سعادة مؤقتة

سعادة مؤقتة

21 0

كانت الحقيقة ...كخناجر تطعن قلبي ."

جالسين غي غرفة المعيشة ، أعيننا متصنمة على التلفاز  ، كان الخبر صادما بالنسبة لنا .

أدرت رأسي ،  وجدت أمي تذرف الدموع في صمت . إقتربت منها بهدوء ، ناظرتها وأنا أحادثها :

• أمي لا تقلقي ، سيكون كل شئ بخير .

إحتضنتني بقوة حتى كادت تكسر عظامي،كأنها ومتشبثة بأمل خائف أن يختفي ، بادلتها العناق بدوري كنت أسمع شهقاتها التي تكتمها ،كنت أبادلها نفس الشعور الخوف من المجهول...الفقد .لكني كتمت مشاعري كي أبقى قوية في نظري أمي .

إقترب أخي بخطوات بطيئة كأنه متردد بالمجئ ، سحبته أمي فاحتضنته، كذالك أبي أقترب منا واحتضنا جميعا بعضنا البعض، كنا في أمان لوهلة ، لا أعلم كم بقينا من الوقت حتى سحبت أمي نفسها راغبة في النوم ، إحترمت رغبتها ناظرت أبي في قلق ، أومأ إلي في إطمئنان.

صعدت لغرفتي أنا أيضا برفقة مازن ، أوصلته لسريره وسألني بخوف :

• أمل، هل سيكون كل شئ بخير؟

•نعم يامازن، لا تقلق.

لكن ، إن قصفوا منزلنا فلن يكون لنا مكان آخر للذهاب إليه ، سأشتاق لغرفتي وألعابي ...قالها بصوت باك.

• مازن من قال أنه سيحصل شئ كهذا ؟ لا تدع الخوف يتغلب عليك . سنبقى جميعا معا .

قلت ذلك بثقة مهزوزة، متصنعة القوة آنذاك .

إبتسم وقال :

• إذا ، ما رأيك أن تنامي معي الليلة؟

ناظرني بأعين بريئة.

•حسنا. سأنام معك الليلة إذا

•إذا ...لنناظر النجوم معا

وافقت .

فتحت النافذة ، كانت النجوم تلمع وسط الظلام ، هكذا كنت كأمل يشع وسط العتمة ، عادت الذاكرة بي إلى ما حدث .

[استرجاع الذاكرة ]

عندما سمعنا صوت انكسار في الغرفة ، ذهبنا مسرعين للصالة لنجد أبي في حالة من الذهول، كان كل من حوله في فوضى هناك مزهرية على الطاولة وجدناها منكسرة.

تتبعنا أعين أبي إلى ماينظر إليه... كان التلفاز مفتوحا على نشرة الأخبار ، وهنا تجمدنا .

خبر عاجل: قصف عنيف يستهدف مدينة غزة ، مقتل وإصابات عشرات الضحايا التي استهدفت المدينة ، الناس في حالة من الهلع والرعب ، تصريحات من المسؤولين والقيادات المحلية حول الوضع والجهود المبذولة لمساعدة المتضررين .

كنا فى حالة صدمة ، أوصالي ترتعش ...سالت دمعة على خدي حتى أحرقت وجنتاي ، مسحتها كي لا يلاحظ أحد .

أمي عيناها مغروقتان بالدموع ، أخي متصنم مثلي ، أما أبي فكان يناظرني بأعين منكسرة .

الجميع كأن في حالة من الرعب كأن الطمئنينة و السعادة كانت مؤقتة بالنسبة لهم .

[ عودة إلى الحاضر]

إنتشلني صوت أخي وهو يناديني ، إلتفت إليه :

•أمل ، ألم تستمعي إلي؟ أين أنت شاردة ؟

•لا شئ يا مازن ، كنت أناظر النجوم إنها جميلة أليس كذالك ؟

•نعم ، إنها جميلة للغاية . أنظري هناك !

نظرت إلى ما يشير إليه فوجدت هناك قمر ، إبتسمت بصدق هذه المرة.

• أمل ... أختي أنت تشبهينه حقا ، أتعلمين؟ مهما حاولت التفكير في الأمر إلا أن وجودك معي يعطيني أملا وقوة بأن كل شئ سيصبح بخير . لم يخطأ والدتي حين أسموك أمل .

إحتضنته ورفعته في السماء وأنا أركض به وصوت ضحكاته تبعث في نفسي الطمأنينة ، لا يعلم بأنه هو من أسماك منه القوة .

بعد لحظات من الضحك واللعب إرتمينا على الفراش نلهث ونحن نضحك عانقنا بعضنا البعض ، ونمنا بعمق .

في الصباح إستيقظت على صوت أبي يناديني :

• أمل ، معك خمس دقائق وتكونين جاهزة .

• لمذا ؟

• سنعد اليوم أنا وأنت وجبة الفطور ، أمك متعبة .

• وافقت ، على مضض .

تجهزت ونزلت السلالم وذهبت أركض بإتجاه أبي أقفز على ظهره وبعد عدة مشاغبات ، بدأنا بالفعل بإعداد الفطور .

جهزنا الكعك المفضل لأمي وبعد الإنتهاء نظرنا أنا وأبي للمطبخ وبدأنا نضحك ... كان في حالة يرثى لها !

نعلم أن نقطة ضعف أمي أن ترى مطبخها متسخا لهذا أشرعنا في التنظيف حتى أصبح كل شئ نظيفا .

طلب مني والدي أن أوقظ أمي وهو سيتكفل بأخي .

فوافقت .

فتحت باب الغرفة بحذر ، ودلفت بخطوات بطيئة. جلست على سريرها :

•أمي ، إستيقظي ...الفطور أصبح جاهزا .

تقلبت ناحيتي وجذبتني إليها ، عانقتني وقبلت رأسي .

• أمل ، أتعلمين سيأتي يوم ستظلين فيه وحيدة ، لكن أريدك أن تبقي قوية .

• أمي ...ما مناسبة هذا الكلام ؟

• لا شئ ، أردت إخبارك فحسب .

بقيت ساكتة أستشعر حديثها ، كان الواقع مؤلما جدا لم ولن أتحمل فقدانهم ، أردت تغيير الموضوع فأخبرتها بأننا صنعنا لها الكعك الذي تحبه .

إنفجرت أساريرها فرحا ، لم أعلم أن حالة أمي ستتغير بسبب كعك ، ضحكت .

جلسنا على مائدة الفطور و شرعنا في الأكل ، وكل واحد غارق في أفكاره .

أنهيت الفطور ، وذهبت للتجهز أنا ومازن ، أنا للمدرسة وهو للروض .

أوصلنا أبي وقبل دخولي للمدرسة ، إستوقفته :

• أبي ، إعتني بأمي جيدا ؟

• حسنا ، أمل إهتمي بدروسك ؟

قبلني على وجنتاي وطبطب على رأسي ورحل ، هذا كل شئ ...نعم رحل ، قلبي إنقبض علي متخيلة أنه سيأتي يوم وسأبقى وحيدة .

دخلت المدرسة مشوشة البال . وذهبت مباشرة للصف جلست في مكاني المعتاد ، لم أملك يوما أصدقاء .

دخلت المعلمة للصف قامت بواجبها ، وبعد خروجها كتبت على السبورة : "ستفوز القضية الفلسطينية مهما طال الزمن ". ثم خرجت .

سمعت بعض الكلام بين الطالبات :

• أنا خائفة من الإحتلال .

• وأنا كذلك .

• وآخر يقول :

أنا غير مهتم ، ستجدها مجرد إشاعات لدس الرعب فينا .

لكن ماجرحني كان صوت إحداهن تقول :

أنا خائفة من فقدان والداي ، لايمكنني العيش بدونهم .

حزمت أغراضي ونهضت مسرعة. أدى إلى ذلك لسقوط الطاولة لكن لم أهتم فحالتي لم تسمح ، قبل خروجي سمعت بعض الهمسات عن حالتي لكني لم أعرها أي اهتمام .

إتجهت مسرعة للحمام . وأنا أرتعش ، جلست على الأرض وبدأت أبكي في قهر شهقاتي تتعالى شيئا فشيئا . وضعت يدي على شفتاي كي لا تفضحني .

كل شئ يؤلمني ...خاصة قلبي كأن نزيفا حادا أصابني .

وقفت أستجمع نفسي وغسلت وجهي عدة مرات لأزيل الحزن والوجع الذي اعتلى وجهي ، ثم ذهبت لآخر حصة لدي ، لم يكن عقلى حاضرا في تلك الآن. كنت مشتتة ، أنظر من النافذة القريبة. وأرى أن المدينة في حالة من الهلع بعد خبر الأمس .

وأخيرا... رن جرس الخروج ، أمشي بخطوات بطيئة في الممر حتى جاء إلي فتى و بدأ بمرافقتي ، إستغربت ، فسألني :

• أين أنت شاردة ؟

• لاشئ

• ما اسمك ؟

• أمل

إسم جميل ...وأنا سامي .

أومئت في صمت . كان يرافقني كظلي ، وصلنا لمخرج المدرسة ، ودعني فابتسمت ، ومضى كل واحد في طريقه .

وصلت للمنزل أخيرا ، قبلت أمي وسألني عن يومي فأجبتها : جيد .

لا أعلم كيف جاء السؤال لبالي لكني طرحته :

• أمي ، لن تتركينا صحيح .

• بالطبع لن أترككم يا أمل ، حتى يفرقنا الموت .

خرجت تنهيدة مطمئنة من كلامها ، غيرت ملابسي وساعدتها في تجهيز الغداء ، أخي مازال في الروض لهذا اكتفينا ببعض الهدوء ، أما أبي في العمل أفتخر كونه صحفيا ...

بدأت أتحدث مع أمي :

• أمي ، أتعلمين بينما كنت أمشي في ممر المدرسة ، رافقني طفل لا أعلم حتى أين يدرس ، كان يرافقني كظلي .

• مذا يريد ؟ سألت في استغراب .

• لا أعلم... طرح علي أسئلة عشوائية ، وإفترقنا عند بوابة الخروج .

• غريب ... أظنه فتى لطيف ، هل أقول مبارك عليك الأصدقاء ؟

• ليس لتلك الدرجة يا أمي ، لا أعلم هل سألتقي به مرة أخرى أم لا .

• أظن أنكما ستلتقيان فيما بعد .

• ربما ...

أغلقنا الموضوع وتحدثنا في الكثير من الأمور ، إنتهينا من إعداد الغذاء وذهبت أمي لإحضار مازن ، فبقيت وحدي في المنزل أقرأ روايتي المفضلة ، التي بقيت منها عدة صفحات لأنهيها .

لا أعلم كم على فتاة في عمر عشر سنوات أن تتحمل كل هذا الحزن ، الأطفال في عمري أكبر همهم أن يمتلكوا ألعابا... أما أنا ، أكبر همي ألا تفقدني الحرب أغلى ما أملك .

رن الجرس . ذهبت مسرعة لأفتح الباب . كان أمي ومازن ، تعلق بي وبدأ يقبلني قبلات متفرقة وأنا أضحك ، أخبرتني أمي أن أغير ملابسه، فعارضها قائلا :

• أمي ، بحقك . إن لم أتعلم كيفية تغيير ملابسي ، فكيف فكيف سنهزم الإحتلال ؟

ضحكنا من كلامه ، كان محقا .

وافقت أمي .

وبينما كنا منشغلين بتجهيز المائدة ...

اهتز المنزل فجأة .

إرتفع صوت الإنفجار الهائل.

ثم ساد صمت ثقيل...

وهنا علمت أني كنت أعيش في وهم ، وأن طفولتي قد فقدت بالفعل .

إنتهى الفصل الثاني ، وجاء دوركم الآن ! 🌷

رأيكم في الفصل ؟

توقعاتكم للفصل القادم ؟

مارأيكم في شخصية أمل ؟

الأم ؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين الركام

المؤلف PenOFtuiTch@
2025/09/30 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة