وسط ضباب كثيف، يلف بقعة بعيدة، بقعة لم تطأها قدم إنسان، بزغ نور هادئ يتماوج مع خرير المياه.
عندما أتى ذاك القادم يخطو بخطوات ثقيلة، منكس الرأس، بدأ النور يتراقص حوله باضطراب؛ كأنه يتلمس ملامحه ويتساءل عن سبب حزنه. تنهد "أمناي"، وتكلم بهدوء :
"لستُ بخير يا تالا... ابنتنا تضيع من بين يديَّ كما ضعتِ أنتِ."
كأن نطفة الضوء الصغيرة فهمت ما يمر به، فهدأت حركتها العشوائية، وظلت معلقة في الهواء تنتظر باقي حديثه. استطرد وهو يشد على قبضته:
"أظن أنكِ علمتِ... لقد اختارت طريقكِ ذاته، لكنني لن أدعها تختار نهايتكِ ."
صمت، يستجمع شتات نفسه، محاولا نفث مخاوفه عند طيف زوجته، لكن يبدو أنها استنكرت كلماته، فتردد صدى صوتها ينبثق من جوف الضباب، منسابًا من قاع الكهف السحيق :
"تمالوت ستثأر... هي أشجع مما تظن."
لا يعلم إن كان الصوت قد صدر من رأسه أم سمعه حقيقة، لكنه انتفض بغضب كليث جريح، وصاح صيحة زلزلت المكان:
"أنا لن أسمح بذلك! ذاك الدخيل يجب أن يموت! سأحميها بنفسي"
لكن الصوت تلاشى، وتبخرت صرخته الحانقة في جوف الكهف، كأنما ابتلعها العدم دون أثر. وقف لاهثاً، وقد ضاق صدره، محاصراً بين ماضٍ ينهش حاضره، ومستقبل جهل آخره.
لكنه قبض على مقبض خنجره حتى ابيضت مفاصله، ثم استدار نازلا الجبل.
فإن كان القدر يصر على إعادة المأساة..
فهذه المرة لن يترك البشري حيًا.
___
كانت تمالوت تسير وحدها بعيدًا عن ضفة النهر، بعدما تركت والدها خلفها مع الشامانة، لم تعد تلتفت خلفها.
لم يعد صوته يعني لها شيئًا.
منذ أن كانت صغيرة، لم تعرف معنى أن تكون ابنةً تحظى بدفء أبيها.
كان أمناي لا يرى فيها طفلة، بل سيفًا يُصقل.
وفي إحدى الليالي، حين كانت ابنة الرابعة، همست له بخوفها البريء:
"أسمع أصواتًا… في الغابة… كأني صرت أسمع وأفهم الحيوانات."
توقعت أن يطمئنها، أن يحميها.
لكن صوته حينها كان أشبه بسوط:
"كفى! اسمطي "
وقتها قالت ببراءة:
" لم أقصد... أن أغضبك"
فصاح كبركان ثائر:
" لقد ورثتِ لعنتها… اللعنة التي لم تتركنا حتى بعد موتها!"
ذلك اليوم لم تنم ولولا الشامانة لما نجت من غضبه.
ومنذ ذلك الوقت… تغير كل شيء.
بدأ الأطفال يبتعدون عنها واحدًا تلو الآخر.
كانوا يرونها مختلفة.
غريبة.
ربما… وحشًا.
لكنها لم تكن ترى نفسها أفضل مما يرونه.
إلا شخص واحد فقط.
تيفاوين.
صديقتها الوحيدة.
فجأة، صوت خطوات مسرعة قطع شرودها.
"تمالوت… هل أنتِ بخير؟"
التفتت.
كانت تيفاوين تلهث، وقلق واضح يرتجف في ملامحها.
"الجميع يتحدث عن إصابتك... ؟"
مسحت تمالوت أثر التعب عن وجهها بسرعة، وأجابت ببعض البرود: "لا شيء مهم… مجرد جرح عالجته الشامانة."
حدقت فيها تيفاوين طويلًا، فابتسمت تمالوت قائلة :" منذ متى عرفتني ضعيفة؟"
ضحكت تيفاوين رغم قلقها : "أعلم أنك شجاعة لكن متهورة أيضا. "
ثم أمسكت بذراعها بلطف، وقالت: "هيا… تعالي معي إلى الكوخ. سنتحدث هناك."
تبعتها تمالوت باسمة على حماسها الذي لا ينطفئ أبدا. وصلتا أما جذع شجرة عتيق مجوف، مثل باقي أكواخ قبيلة إيغر لكن ما يميزه هو روح صاحبته التي تعشق الزهور.
دخلت الفتاتان الكوخ، فصنعت تيفاوين مشروبا عشبيا دافئا ووضعته أمام تمالوت، قائلة:
"سيساعدك هذا على الشفاء.."
ثم نظرت لها بتركيز:
"هيا أخبريني الحقيقة يا تمالوت، أنا أعرفك جيدا هناك سر"
قالت تمالوت بهدوء وهي شاردة في البخار المتصاعد من الكوب:
"قابلت بشري. "
فقفزت تيفاوين من مكانها، مذعورة:
"بشري... هل أنت متأكدة؟"
فتكلمت تمالوت بصدمة:
"أخفضي صوتك يامجنونة... أجل بشري"
فعادت تيفاوين للجلوس :
"آسفة لم أتحكم في ردة فعلي. " ثم أكملت بصوت أقرب للهمس:"إذن تجاوزت النهر، كالعادة متهورة! "
فحاولت تمالوت إختيار كلماتها قائلة:
"كنت مصابة..."
صمتت قليلًا ثم أضافت:
" هو من عالج إصابتي."
رفعت تيفاوين حاجبيها بدهشة، فتابعت تمالوت بصوت أخفض:
"وعندما رأيته... جرحته وهربت... الشامانة تقول أن المصير قد ارتبط"
فظهرت علامات الإستفهام على تيفاوين :
"ماذا تقصد ياترى؟ "
فهمست تمالوت وهي تدير وجهها للجهة الأخرى :
"لقد صرت أشعر به وأرى ما يراه"
فصاحت تيفاوين ثانية :
"ماذا! لا أصدق؟"
وتراجعت خطوة إلى الوراء :
" أنت لا تمزحين صحيح؟ "
صمتت تمالوت فأكملت :
" إذن أنت جادة؟ ألا يمكن أن تكون لعنة؟"
صرخت تمالوت بغضب :
"هل ستتكلمين كأمناي عن اللعنة، والخطر على الغابة. "
فعادت تيفاوين للجلوس أمامها هامسة :
"آسفة لم أقصد، لكني صدمت. "
وأمسكت بيديها :"بيّني لي أكثر كيف تشعرين به"
فقالت تمالوت:
" أحيانا أرى ما يراه، ليس دائما... لكن عندما تتحرك مشاعره تكون الصور أوضح....الآن لاشيء مجرد ظلام لا أعلم ربما نائم"
تغمض تمالوت عينها لتتأكد : " لا شيء مجرد ظلام..." فجأة تشهق.
تيفاوين:" ماذا حدث؟"
تمالوت:" إنه وسط الغابة! "
ثم شحب وجهها أكثر.
"لا... مستحيل."
___