الهروب من الألم ...كنفق بلا مخرج .
غرفة باردة، خالية من الرحمة كهذا المكان.
ضوء مزعج أتعب عيناي الذابلتين من شدة الأرق.
أجلس القرفصاء في زاوية الغرفة، أحتضن نفسي من هذا المكان الموحش. أحدّق في تلك الخنفساء الصغيرة منذ مدة، وهي تقوم بحركات عشوائية؛ هي لم تمل، وأنا كذلك.
تناهى لمسامعي صوت قفل الباب يفتح. أسمع صوتها المزعج ينقر أذني. ألا تتعب بالمجيء؟ كرهت قدومها لي.
— أمل، هيا تعالي لتأكلي قليلًا، لتتناولي الدواء.
كانت تحرص على شربي للدواء أكثر من أكلي. همهمت لها، واتجهت لعندها. أبتلع الأكل الساخن الذي أحرق حنجرتي. انتهيت، وناولَتني الدواء. تبتلعه في فمي، أحرّك رأسي بعشوائية دليلًا على معارضتي، إلا أنها نجحت.
أنهت مهمتها، وطبطبت على رأسي في استفزاز. ناظرتها بحقد، وأغلقت الباب. ارتميت على السرير كأني جثة هامدة.
متى سأخرج من هنا؟ لقد تعبت، إن هذا المكان يخنقني.
4:00 مساءً
كنت جالسة على السرير، أدون في المذكرات التي أهدتها لي أمي. يدای كانتا ترتعشان وأنا أكتب هذا الكلام.
أمي حبيبتي، منذ رحيلك وأنا أعاني في صمت. فمنذ قدومي إلى هنا، وشيء يقبض حنجرتي. الأوهام وكوابيس لا تترك لي النوم أبدًا. أنا أظن بسبب ذاك الدواء، فحرصهم عليّ في تناوله شيء غريب، ألا توافقينني الرأي؟
اشتقت لك ولمازن وأبي، لكني غاضبة منه. صحيح أنه جلبني إلى هذا المكان معتقدًا أنني سأتَعالج، لكنه مخطئ يا أمي. لقد سامحته بالفعل، فأنا أعلم حبه الشديد لي وخوفه عليّ. الآن أريد رؤيته بخير فقط. لا أعلم هل هو ومازن تأذّوا أم لا، أنا قلقة عليهم بشدة، لذا أفكر في الهرب، لكن لا أعلم كيف. لكني سأجد طريقة ما.
مع السلامة أمي، أحبك، قبلاتي.
أغلقت المذكرات وأنا أبتسم بسعادة. هذه المذكرة تساعدني على الهدوء والارتخاء، لكن الهدوء كان مؤقتًا. فتحت ممرضة الباب بقوة، زعزعت ثباتي. سارعت بإخفاء المذكرة وراء ظهري، لأن هذا المكان لا يحترم الخصوصية أبدًا. يظنون أني سأكتب أفكارًا انتحارية أو ما شابه.
أردفت الممرضة ببرود:
— لقد حضر أبوك إلى هنا لرؤيتك، هيا.
— حقًا؟
— أملامحي تدل على الكذب؟ قالتها بانزعاج.
نفيت برأسي.
— حسنًا، دقيقة وأنا قادمة.
قفزت من مكاني بسعادة، عدلت ثوبي، وخبأت مذكرتي تحت السرير. عدلت خصلاتي، كنت أريد النظر للمرآة لكنها ممنوعة هنا. ارتديت حذائي، أغلقت الباب خلفي، ووجدتها تنتظرني.
قادتني لغرفة مساحتها كبيرة وبعض الكراسي، وهناك أشخاص مثلي يلتقون بعائلاتهم. أبحث بعيناي في المكان عن أبي، حتى التقت أعيننا.
اقشعر جسمي آنذاك. بادلته نظرات العتاب في صمت. أردت العودة للغرفة، لكني أحكمت قبضتي بعزم، واتجهت إليه.
عند رؤيته لمجيئي، وقف يعدل الكرسي لي. أومأت إليه في شكر. شبك يديه في توتر، وأنا كنت أتحاشى النظر لوجهه. أردت أن أحافظ على برودة ملامحي. لزمنا الصمت لمدة، ثم قرر التحدث:
— أمل، وحيدتي، اشتقت إليك كثيرًا.
أمسك يداي. حاولت إزالة يدي، لكنه أحكم القبض عليهما، وأكمل:
— لقد مر شهران منذ رؤيتي لك. اشتقت لملامحك، لصوتك، لضحكتك، لكل شيء. أنا آسف، أعلم أنك غاضبة، وهذا من حقك. إلا أنني جلبتك إلى هنا وكلي أمل أن تعودي لأمل التي أعرفها.
قبّل يداي وتنهد براحة. لمحت دموعه العالقة في مقلتيه، واستشعرت حديثه الصادق، لكني سيطرت على عاطفتي وأجبته:
— أبي، لقد اشتقت إليك كثيرًا، لكنك دمرتني. أتعلم كم مرة استيقظت من النوم وأنا خائفة من أن أفقدك أنت أيضًا؟ هذا المكان مريب حقًا. لقد اشتقت للمنزل. خذني للمنزل معك يا أبي.
أمسكت يده في رجاء.
تحسس وجنتي بدفء يديه، وكذلك رأسي، لكنه أردف:
— أميرة الأميرات، وردتي، تحدثت مع طبيبك، لكنه قال لي بأنك ما زلت تعانين من الكوابيس والأوهام، وقرر بأن تبقي لشهرين آخرين هنا. وأنا أريد سلامتك، لذلك وافقت. بعدها أعدك أنني سأخذك من هنا. التزمي بالدواء فقط.
نهضت من مكاني، أضرب الطاولة بكل قوتي وأنا أذرف دموعي اليائسة:
— عن أي دواء تتحدث يا أبي؟ إنه يزيدني جنونًا فقط!
أضرب رأسي وهو يحاول إبعادي، لكني أكملت في غضب هستيري:
— لن أتعالج يا أبي هنا، شكرًا لاهتمامك.
أدرت ظهري وأنا أمسح دموعي، وصوته ما زال يناديني، لكني أكملت سيري وأنا عازمة على قراري:
سأهرب من هنا.
بعد أسبوع :
أدرت قفل الباب وتوجهت مباشرة إلى الحديقة شبه الميتة. لمحت عيناي كرسيًا مهترئًا، فسارعت بالذهاب إليه وجلست عليه بحذر كي لا يخدش جسدي ذلك الحديد المتصدئ.
ما زلت أتذكر آخر لقاء لي بأبي. كان أشبه بالحلم. نمت تلك الليلة دون كوابيس، وكم كنت سعيدة بذلك. لكن المشكلة أن أبي ما زال يظن أن هذا المكان المجنون يساعدني على العلاج، لكنه مخطئ. إنه أشبه بمقبرة، الفرق أنهم يزورون أناسًا أحياء… وهم أموات من الداخل.
زفرت أنفاسي بحنق، وابتسمت بسخرية على الوضع.
أنا أريد الهرب… لقد سئمت من هذا المكان.
— حقًا؟
هلعت من الصوت المفاجئ، وأدرت رأسي بسرعة. فإذا بي أجد فتى غريب الأطوار، بشعر كحلي اللون وعينين خضراوين باردتين ، ووجه أبيض شاحب يوحي بأن الكثير قد مرّ به.
أجبته بسخرية:
— وما شأنك أنت؟ أتريد أن تشي بي؟
حرك كتفيه بلا مبالاة. أغاظتني حركته تلك، فتحركت من مكاني وأدرت ظهري بنية المغادرة، لكن صوته أوقفني:
— إن كنتِ حقًا تريدين الهرب، فلن أشي بك.
استدرت نحوه وقلت متفاجئة:
— أحقًا؟
— نعم، لا يهمني الأمر.
ابتسمت هذه المرة برضا:
— شكرًا لك.
أومأ برأسه وقال:
— لكن أنصحك أن تخططي جيدًا للهرب، وتدرسي الأماكن بحذر. الحراسة هنا مشددة للغاية، لأنك لستِ الأولى ولا الأخيرة التي تحاول الهرب. وإن أمسكوا بك فسيظنون أنك مجنونة، وسيعاملونك على هذا الأساس.
أنهى كلامه وتنهد، كأنها المرة الأولى التي يتحدث فيها بهذا القدر.
اندَهشت من كلامه وطريقة تفكيره. بدا لي ذكيًا… ربما أكثر مما توقعت. فقلت له:
— ما رأيك أن ترشدني إلى أماكن جيدة للهرب؟
نظر إليّ ببرود وقال:
— أتحاولين استغلالي؟
تجمدت للحظة.
مهلًا… هل يحاول قراءة أفكاري؟
قلت بسرعة:
— لا، لا أقصد استغلالك… أنا فقط… لا شيء. شكرًا لك.
نظر إليّ بطرف عينه وابتسم بسخرية، بينما كان يراقب السماء التي كانت تشتعل من بعيد بلونٍ ناري.
طأطأت رأسي. كنت أعلم أن القصف ما زال مستمرًا. لمعت عيناي للحظة.
حاولت تشتيت أفكاري وقلت له:
— ما اسمك؟
أجاب ببرود:
— أيهمك الأمر؟
انزعجت من رده وأسلوبه، فاستدرت عائدة وأنا أشتعل غيظًا. لكن فجأة نطق:
— ركان.
ابتسمت بخفة وقلت:
— وأنا أمل.
كنت متيقنة أنه لن يسأل...
لا أعلم لما وثقت به لهذا الحد لكن كل ما أعلمه الآن :
هو أنني لن أخرج من هنا وحدي .
إنتهى الفصل
رأيكم ؟
هل سيرافق أمل في رحلة الهرب ؟
شخصية أمل ؟
شخصية ركان ؟
أنس ؟
بالنسبة لمازن سيظهر في الفصول القادمة 😇
رمضان مبارك إنشاء الله يجعله شهر بركة وخير ومغفرة للذنوب وعتق من النار ❤🤍
لا تنسوا الدعاء لأهلنا في غزة وجميع إخواننا المستضعفين يارب
الله يحفظ دول الخليج وبجعل بلدهم آمنا يارب 🤍
أحبكم يا رفاق
أو لنقل لؤلؤاتي🤎🤍
PenOFtuiTch@