيرًا ابنته أمل، التي لا يعلم حالها، لكنه متأكد أنه في نهاية الأسبوع سيعود لأخذها.

أما مازن، فهو يمكث عند نرجس، فعند انتهائه من عمله يذهب ليأخذه.

أطلق زفيرًا مثقلًا بالمشاعر المتخبطة.

أفرك يديَّ بعنف، والعرق يتصبب على جبيني، أما دقات قلبي فكادت تخترق قفصي الصدري من شدة جنونها. جلست على السرير أستعد للحظة الحاسمة، ثم غسلت وجهي بصابونٍ حجري، وتمددت على السرير.

صرخت:

أرجوكم... إني أختنق! رجاءً، ساعدوني!

دلف بعض الممرضين لتفقد حالي، وسألتني إحدى الممرضات بنبرة يشوبها القلق:

أمل، ما بك؟

قلت بتلعثم:

إني... لا أ... أتنفس.

سارعت الطبيبة إلى الاتصال بالإسعاف.

ابتسمت في داخلي... لقد نجحت الخطة، حتى إني كدت أصدق أنها حقيقية.

عادت الطبيبة، فأخذت أُغلق عيني شيئًا فشيئًا، وزدت من سرعة أنفاسي، وضربت يدي على صدري، بينما كانت تحاول إيقافي وهي تصرخ:

أمل! أبقي عينيك مفتوحتين، إياك أن تغلقيهما!

في تلك اللحظة الخاطفة، أمسكت بمفتاح الغرفة بخفة، وأغلقت عليه قبضتي بقوة حتى كدت أجرح يدي، ثم أخفيته في جيب سروالي.

لم تلاحظ ذلك؛ فقد كانت مذعورة. ألقيت نظرة سريعة حول الغرفة، فرأيت الطبيبة والممرضتين يبدون في غاية القلق، ينتظرون وصول سيارة الإسعاف بفارغ الصبر.

~ركان~

اختبأت بين الأشجار الكثيفة، أنتظر اللحظة المناسبة. اليوم لم أعد إلى غرفتي، ولحسن الحظ لم يلاحظوا غيابي عند موعد إغلاق الأبواب، لأنني ببساطة وضعت الوسادة تحت الغطاء لتبدو كأنها أنا.

والآن، أنا مختبئ، أنتظر سماع صوت سيارة الإسعاف لأتوجه إلى الحارس.

بعد دقائق، دوى صوتها أخيرًا، فانطلقت بأقصى سرعة نحو غرفة الحارس. وقفت متكئًا على إطار الباب وأنا ألهث بشدة، وكأن أنفاسي تتصارع للخروج من صدري، ثم قلت بصوت مرتجف:

هناك حريق عند الواجهة! أرجوك، اذهب وتفقد ما يحدث!

أسرع الحارس إلى الخارج.

ابتسمت ساخرًا في داخلي. يا له من مغفل.

دخلت بسرعة أبحث في الخزائن وفوق المكتب، لكنني لم أجد شيئًا... حتى لمحته أخيرًا، معلقًا خلف صورة مثبتة على الحائط.

جررت الكرسي ووضعته أسفل الصورة، ثم صعدت فوقه ومددت يدي نحو المفتاح، لكنني لم أصل إليه.

كيف يضع المفتاح هنا، هذا الأحمق؟

كان العرق يتصبب مني، وكأنه يذكرني بأن الحارس قد يعود في أي لحظة. لم يكن أمامي سوى المحاولة مجددًا؛ فلا يمكنني أن أيأس وأخذل أمل.

قفزت من فوق الكرسي، واتجهت إلى مجموعة من الكتب، حملتها ووضعتها فوقه، ثم صعدت عليها.

وأخيرًا... أمسكت بالمفاتيح.

لكن، في اللحظة نفسها، سمعت خطوات الحارس تقترب.

أعدت الكرسي والكتب إلى مكانهما بسرعة، ثم أخذت أجول بعيني باحثًا عن مكان أختبئ فيه. كانت خطواته تزداد قربًا، ويداي ترتجفان بجنون من شدة التوتر.

لمحت خزانة، فاتجهت إليها بحذر، وفتحت بابها ببطء، ثم دخلت إليها. كان الظلام يبتلعني، ولم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي.

تناهى إلى مسامعي صوت الحارس، وقد امتلأ غضبًا:

ذاك الولد الخبيث... يا له من كاذب!

ابتسمت بخفة وقلت في نفسي: وأنت... يا لك من أحمق.

مرت الدقائق وأنا ما أزال ثابتًا في مكاني. أردت الخروج، لكنني لم أعرف كيف.

أسندت ظهري إلى الخزانة لأريح جسدي، لكن قدمي داست على مسمار، فأصدر صوتًا خافتًا.

انتبه الحارس إليه، وبدأ يقترب ليتحقق من مصدره.

قضمت أظافري بعنف، وأخذت أدعو الله في سري ألا يفتح الباب.

كانت خطواته تقترب... وكأنها تقترب من موتٍ محتمل.

ضاقت أنفاسي، وارتفعت حرارة جسدي بسبب ضيق المكان وضيق صدري.

وفي تلك اللحظة، قطع التوتر صوت الطبيبة وهي تنادي الحارس ليذهب معها.

حمدت الله، وانتظرت حتى ابتعدت خطواتهما، ثم خرجت من الخزانة، التقطت أنفاسي، وانطلقت راكضًا بأقصى سرعة نحو أمل.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

وصل الإسعاف، فاقتحموا غرفتي بسرعة وحملوني وصولًا إلى سيارة الإسعاف. كنت قلقة على ركان، هل هو بخير؟ وهل نجح في ذلك؟ أم أنهم اكتشفوا الحيلة وقبضوا عليه؟ كانت الأسئلة تكاد تفجر رأسي، وأصابني صداع حاد من شدة التفكير. أحاول جاهدة إكمال التمثيل، ولوهلة اقتنعت بأنني ممثلة بارعة.

وصلوا بي إلى سيارة الإسعاف، وبدأوا بطرح أسئلة سريعة كادت تتسبب في اختناقي، لكنني لم أجب عنها، كنت أنتظر ركان.

أغلقوا باب سيارة الإسعاف، وبقيت وحدي هناك، ممدة وملتصقة بي بعض الأسلاك، كلعنة معلقة بجسدي. أنفاسي تتسارع كأنني كنت في سباق لا ينتهي. أغلقت عيني بقوة، وتمنيت وصول ركان في أية لحظة.

بدأت السيارة تتحرك، حتى سمعت صوت فتح الباب. أحدق فيه منتظرة رؤية من يحاول فتحه بجرأة، حتى تفاجأت بوجوده. لقد كان ركان هناك، ينظر إلي بصدمة، وكأنه يتساءل كيف أقنعتهم بكل ذلك، لكنه رمش، وأعاد نفسه إلى الواقع، وقال لي بهمس:

ـ أمل، هيا بسرعة، الحارس يركض ورائي ليقبض علي. لقد علم ما اقترفته.

أزلت تلك الأسلاك عن جسدي، وظل أثرها كندوب تذكرني بالجريمة التي قمت بها. ساعدني ركان على فعل ذلك، وكنت أسرع باقتلاعها، بينما يداي ترتعشان كأنهما ترفضان ذلك.

قال ركان بصوت حازم: ـ أمل، السيارة تنطلق. حينما أعد إلى ثلاثة سنقفز.

أومأت له برأسي، وحين عد إلى الثلاثة أمسك بيدي بقوة، وقفزنا.

ارتطم جسدي بقوة بالأرض. فتحت عيني لأنظر إلى ركان، الذي كان مستعدًا. نفض ثوبه، وبعض الجروح زينت وجهه ويديه، لكنه لم يعرها اهتمامًا، كأن نزيف قلبه يكفيه.

نهضت بدوري أنفض ثيابي، ثم لمست جرح يدي، فتحسسته، كان ينزف بقوة، كأنه يلومني على ذلك. لمست جبهتي، فوجدت خدشًا وبعض الدماء الملتصقة عليها.

أعادني ركان إلى الواقع البائس وهو يقول: ـ أمل، هيا لنركض نحو الحديقة لنختبئ حتى نضلل الحارس.

ـ حسنًا، هيا بنا.

ركضنا بأقصى سرعتنا، ودخلنا بين الأشجار والنباتات التي دست عليها، فاعتذرت لها في نفسي، وواصلنا الجري.

كانت هناك شجرة كبيرة.

ـ هيا يا أمل، لنختبئ وراءها.

وبالفعل اختبأنا، وغطت الشجرة جسدينا، كأنها تساعدنا على النجاة.

كنت أنظر إلى ركان، وكيف كانت جميع حواسه مشتعلة، تتأهب للخطر.

سمعنا صوت خطوات الحارس تقترب، وهو يقول: ـ لن تفلت مني أيها الفتى، سأجدك أينما كنت.

أخرجت رأسي من خلف الشجرة، فوجدته يبتسم ابتسامة مرعبة، كأنه يتوعدنا بالموت.

جرني ركان من ثوبي وهو يقول بغضب:

ـ هل أنت حمقاء؟ ماذا لو رآك؟

قلت:

ـ ركان، أظن أنه يجب أن نركض باتجاه البوابة، لأنها قريبة من هنا. إن واصلنا الاختباء سيمسك بنا.

لم يرد علي من فوره، كان يفكر فيما قلته، فقد ظهرت تضييقة صغيرة بين حاجبيه، ثم تمتم:

ـ حسنًا.

قلت بصراخ:

ـ واحد... اثنان... ثلاثة... هيا!

ركضنا بسرعة، فانتبه لنا الحارس، وسارع بالركض وراءنا وهو يقول بغضب: ـ أيها الشقيان، سأمسك بكما!

في تلك اللحظة زادت سرعتنا، وتحركت الرياح تزيد من دفعنا، كأنها متفقة معنا على ما نقوم به.

رجلاي تؤلمانني بقوة، والدماء تلطخ ركبتي بسبب الأشواك والأغصان.

زادت سرعة ركان، فقلت له:

ـ انتظرني يا ركان!

رد بالنبرة نفسها:

ـ أمل، يجب أن أصل إلى البوابة قبلك، لأنني أنا من أمتلك المفاتيح.

أركض بكل قواي، رغم الألم الذي يعتصرني وصعوبة تنفسي، إلا أنني كنت أنظر نحو الهدف... البوابة.

لقد اقتربنا بما فيه الكفاية. تدفق الأدرينالين في جسمي كالسد الذي جاءت عاصفة لتحطمه، فانطلق بقوة، كأنه تحرر.

قلت بنبرة يشوبها الحماس: ـ اقتربنا من الهدف!

ابتسم ركان وضحك على قولي، كأنني زدت من حماسه.

لكن في تلك اللحظة سقطت بقوة على الأرض بسبب جذع شجرة قطع طريقي. ارتطمت بالأرض بعنف،

وكل خلية في جسمي كانت تحترق.

قررت الاستسلام.

بدأ جفناي يثقلان، وارتخت عيناي استعدادًا لإغلاقهما.

كان صوت الحارس يقترب.

انتبه لي ركان، فعاد بخطواته نحوي قبل وصول الحارس، وصرخ في وجهي:

ـ أمل، أرجوك استيقظي! لا يمكننا الوقوف هنا.

فتحت عيني بثقل، ورأيت على وجهه القلق والذعر.

كورت قبضتي، واتكأت بها على الأرض الصلبة، فازدادت جروحي وآلامي.

اتكأت على ركان، أضع ثقل جسدي عليه، فأمسك بي وركضنا سويًا، كفريق لا يمكن هزيمته.

اقترب صوت الحارس.

أدرت رأسي، فكان قريبًا منا.

وصلنا إلى البوابة.

بدأ ركان يجرب المفاتيح، لكنها لم تفتح.

المشكلة أن خطوات الحارس كانت تقترب، ومعها ترتفع دقات قلبي، وانقبضت معدتي.

قلت له برجاء:

ـ أرجوك يا ركان، أسرع، إنه يقترب كثيرًا.

وبالفعل صار قريبًا منا، وهو يقول بصوت كفحيح الأفعى:

ـ أنا أقترب... سوف أمسك بكما.

أدرنا رأسينا، فوجدناه قريبًا جدًا.

وفي تلك الأثناء، ومع المفتاح الأخير، سمعنا صوت طقطقة، وانفتح الباب.

نظرنا إلى بعضنا، وابتسمنا بانتصار.

أما وجه الحارس، فأصبح متهجمًا، وانطلق نحونا كحيوان مفترس يسعى وراء فريسته.

تشبثنا ببعضنا، وركضنا بأقصى سرعتنا متوجهين نحو الغابة.

قال ركان:

ـ هيا يا أمل، اركضي بسرعة! الحارس يتصل بأشخاص، ربما ممرضين أو حراس آخرين، ليقبضوا علينا.

تنفست بقوة، كأنني أستعد لمعركة لا يمكن خسارتها، وانطلقنا، نسمع صراخهم وراءنا، بينما نرفع وتيرة سرعتنا. اتحدنا معًا، وكأن قوتنا تكفي لهزيمة الأعداء.

ابتعدنا عنهم بما يكفي.

أخرجت هواءً كتمته منذ مدة، وقلت بصوت مرتجف: ـ ابتعدنا بما فيه الكفاية يا ركان، دعنا نستريح قليلًا.

قال:

ـ حسنًا، لنسترح قليلًا، ثم نكمل ما بدأناه.

اتكأنا على شجرة ضخمة لنستعيد قوتنا.

باغته بسؤالي:

ـ ركان، عند وصولنا إلى المدينة، ماذا ستفعل؟

نظر إلي، كأنه يفكر في جواب منطقي، وقال:

ـ لا أعلم... سأحاول النجاة.

انقبضت ملامحي، كأنه لمس وترًا حساسًا بداخلي.

ثم قال لي بحذر، كأنه يخشى جوابي:

ـ وأنت؟

قلت:

ـ سأذهب عند والدي وأخي.

قال:

ـ جيد.

ـ ما الجيد؟

ـ أنك ما زلت تملكين عائلة.

قلت بصوت خافت:

ـ وأنت... أين عائلتك؟

نظر إلي مطولًا، كأنه لا يريد كشف ضعفه، وقال بانكسار:

ـ في الحرب يا أمل، يجب أن تتعلمي أن تبقي وحيدة، وإلا ستفقدي نفسك.

لمست الصدق في جوابه. لقد كان يقصد أن عائلته فُقدت في الحرب، وأنه يجب أن يتعلم البقاء وحيدًا، لأنك ستفقد أشياء قد تجعلك تفقد روحك.

أردت تغيير الجو المشحون، فقلت بحماس: ـ ماذا عن حلمك؟

قال: ـ وهل في الحرب تظل الأحلام، بينما الرماد يحرقها؟

لم أجبه، وبدا اليأس يملأ المكان.

قلت له بغضب: ـ ركان، يجب أن تتحلى بالأمل.

قال: ـ فقدت الأمل حينما فقدت عائلتي.

تأملت ملامحه، وكيف قالها، ولمعة الكسر في عينيه تحكي كل ما مر به، وكيف انكمش وجهه، كأنه تذكر شيئًا جعله ممزقًا من الداخل.

وقفت من مكاني، فأيقظه ذلك من شروده، وقلت له:

ـ حلمي أن أصبح كاتبة يا ركان. يجب أن نتحلى بشعلة الأمل داخلنا، ولن يتخلى عنا الرب، تذكر ذلك.

ابتسم ابتسامة جانبية، ونطق بهمس:

ـ لهذا أسموك أمل.

قلت بابتسامة: ـ إذًا هيا، لنكمل سيرنا نحو المدينة، فقد اقتربنا.

حلَّ الليل مع وصولنا للمدينة، لكن انصدمنا من هول ما شاهدناه. فقد كانت مدينتي في حالة من الفوضى؛

النيران المشتعلة تحرق السماء وهي تطلب العفو، وكومة من السيارات مجتمعة في مكان واحد، كأنهم اتفقوا على وجهة واحدة. الدخان الكثيف يزيد من اختناقي.

لم تكن مدينتي كما عهدتها سابقًا، مختلفة بشكل مؤلم، كأنها قررت أن تنهار دفعة واحدة.

التفتُّ لركان، كان متسمّرًا مثلي، كأنه يستوعب حقيقة أننا جئنا للموت بأنفسنا. وهنا تذكرت كلمات الكتاب: هل الهروب نجاة أم موت؟

كسرتُ صدمتنا بقولي:

"ركان، هيا. نحن الآن سندخل لحرب لا يمكننا الخسارة فيها، فهل أنت مستعد؟"

اشتعلت عيناه بإصرار وعزم، ونطق:

"بالطبع يا أمل."

أمسكنا بأيدي بعض، وكأننا نتشبث بحبل نجاة، وركضنا نحو المجهول.

كان ركان وأمل يركضان بآخر ما تبقى من طاقتهما، يتفاديان النيران المشتعلة وأصوات القذائف التي تُطلق بعشوائية. يمران بمنازل محطمة.

كانت تتساءل في نفسها: هل أبي ومازن بخير؟ هل منزلنا ما زال سليمًا؟

القلق أنهش قلبها، لذا طلبت من ركان التوقف والاختباء في منزل هُدم بسبب الصواريخ. اتكأت على جدار، تمسح على موضع قلبها وتهدئ أنفاسها الثائرة.

أما ركان، فنظر لها بحسرة على حالهما، وجلس

بجانبها وقال بتأسف:

"أمل، أعلم أن الأحوال تغيرت، لذا يجب علينا تقبل الأمر. سنبيت هنا الليلة، فالمكان آمن هنا، وفي الصباح سننطلق لنعثر على شيء نسد به جوعنا."

أومأت أمل، وخرجت كلماتها بصعوبة وهي تقول:

"حسنًا ركان، أتمنى أن تمر هذه الليلة على خير."

رتبا مكان نومهما، وحقيقة أنه لم يكن شيئًا سوى قماش يفرشونه على الأرض الصلبة. توجها نحو الخارج، يشاهدان السماء تشتعل باللون الأحمر، كلون الشهداء.

"برأيك يا ركان، هل سنصمد حتى يأتي الفرج؟"

"بالطبع يا أمل. تذكري أننا أقوياء، ولن يكسرنا شيء."

"شكرًا لك يا ركان، أشعر بأنني ضعيفة جدًا."

قال، ولمعة الأمل في كلامه:

"تذكري يا أمل، أننا رغم ضعفنا وهشاشتنا، إلا أننا أقوياء من الداخل. من الطبيعي أن تشعري بالضعف أحيانًا، إلا أن الرب يقوينا."

كان وقع كلمات ركان عليَّ كبلسم على جرح. إنه يتحدث مثل أبي تمامًا.

في الصباح...

هذه المرة استيقظنا على صوت القصف الذي دمر طبلة أذننا، ورائحة الدخان التي تسللت إلى أنوفنا، التي لا تطلب الإذن.

انطلقنا نبحث عن أماكن لتوزيع الطعام. كنا نسير بحذر فوق الركام، لمحنا صفًا طويلًا، فورًا علمنا أنه المكان الصحيح.

قصدنا المكان فورًا، وبعد مدة وجيزة وصلنا. حشد من الناس يتقاتلون على الأكل، خائفين أن ينفد، فالأكل أصبح قليلًا في غزة.

سألت ركان بقلق:

"ماذا سنفعل يا ركان؟"

انتبه لي، فقد كان منغمسًا في أفكاره. ذهب ليأخذ صحنين، ثم قال:

"خذي هذا. سنحاول أن نتسلل بين هذا الحشد الكبير ونأخذ لقمتنا."

أومأت له. دخلنا بين الناس، نحاول الوصول للرجل الذي يوزع الطعام.

الناس يضغطون على جسمي النحيل، يسببون الألم لي. آخر يضغط على رجلي، فأصرخ بألم:

"هيه! انظر أمامك!"

لم يعرني الرجل اهتمامًا، أما فتاة تكبرني بأعوام، فأمسكت بي وأسقطتني أرضًا. خدشت يداي، وبدأت تتشكل بضع قطرات الدم عليهما.

بدأ الناس يمرون من فوقي، ويزيد ضغطهم على رجليَّ، وأنا أصرخ من الألم، لكن لا أحد اهتم لصراخي.

امتدت يد أمامي، فأمسكت بها لأجد ركان. ابتسمت له في شكر، ونهضت أنفض ملابسي.

تملصنا مجددًا، نتجاوزهم. صراخ الناس أرعبني.

كانت سيدة عجوز تصرخ في رجاء:

"أرجوكم، ابنتي لم تأكل منذ أسبوع، إنها مريضة!"

حزنت من أجلها، فتوجهت لها مباشرة، أقول لها بمواساة:

"لا تحزني أيتها الجدة. سأساعدك. سأخذ صحنك وأجلبه لك، انتظريني عند تلك الشجرة."

شكرتني وعانقتني، وكم كنت محتاجة لذاك العناق.

لحقت بركان، وأخيرًا جاء دورنا. أعطينا لذاك الرجل الصحون. كان متعبًا، وجهه يقطر عرقًا وملامحه ذابلة. كأن الفقد قد أنهك روحه، لكنه استمر في مساعدة الناس.

أكمل ملء الصحون. شكرناه وخرجنا من هناك أخيرًا.

"ركان، سنذهب إلى تلك الشجرة لأعطي تلك الجدة صحنها."

أومأ لي وقال:

"أصبح الحصول على الأكل أمرًا صعبًا."

"نعم، أتمنى ألا يزداد الأمر سوءًا."

وصلنا هناك، وأعطيت للعجوز صحنها. تكلمت بأسى:

"كان لدي ثلاث فتيات كالقمر، لكن جاءت الحرب فأفسدت راحتنا وفرقت شمل عائلتنا. فالأولى ذهبت لتبحث لنا عن الأكل، ولم تعد، حتى وصل لنا جثمانها."

كانت آخر كلماتها تنطقها بصعوبة. تسللت دمعة من عينيها، فسارعت بمسحها.

"أما الثانية، فقُصفت في المنزل. نحن نجونا وهي لا..."

انفجرت دموعها كبركان. أمسكت بفمها تكتم شهقاتها. طبطبت عليها، هدأت وأكملت:

"أما البنت الصغرى، فقضى عليها الجوع، والآن هي مريضة. شكرًا لك لمساعدتي."

ابتسمت لها وقلت:

"وأنتِ، ألا تأكلين؟"

فأجابتني:

"تكفي أن تأكل ابنتي."

"لا يمكن يا جدة، يجب أن تأكلي لترعيها. هيا، لنتقاسم أكلي."

عارضت، فأصررت. قسمت الخبزة لنصفين، وأكلنا الأرز، وكذلك ركان فعل. كان يبدو متأسفًا لحالها.

تجرعت المياه، أسقي حلقي. شكرتنا العجوز من جديد، وأكملنا سيرنا.

حزنت لحال المرأة. للأسف، هكذا هي الأم الفلسطينية؛ تعاني طيلة حياتها، تخاف فقدان أطفالها، وتضحي من أجل سعادتهم. فهي رمز للقوة.

وافقت ركان لحديثه الحكيم:

"أمل، هيا لنسرع. أسمع صوت القصف يقترب في اتجاهنا."

وبالفعل، ركضنا نحاول الابتعاد، لكن فجأة دوى صوت قصف عنيف.

صرخ ركان برعب:

"أمل، سنفترق! اذهبي من هذا الاتجاه، وأنا سأذهب من هنا."

"لكن..."

"أرجوك يا أمل، استمعي لكلامي. هيا بسرعة، إنهم يستهدفوننا."

"حسنًا، لكن هل سنلتقي؟"

"بالطبع يا أمل. حتى وإن افترقنا، سنلتقي. كوني حذرة وحاولي البقاء على قيد الحياة."

"حسنًا، وأنت أيضًا."

نظرنا لبعضنا للمرة الأخيرة، وافترقنا.

ركضت في ذاك الاتجاه، تهللت دموعي، فأزلتها بطرف قميصي لكي لا تعيق عليَّ الرؤية.

همست في نفسي:

"حاول أن تكون بخير يا ركان."

شيء ما انكسر في قلبي. كأن الحياة تعاندني لتريني أبشع وأقبح ما لديها.

انتبهت لتلك الدبابة التي ما زالت تستهدفني، فضاعفت سرعتي. أطلقت الدبابة قذيفتها نحوي، فالتفت لأرى الدخان يتصاعد خلفي.

خفت، فتعثرت قدمي وأُصبت في ركبتي. بدأ الدم يسيل، لكنني نهضت وأكملت الركض، بحثًا عن مكان آمن.

أبصرت سيارة، فزدت من سرعتي. وصلت لها واختبأت فيها، ودعوت في سري ألا أنكشف.

لكن بعد مرور ثوانٍ، تعالت الضربات نحو السيارة.

تناثر الزجاج حولي، فأصاب وجهي لتسيل الدماء على وجهي وتمتزج بدموعي.

اختبأت جيدًا، والجيش الإسرائيلي ما زال يقذف الرصاصات.

لكن فجأة فتحت عيني على مصراعيهما...

لأرى نفسي في بركة من الدماء.

إنتهى 🥳

أعتذر عن تأخري لنشر الفصل

3167 كلمة 😁

رأيكم ؟

الأحداث ؟

أمل ؟

ركان ؟

أنس ؟

نهاية الفصل 😭؟

مشهد إفتراقهم ؟

أتمنى أن تستمتعوا ❤

لا تنسو الدعاء لأهلنا في غزة وجميع إخواننا المستضعفين 🥺

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين الركام

المؤلف PenOFtuiTch@
2025/09/30 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة