الفقد

الفقد

15 0

ظننت أن الغطاء الأبيض طهارة... لكنه الغياب المؤبد.

أجلس في غرفة أمي التي أصبحت خالية من وجودها، ورائحتها ما تزال عالقة في أنفي. أنظر بثقل نحو صندوقٍ لفت انتباهي، فتحركت من مكاني أقصده لأُسكات فضولي.

أستشعره بأطراف أصابعي، فسرت قشعريرة خفيفة في بدني. أدرته لأجد اسمي منقوشًا عليه بخطٍّ عربيٍّ ثقيل.

ترددت في فتحه بسبب جهلي بما يحتويه، لذا لجأت إلى السرير، أضع ثقل رأسي على الوسادة، أستنشق عبقها الذي أصبح دوائي بعد رحيلها.

شعرة علقت بطرف إصبعي... إنها لأمي. تسللت دمعة خافتة على وجنتي ببطءٍ شديد، ثم هجمت عليّ الذاكرة من جديد .

قبل أسبوع من الحادثة :

خرج الطبيب وملامحه تعتلي الشؤم، ونطق بأحرفٍ تهجاها «لقد فقدناها».

تجمّدت في مكاني، كأن الزمن توقّف آنذاك. أحاول استيعاب وقع كلماته عليّ بلا جدوى، وبعد لحظات،

وكالحمقاء ركضت بأقصى سرعتي إلى غرفتها، أقترب منها بخطواتٍ كأنني ذاهبة إلى الجحيم نفسه.

لقد رأيت وجهها خاليًا من الروح، من ابتسامتها، ومن عينيها اللتين كانتا دائمًا ما تلمعان بالحب .

أحملق فيها بصدمة، لا...لا يمكن ! آنذاك كأن السم انتشر في أوصالي ، ينهشني ببطء.

انحنيت نحوها، وقبّلتها قبلةً عميقة، وفجأة... استوعبت الأمر، أمي لا تحرّك قيد أنملة. تحدثت إليها بهدوء، لعلها مريضة ولا تحتاج لإزعاج، همست في أذنها:

"أمي، حبيبتي، نور عيني ، استيقظي... لقد أتيت لعندك، قالوا إنكِ استُشهِدتِ، لكني لم أصدّقهم، كنت متيقنة أنكِ لن تتركيني، أليس كذلك؟"

لكنها لم تحرك ساكنا ، وضعت أذني على موضع نبضها فلم أسمع سوى الصمت، صمتٌ أثقل روحي وزرع الفراغ بداخلي.

صفعتها صفعات خفيفة علّها تعود إليّ، لكن لا حياة لمن تُنادي، بدأت أستوعب ببطء، ماذا أفعل؟ ولم أنا هنا؟ وماذا يحدث؟ فتحت فمي لأتحرر من الكلمات التي سكنت روحي لكنها ظلت حبيسة القفص، احتضنتها أكثر، أضمها إلى صدري ثم صرخت، صرخت لأشرح ما بداخلي.

دلف الأطباء والممرضون إلى الغرفة يحاولون إبعادي عن عالمي الذي يحميني، تشبثت بها كالنبتة التي حرصت على أن تزدهر، لكنهم اقتلعوها مني بلا رحمة.

نظرت إليّ ممرضة بتعجرف وقالت:

"أيتها الصغيرة، كفاكِ دلالًا، عودي إلى صوابك، أمك توفيت، تقبّلي الأمر، هذه هي الحقيقة."

كلماتها كالرصاصات، تصيبني وتوقظني من غفلتي، أنظر إليها بكرهٍ بالغ، والدموع تواسيني، تخفف عني أحزاني.

أمشي بخطوات كأني أحمل الأرض، لاهي تحملني.

كنت متجهة إلى أبي القابع على الكرسي منذ دخولنا، كأن الزمن توقف بالنسبة إليه.

تصلبت أمامه كساعةٍ تخربت أسلاكها، تنتظر من يصلحها كي تعود لوعيها.

لاحظ وجودي وناظرني بأعين منكسرةٍ ملؤها الحزن.

إرتميت على حضنه، أمسك بقميصه كطوق نجاةٍ لي من حقيقةٍ أخشاها.

قربني لحضنه أكثر، يقبّل رأسي عدّة قبلات، وشهقاتي تتعالى أكثر.

أردفت إليه قائلةً بصوتٍ خشنٍ من كثرة البكاء:

أبي... من فضلك، قل لي بأن أمي مازالت على قيد الحياة... أرجوك، لا يمكنني العيش بدونها.

لم يكن لأبي جواب بالطبع، إلا أن رده كان مسحه على شعري، يفركه لأرتخي، وأنام...

بالأصل كنت متعبة، إلا أن جفناي أبيا أن يُغلقا.

خرج الطبيب يجر جسدًا جامدًا مغطى بالأبيض.

في تلك اللحظة، وعندما شاهدتها، نهضت من حضن أبي الذي كان مؤقتًا.اقتربت أكثر، لكن هناك شعورًا يراودني بأن أحدًا يسحبني للخلف.

أجرّ أقدامي كأن المسافة فجأة أصبحت كأميال. توقفت، وتشبثت بإطار الباب.رجلاي ترتعشان بشكلٍ جنوني، أرجوهما ألّا تخوناني، لكيلا أسقط على الأرض.

في البداية ظننتها نائمة... لكن شيئًا مختلفًا هزني هذه المرة.

الصمت كان على غير العادة، السكون حلّ على المكان، يزيد من ارتعابي ويخنقني شيئًا فشيئًا.

أسبح بيدي في الفراغ كأنني أبحث عن شيء غير موجود، أو ربما اختفى.

أبعدت الغطاء الأبيض، وقلبي يخفق بشدة لدرجة أن قفصي الصدري بدأ يؤلمني.

تحسسته لأُزيل الألم بعيدًا، لأكمل ما بدأته، أبعدت الغطاء.

وهنا... أصابني صداع حاد.

شيء يخنقني، يمزق ممرّ تنفّسي. أدلكه ، لعلّ الشعور يختفي، لكنه أصرّ على البقاء.

عيناي فتحتا على مصراعيهما من هول ما شاهدت.

و بأيدٍ مرتعشة قادتني يدي، وبلا إرادةٍ مني، إلى وجهها.

لمستُ جثتها وأنا غير واعيةٍ بأنه كان آخر لقاءٍ لي بها.

حاولت روحي لمسها، لكن لا جدوى.

حاولت البكاء ، لكن دموعي خانتني هذه المرة.

حاولت الصراخ، لعلّ تلك الحرارة تنطفئ... لكن أحبالي الصوتية توقفت، كل شيء ، حتى الزمن .

مازلتُ متوقفة في مكاني، والضوء الأبيض يلسع جلدي، يكاد يحرقني. أمّا ذاك الممرّ البارد، فأضفى عليّ شعورًا باليأس من حقيقةٍ أعيشها.

أطرافي متجمّدة، كأنّ الموت بدأ يتلبّسني، وتمنّيت لو فعل .

حرّك الطبيب تلك الجثة التي لم أعتبرها أمي قط، لأنها كانت مفعمة بالحياة، أمّا الآن... فارغة، لا روح فيها.

وعيت على نفسي، وأخيرًا إنهم يـ... يأخـ...ذون مني أمي!

أركض وراء الطبيب وأنا أصرخ فيهم قائلةً:

— لا تأخذوها مني! أعيدوها الآن!.. أميي!

لكن لم يُعرني أحد اهتمامًا. ثقلت رجلاي، وأنفاسي أصبحت ثائرة، كأنّ مرضًا خطيرًا أصابني. سقطت على الأرض أزحف، فلم تعد رجلاي تنفعاني.

أردفت إليهم قائلةً، والدموع تنساب على وجهي كأنهما بالفعل تعرفان مسارها:

— نجاتي... حبيبتي أمي، لا ترحلي، أرجوكِ أميي!..

ودوّت هذه الصرخة كجرسٍ مزعجٍ يُنبّههم أن من يسلب مني عالمي... سأخطف روحه.

واختفت... كرياحٍ لم يكن لها وجود قط.

•              •          •          •         •      •          •  

الساعة السادسة مساء :

أجلس في غرفتي، حيث أصبح الهروب إليها سهلًا بالنسبة إليّ. أطلّ من النافذة، أشاهد غروب الشمس، وبعد مدةٍ يحلّ الظلام... وهكذا أصبحت حياتي بالضبط.

عائلة والدي ووالدتي بدأوا بالمجيء، وليس لدي طاقة لاستقبالهم أو سماع مساعدتهم الزائفة لي.

تمنّيت لو كان مازن معي. لخفف عني حزني ، لكن أبي أرسله إلى بيت جدي وجدّتي كي لا تتأثر نفسيته، فهو قد خسر أحد رجليه بالفعل، والآن... أمي أيضًا.

كان الأمر صعبًا عليه، أما أبي فمنشغل بتحضيرات العزاء.

توجّهتُ إلى سريري، الذي كان متأهّبًا لاستقبال دموعي الحارقة التي لن تتوقف عن النزول. حاولتُ التفكير في الأمر، لكن كل شيء مرّ بسرعة، كأنّ الزمن كان يُسارع لإخفاء الألم والحزن.

تهجمت عليّ الذكريات، وطغت على رأسي، وصداع حادّ زلزل كياني.

انهارت دموعي، كأنّ الشمس كانت تُشرق لأيام، وحان الوقت لينهمر المطر بغزارة.

أحشاءُ معدتي تصرخ طلبًا للنجاة. أسرع إلى الحمّام، أتقيّأ، أستفرغ ما بمعدتي لعلّي أرتاح. أتكئ على الحوض، أمسك به، غثيان... وأتقيّأ من جديد.

أُخرج أنفاسي في ارتياح، أقف وأتوجّه لغسل وجهي المتعب. أنظر إلى المرآة بثقلٍ بالغ. إنني حقًا في خطر. شفتاي متشققتان، عيناي محمرّتان من كثرة البكاء، وهالاتٌ سوداء زيّنت ملامح وجهي. اكتملت الصورة الآن، وصرت كالشبح.

في الحقيقة، لا يهمني الأمر. عدتُ أدراجي غير مبالية، لأني فقدت نوري وإشراق وجهي. أغلقتُ باب الحمّام، وخرجت من باب الغرفة تاركةً ورائي كل شيء.

نزلتُ السلالم، وانصدمت... حشدٌ من النساء، بعضهن واقفات أمام الباب من كثرتهم. أبحث عن أبي بعينيّ، لعلّي ألمحه، لكن لا وجود له. استغربت ، حرّكت كتفيّ بلا مبالاة، ربما أنه منشغل.

أكملت نزولي، فإذا بامرأةٍ متوسّطة العمر تقف عندي، تغلق عليّ طريقي. أردفت إليّ قائلةً، قبل أن أسألها:

— إني خالتك، ما اسمك يا طفلة؟

قالتها بفظاظة.

قلّبتُ عينيّ في ملل، ليس لديّ نفس لأجيبها الآن. علمتُ سبب كره أمي لخالتي هذه. تخطّيتها، لكنها أمسكت بذراعي.

— أيتها الطفلة، ألا تسمعينني؟ أنا أكلمك! يا لك من وجهة... تشبهين أمك!

كوّرتُ قبضتي حتى ابيضّت أطرافي، وأبعدتُ ذراعها عني بعنف. أدرت ظهري، أتركها منصدمة، أطلّ عليها بطرف عيني وأجيبها:

— بالمناسبة، اسمي أمل، كي لا أُعتبر وقحة بالكامل. ومعكِ حق، إنني أشبه جمال أمي... للأسف، أنتِ لا تشبهينها البتّة، لا في أخلاقها ولا جمالها.

أكملت كلامي وتركتها تنفجر غضبًا. ابتسمتُ، شعرت أني أخذت حق أمي.

دلَفتُ إلى المطبخ، وهناك كانت تجلس خالتي نرجس. أحبّها كثيرًا، فهي لا تشبه الأخرى. كانت تبكي في صمت. لاحظت وجودي، ومسحت دموعها بأطراف ثوبها، اقتربتْ مني ولمست خدي بحنانٍ بالغ، وعانقتني، تُدخلني إلى حضنها خائفةً أن أغيب أنا الأخرى.

بادلتها بدوري، سمعت شهقاتها فضممتها إليّ أكثر. كنت أنا من أحتاجها، لكن لا بأس بذلك. طلبتُ منها كوبًا من الماء، فلم تتردد. ناولتني إيّاه، وسكبته في حلقي كأنني كنت في صحراء قاحلة.

نطقت بصوتٍ مبحوح:

— أمل، لا تترددي في طلب المساعدة مني. أنا بمثابة أمّك، ولا تهتمي لأقوال خالتك تلك.

أومأتُ إليها في صمت، وسألتها مستغربة:

— أين أبي؟

— إنه في الخارج، يستقبل أصدقاءه.

أكملنا الحديث القصير الذي دار بيننا.

جلستُ في الصالة قرب جدّتي، أراقب وجوه المعزّين. منهم من هو حزين حقًا، ومنهم من يتصنّع ذلك، وآخر يضحك.

حتى نطقت امرأةٌ مسنّة فجأة، ووجّهت كلامها إليّ:

— عزيزتي، كيف توفّيت أمّك؟

وأخرى تقول:

— صحيح، أهو موتٌ مفاجئ أم أنها كانت مريضة؟

تدخلت خالتي الوقحة وقالت:

— لن تجيبكم هذه المزعجة، أمها لم تُعلّمها الأخلاق البتة. ربما كانت  مريضةً بمرضٍ خطير ولم تشأ أن تتحدث، خوفًا على سمعتها...

كلامهم زاد اضطرابي، وأصواتهم تقرع في أذني تصيبني بالصداع. أمسكتُ معدتي، ونهضت فجأة، أسرع إلى غرفتي.

أقف أمام الباب، أنفاسي مسرعة كأنها تجاري الرياح. أطلتُ على غرفتي أمي لمدة، ثم قررت الدخول. قبضت على قفل الباب بشدة، كأنه سيقرر مصيري: إمّا النجاة أو الموت.

ودلفت. تنهدت في ارتياح، كأنني كنت في قفص. أقف وسط الغرفة ودوارٌ يصيبني، لم آكل منذ البارحة.

لمحت صورةً تجمعني بها، اقتربت أكثر، قبّلتها، وقرّبتها إلى حضني، خائفة أن ترحل. دار العالم من حولي، أغلقت عينيّ بقوة لأستعيد توازني، لكني سقطت جاثيةً على الأرض.

الدموع انهالت عليّ كجمرٍ أحرقت خدودي وبللت البساط، كأنها تشكي له معاناتي، فلم يعد أحدٌ يسمع صراخنا.

أغلقت عينيّ... وأغيب عن وعيي.

وربما... للأبد.

"لكن ، وسط ظلامي ...كان هناك صوت بعيد يناديني ."

1392 كلمة 😌

لؤلؤاتي إشتقت لكم💫

ما رأيكم بالفصل؟

أمل حبيبتي كيف تصفونها😫🥺 ؟

عرفتم سبب غياب مازن 😔؟

أنس المسكين فقد فلؤلؤته وانكسرت بالفعل 🥀 ؟

مالشخص الذي كان ينادي أمل ؟

لن تعرفوه أنا متأكدة ☠

لميس إشتقت لها😭😭؟

نرجس الخالة رأيكم فيها ؟

الخالة الوقحة 😒؟

توقعاتكم للفصل القادم ؟؟

وأخيرااا💃💃

شكرا لكم على 1000 قارئ أحبكم لؤلؤاتي سأحافظ عليكم كي لا تنكسروا🤏🤭💃

لا تنسوا الدعاء لأهلنا في غزة وجميع إخواننا المستضعفين 🌷

أنا سعيدة بوقف إطلاق النار أتمنى ألا يخونوا عهدهم مع العلم أنا لا أثق فيهم 🤍

مع السلامة ألقاكم في الفصل القادم بإذن الله 💀

حسابي في الإنستغرام لنشر تسريبات الفصول والريلزات ومواعيد نشر الفصول👇

mi0raa_

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين الركام

المؤلف PenOFtuiTch@
2025/09/30 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة