"يرحلون ويتركونا نعاني في صمت..."
أيقظتني حركة أمي بجانبي، فتحت عيناي فوجدتها تستعد للذهاب للمطبخ. ابتسمت لي وأردفت:
ـ أمل، عودي للنوم، مازال الوقت مبكرًا.
همهمت لها وعدت للنوم مجددًا. تسلل ضوء خافت من النافذة يدل على يوم جديد، مددت يداي أتفوه أتخلص من الكسل. خرجت من الغرفة وأنا أشعر بحماس غريب.
اتجهت لغرفة مازن فكان يغط في نوم عميق، ذهبت للمطبخ لكنه كان فارغًا. استغربت، لأني ظننت أن أمي هنا. قصدت أبي هذه المرة، فكان نائمًا في فوضوية كأن التعب نال منه.
عدت أدراجي محبطة، لكن استوقفني صوت أبي:
ـ أمل، استيقظت مبكرًا؟ قالها بصوت ناعس.
ـ نعم، أين أمي؟
ـ ذهبت لشراء بعض الأغراض الناقصة في المطبخ.
ـ لماذا لم توقظني للذهاب معها؟ نطقت بصوت غاضب.
ـ كنتِ غارقة في نومك، فلم ترد إزعاجك، فهي تعلم بحبك للنوم. غمز لي في آخر كلامه.
قهقهت على كلامه. اعتدل في جلسته وأردف:
ـ ستغلق المدارس يا أمل، لهذا يجب عليك الدراسة في المنزل.
ـ بالطبع يا أبي.
ابتسم برضى، وأعلمته أني سأدرس قليلًا قبل عودة أمي لمساعدتها.
دلفت لغرفتي وجلست على المكتب أتفحص كتبي وأحل المعادلات التي أنهكت عقلي.
سمعت طرقات خفيفة تدل على أيدٍ صغيرة تختبئ خلف الباب، فعلمت أنه مازن.
ـ صباح الخير أمل.
ـ صباح الخير.
ـ أمل، هل بإمكاني البقاء معك؟ أقسم أني لن أزعجك، سأرسم بينما أنتِ تدرسين.
ـ حسنًا مازن، لا توجد مشكلة.
لازمني طوال مدة دراستي، وكان منغمسًا في الرسم، فهو فنان موهوب. كنا مختلفين جدًا: فأنا أكتب المشاعر، وهو يرسمها.
انتهيت وأخيرًا، لكن أمي لم تعد إلى الآن. بدأ القلق يصيبني. نظرت إلى مازن، فكان غارقًا في عالمه. انتبه إلي وقال:
ـ تأخرت أمي أليس كذلك؟
ـ نعم بالفعل.
حتى وصل إلى مسامعنا صوت طرقات قوية على الباب. اتجهنا مسرعين، فوجدنا أبي متصنمًا في مكانه. اقتربت كي تتضح لي الرؤية من الطارق، فوجدت الشرطة، وعلمت أن هناك شيئًا لا يبشر بالخير.
سألت الشرطة عما حصل؟ فأجابني:
ـ يجب أن أصطحبكم كي أتأكد من هوية المرأة التي قُصفت، لأنها الآن تحت الأنقاض.
صوت طنين حاد أصابني، رجفة علت جسمي كادت تفقدني الوعي. أنفاس صاخبة تخرج في غضب مكبوت، وعيون دامعة تشوش الرؤية علي. فقلت بصوت مخنوق:
ـ ه..ل فعلها الاحتلال؟ هل دمّر عائلتي؟ هل يجب علينا أن نعيش دائمًا في خوف؟ هل يجب أن نفقد ما نحب؟
أخي شهقاته تتعالى شيئًا فشيئًا. حاولت تهدئته لكني كنت أكثر من يحتاج لطمأنينة. ركبنا سيارة الشرطة، كأن الزمن يعيد نفسه... يوم حادث مازن، كان قدرنا مكتوبًا بالفعل.
وصلنا. قلبي كأنه سيخرج من مكانه من هول ما رأيت: أمي تحت الأنقاض، ملابسها غارقة في دمائها، أما الأغراض التي اشترتها فمنتشرة من حولها في فوضوية.
كل شيء تحطم في تلك اللحظة، كل الآمال، كل الأحلام. أبعد الركام عنها في هستيرية، يداي تنزفان من قوة الاحتكاك. يحاول أبي إبعادي كي لا أؤذي نفسي أكثر، لكني كنت منتشية.
بدأ المسعفون يساعدونني، والمكان في فوضى. صوت القصف مازال مستمرًا، الناس في حالة من الرعب، أصوات القذائف تزيد من اختناقي. لكني كنت في عالمي الخاص، حتى نطقت أمي بصوت خافت:
ـ أم..ل، ح..بيبتي، أنا أحبك. لا تقلقي من أجلي، إن مت سأموت شهيدة. اعتني بنفسك وأخيك، وأبوك سيكون لكما الدرع والسند. امضي قدمًا وحققي حلمك.
أمل، أوصي لصغيري حبي له، قبّليه، وقولي له إنها قبلة أمك الأخيرة . كوني له الأمل والقوة. وبأنفاس خافتة أكثر من ذي قبل أردفت
:
ـ ممكن أن أفقد روحي، لكني سأظل داعمة لك... مع السلامة عزيزتي... أحبك يا ابنتي.
وأغلقت عيناها. حاولت مداركة الأمر، أصفع جبينها:
ـ أمي... أرجوكِ استيقظي، لا يمكنك تركي. أرجوك... هل سأظل وحيدة من جديد؟ أمي!
وكانت هذه الصرخة التي دمّرت أحبالي الصوتية، وفقدتُ الوعي.
أسير في الممر بخطى متعثرة، كأن الأرض فجأة أصبحت أثقل من روحي. عيناي محمرتان من الدموع، وجهي شاحب من شدة التعب، هالات سوداء تغرق ملامحي، شفتاي ترتجفان في استعداد لنوبة بكاء جديدة، ويداي ترتعشان؛ أقبض عليهما كي لا تزيدا من توتري. الضوء الأبيض يلسع وجهي ويزيده شحوبًا.
أتشبث بالجدار في محاولة لاستجماع أنفاسي. لباس المرضى يخبرني بالحقيقة التي أعيشها.
لمحت أبي جالسًا على الكرسي يحرك رجليه في توتر واضح. أقترب منه حتى لمح ظلي. رفع رأسه إلي ولمعت دموعه العالقة في عينيه. تصلب أمامي وتحسس وجهي بخفة، كأنه يتأكد من وجودي. قبّل رأسي بعمق واحتضنني إليه بقوة، كأنه يريد إخفاء روحي في جسده كي لا يصيبه مكروه. تعب من فقدان أسرته.
استأذنت من أبي للذهاب إلى الحمام فأومأ إلي بخفة.
أمشي بخطوات متثاقلة، أدير مقبض الباب البارد الذي جمد أوصالي. أدلف وأتنهد في ارتياح. قضيت حاجتي... أفتح الصنبور لفرك وجهي لإزالة بعض التعب. أغسل وجهي بالماء البارد لينعشني. أرفع رأسي لمشاهدة نفسي في المرآة. انصدمت... أحقًا هذه أنا؟ أين اختفت ملامحي وبراءتي؟ البريق في عيناي انطفأ.
إنها أنا، نفس الشخص التي في المرآة. أسحق أسناني في غضب وصوت همسات في أذني كادت تصيبني بالجنون:
"أنت فاشلة، أكرهك، أنت مجرد شخص بائس، متهورة، طائشة، تفقدين ما تحبين، لأنك ببساطة لا تجيدين الاحتفاظ بممتلكاتك... أنت... أنت أمقتك."
صوت الهمهمات يصيبني بالصداع. أضرب رأسي بجنون لإسكات الضوضاء، لكنني ما زلت أسمعه. أكوّر قبضة يدي في غضب وأكسر زجاج المرآة بعنف مرة تليها الأخرى. أقبض على أسناني وأجلد نفسي مرة أخرى:
"أتعلمين؟ أنا أمركِ، أتسمعينني؟"
والدموع تنهمر على وجنتاي كطائر جارح وجد أخيرًا حريته. قطرات الدم تسقط على الأرض وتزيد من اختناقي... ماذا؟ الدم... أشاهد الدم على يدي. لا... لا... الدم... لا أحبه مجددًا.
جسمي ينتفض كأنه أصابته حمى. أفقد توازني. دوار شديد. معدتي تنقلب... وأتقيأ. الدم! أشعر بالغثيان، ومعدتي لا تتوقف. أشعر بالقرف. لدي رهبة من الدم منذ حادث رغدة، ودائمًا حينما يتعلق الأمر به تنقلب معدتي وأصاب بالغثيان وأتقيأ. أكره هذه الحالة كثيرًا.
أغمض عيني بثقل... وصوت اصطدام قوي بالباب. أحاول فتح عيني لأميز... إنه أبي. جفف دموعي بيديه الرطبتين ويحدثني في لهفة:
— أمل، عزيزتي، ما بك؟
— لا شيء أبي، قلتها بارتجاف.
رفعني إلى حضنه واتجه بي إلى الممرضة من جديد .
أترك جسدي ينهار فوق المقعد الخشبي، والطبيبة تُضمّد جراحي التي أصبحت رفيقتي منذ الحين. لمساتها الخفيفة على جلدي تصيبني بالقشعريرة.
أبي ينظر إليّ بنظرات لم أعرف معناها. أتهرب بعيناي من التوتر، وكنت أتمنى ألا تنهي الممرضة عملها، لأني لست مستعدة لمواجهته.
انتهت وابتسمت لي، وهلمت بالخروج .
أبي يخترقني كسيف حاد، يجمع يديه لصدره بحزم، وتبرز عضلاته. ينطق بصرامة:
ــ أمل، ماذا فعلتي؟
أجبته بالصمت، فليس لديه عذر لتقديمه. أخفضت وجهي من الحرج، اقترب مني، وبعد عدة لحظات أردفت:
ــ أبي، أنا ضعيفة، مهما حاولت تصنع القوة، إلا أني هشة من الداخل وسهلة الإنكسار.
ــ أميرتي، وحيدتي، نحن لا نتصنع القوة، فالألم جزء منا. مهما حاولنا التخلص منه إلا أنه سيظل كالوشم الملاصق بنا ، لا يمكن محوه، سنتعايش معه وسنتقبله.
ــ كيف لي أن أتقبل الألم، وهو يخترقني كسم قاتل؟
ــ الألم يا وحيدتي يمكن التعامل معه، لكنه سيظل كالندوب التي لا يمكن التخلص منها، تذكرنا بآلامنا وأحزاننا. لكنه سيولد القوة والتقبل، فخلق الألم لنتعلم منه، رغم قساوته إلا أنه يوقظنا من حقيقة كنا نخشاها. ولو نظرنا للألم من بعيد لشكرنا تلك الندوب التي علمتنا الكثير.
خرجت تنهيدة مستريحة على كلامه، أحسست كأن الزهرة بدأت تتفتح، فهل ستشرق؟
ــ شكرا أبي.
ابتسمت ابتسامة حتى ظهرت أسناني.
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
الساعة 4:00 مساء
أصوات الأجهزة، رائحة المعقمات، الممر البارد يزيد من اضطراب أمل. انتصبت في وقتها تحدق بزجاج الغرفة التي تقبع فيها والدتها.
أما أنس، فعضلات جسمه مقبوضة من شدة التوتر، أعصابه تثور في غضب جامح لما عليه زوجته الآن، بينما هو هنا جالس يشاهدها في عجز. كان يحبها حبًا عميقًا، ما زال يتذكر حينما رفض أبوها تزويجها له بسبب نقص مدخوله. من حقه، فهي ابنته الوحيدة المدللة.
لكن مع ذلك لم يستسلم، وحاول إيجاد عمل يوفر له معيشته مع زوجته. توظف كعامل نظافة، وبائع للخضر، ومدرب، حتى استقر في عمله كصحفي. اتجه لخطبتها ووافق أبوها برضى، إعجابًا بمجهوده وحبه لابنته. وقبل أن يعطيه ابنته، شرط عليه أن يحافظ على جوهرته كي لا تنكسر.
ها هو ذا شريط حياته يمر أمامه كقطار سريع. أجمل لحظاته حينما أصبحت من ممتلكاته، وأقسم أن يحافظ عليها كلؤلؤة نادرة. لكنه الآن أمامها، لم يَفِ بوعده، فلؤلؤته في منطقة الخطر.
لطالما كانت مختلفة: هادئة في طباعها، ومندفعة كلما تعلق الأمر بشخص تحبه، ذكية، مرتبطة بأمل كحبة لا يمكنها الاستغناء عن جذورها، فهي ابنتها وفرحتها الكبرى. تشبهها في جمالها وطباع أبيها. ولهذا هو خائف من خسارتها، فسيفقد كلتاهما : أميرته ولؤلؤته.
ترتسم في ذهنه لحظة رؤيتها تحت الركام. يرى حبيبته قد انكسرت، مدت يديها نحوه وغمغمت في أذنه كي لا يسمعها أحد، سواهما في العالم الذي عشقاه كثيرًا.
وبصوتها الحنون:
"أنس، لؤلؤتك مازالت محافظة على جمالها. لم أنكسر، بل صرت أقوى. أعلم أن الحرب لن ترحمنا، فلهذا أنا أحبك، ولا تحزن إن فقدت روحي. حافظ على أمل ومازن، فأنا أحبهما."
لمس وجنتيها بارتعاش، ودماؤها تلتصق بأطراف أصابعه فتزيده ارتجافًا. حاول الحفاظ على ثباته كي لا يخسر توازنه. ابتسم لها بانكسار وأردف:
"أحبك أيضًا يا لؤلؤتي الناصعة. أنت نادرة لدرجة لن أجد شخصًا مثلك تمامًا. معك حق، مازلتِ خلابة." ثم غمز لها في آخر كلامه.
"سأعتني بصغيري جيدًا، لهذا لا تقلقي. حاولي البقاء على قيد الحياة."
قبّل يديها قبلة عميقة وانتهى الأمر، مجرد لحظة عابرة...
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
•
أشبك يداي في توتر مبالغ، أخطف نظراتي بين الحين والآخر إلى غرفة الإنعاش. أبي كأنه غارق في أفكاره. لم أرد إزعاجه بأسئلتي، حتى التقطت أذني صوت الأجهزة الحاد كطبول حرب تعلن المعركة.
الأطباء والممرضون يركضون مسرعين إلى غرفة أمي. حاولت الاستفسار أنا ووالدي عما يحدث، لكن لا أحد يجيبنا، وهذا يزيدني هيجانًا.
أطل من زجاج النافذة وألمح أمي شاحبة الوجه، وجهاز تخطيط القلب بدأ ينخفض شيئًا فشيئًا. قلبي يخفق بشدة كأنه يبحث عن مهرب مما يحدث.
الأطباء في محاولة لإنعاش قلب أمي، ومع كل حركة يقومون بها، الألم ينتشر في جسدي. يقتلني رويدًا، رويدًا.
الدموع تنهمر على وجنتي بغزارة، شفتاي ترتجفان كأنهما في سباق مع الموت.
توقفت حركتهم، سكن الجهاز. أضرب الزجاج بعنف كأن روحي راقدة هناك.
أقول بخيبة أمل:
"أ..رجوكم، لا تتوقفوا! أكملوا ما كنتم تفعلونه. ملاذي... استيقظي... حبيبتي... زهرة أملي..."
يحجبون وجه أمي بالغطاء الأبيض.
"لا... لا... لا تفعلوا ذلك! من فضلكم، أمي لم تمت! أمي على قيد الحياة ! لم لا تنصتون لي ... هي مازالت بيننا ...أسمع أنفاسها...دعوني أودع زهرتي!
الطبيب يخرج إلينا بأسف وعلامات الحزن تعتلي وجهه، وأردف:
"لقد فقدنا السيدة لميس. عظم الله أجركم."
ومع هذه الجملة تمنيت لو فقدت جميع حواسي.
⭐إنتهيت نجومي⭐
1614 كلمة 🥳
أتعلمون أصعب فصل كتبته ، كان من الصعب علي كتابة مشهد موت الأم ومشاعر أمل وأنس 😭😫
ستعلمون سبب غياب مازن في الفصل القادم إنشاء الله 🌷
ما رأيكم بأمل ومشاعرها 💔؟
مازن ؟
أنس😔 ؟
لميس 😭😪؟
أجواء الرواية ؟
الفصل ؟
توقعاتكم للفصل القادم 🧐؟
ما رأيكم بعلاقة الأب وأمل 💖؟
ما رأيكم بعلاقة الأم وأمل😭😭 ؟
أنس ولميس 🤏🦋 ؟
مشهد الوفاة 😭😭😭؟؟
علقوا رأيكم يهمني كثيرات 🌷
ولا تنسو نجمة ⭐
دموعي نفذت في هذا الفصل 😔😫
لا تنسى الدعاء لأهلنا في غزة وجميع إخواننا المستضعفين ❤💔
⛔إنتباه !
من يريد الفصل القادم بسرعة ، فليفعل الشروط وبعد تحقيقها سأنشره ، لأن هذه البداية فحسب ❕
الشروط 📢
500 نجمة
500 التعليقات
بعد تحقيقها سأنشر الفصل القادم بإذن الله ، أنا أثق بكم لؤلؤاتي ⏰💜
أحببت اللقب ما رأيكم أن أناديكم به 🤭؟
سأنشر صور لميس وأنس في الإنستغراكم حسابي أدخلوا لتعرفوا أخبار الرواية
👇
حسابي في الإنستغرام
mi0raa_
PenOFtuiTch@