"الندبة ليست مجرد أثر مخالب... إنها بوابة"
بدأت سنفونية الليل بعزف الصرّار على أوتاره متغزلا بالبدر المكتمل وسط نجومه، فاختبأ الأخير خجلا وراء غيماته، يراقب ذاك القادم من بعيد، جذعه العلوي عار مبرزا حركة صدره المضطربة، كان يتقدم بخطى بطيئة لكن ثابتة، متجها نحو الضوء الوحيد الذي يشق ظلام الغابة ويتراقص في واديها. الدم يسيل من خده، ملوثا الأرض خلفه قطرة قطرة، لكن عيناه ثابتتان، أو ربما تائهتان كأنه لا يشعر بشيء، لا بألم الجرح ولا ببرودة الليل الذي يتسلل إلى عظامه.
وصل أمام نار المخيم، حيث كان الفريق جالسًا في حلقة مضطربة يطلبون الدّفء في برد تلك اللّيلة. إذ بيد قوية تمتد من خلفه لتطبق على كتفه في ترهيب صريح، إنه مالك، قائد المجموعة، بجسد ضخم ترسمه عضلات مشدودة وملامح حادة تظاهي صلابة اسمه فهو قبل كلّ شيء قائد الجيش الملكيّ.
ليتكلم بصوت خشن لا يخلو من سخرية:
«أين كنت أيّها الطبيب؟لمذا أنت بهذه الحال المزرية أهاجمتك إحدى ذئاب الغابة، أم أنك وقعت في فخ صيد؟ أنت تعلم أني لولا تعيينك من قبل الأمير لما قبلت بجبان، فاشل مثلك في مجموعتي.»
نفض سراج كتفه ببرود، دون أن ينظر إليه، فقد اعتاد حدة كلماته، مواصلًا تقدمه نحو خيمته. لكن صوتًا آخر ناداه، صوتًا أنثويًا هادئًا لكنه حاد كسهم:
«ماذا حدث يا سراج؟ أين قميصك وما هذه الجروح؟»
كانت داليا، الشقراء الطويلة التي نصّبها قيسار كخبيرة أحجار، لأنها أفضل من يعرف أسرارها، فهي ابنة منقب الأحجار الراحل. وقفت بثقة قرب النار، حيث تتراقص ألسنة اللهب على وجهها، وعيناها الخضراوان كزمردتين متلألئتين مثبتتان على الندبة.
توقف سراج لحظة، دون أن يلتفت:
«إحدى ضواري الغابة هاجمتني. »
ثم دخل خيمته دون أن يضيف كلمة أخرى.
ليقول مالك هازئًا:" فاشل"
فالتفتت داليا إليه بقلق، صوتها منخفض لكنه واضح:
«تلك الإصابة غير عادية. أربع خطوط متوازية... عميقة جدًا. أيمكن أن تكون من يغور؟ كما في الأساطير؟»
فيزحف احد الجنود متراجعًا – شاب نحيف ذو عينين واسعتين – مبتلعًا ريقه من الخوف:
«إذن الغابة تراقبنا... لقد علموا بمجيئنا. أسنموت جميعًا؟»
لتقول داليا:"لا أؤمن بالخرافات لكن لا أحد يعلم ما سيحدث. "
وتصوب نظراتها نحو شاب متكئ على جذع شجرة واضعًا ساقًا فوق الأخرى ومدنيا قبعته على وجهه:
"وأنت يا ليث ما رأيك، لدي ثقة في ذكائك. "
رفع رأسه بابتسامته الجانبية الغامضة:
"بعض الأساطير تنتظر لحظتها... لتصبح حقيقة. "
وكأن الغابة أيّدت جملته ليصدر من بعيد نعيق بومة،
أدخل الذعر في نفوسهم فيصرخ مالك بغضب،ضاربًا بقبضته على ركبته:
«بماذا تهذون، لن يموت أحد! سننجز المهمة التي كلفنا بها سموّ الأمير. وإذا كان هناك خطر، فسندفعه بالسيوف لا بالهمسات.» مشددًا بقبضته على سيفه.
أما داخل الخيمة، جلس سراج على الأرض، أضاء مصباحًا زيتيًا صغيرًا. أخذ قطعة قماش مبللة وبدأ يمسح الجرح، ورغم ملامحه التي كساها الألم إلا أنه كان شاردًا في تلك السمراء التى رآها تتحول أمامه أيعقل أن الأسطورة حقيقية؟
كان هذا تساؤله وهو يضع بعض الأعشاب المطحونة على ندبته ضاغطًا قليلا بكف يده. لكن فجأة...
ومضت في ذهنه صورة خاطفة: شخص يتألم، يده على صدره، عينان ذهبيتان تنظران إليه مباشرة. اختفت الصورة في لمح البصر. فسحب يده فزعا لايسمع سوى صوت أنفاسه وضحكات المجموعة في الخارج، كان جرحه ينبض بإيقاع منتظم، ليس كإيقاع قلبه، بل كإيقاع قلب آخر يركض في مكان بعيد وسط الأشجار.
أعاد لمس الجرح بيد مرتعشة، فجاءت صورة أخرى: يغور أسود يحاول الهجوم، عضلاته مشدودة، أنيابه مكشوفة. ثم صورة ثالثة: نفس اليغور يتراجع، كأنه يشعر بألم في كتفه... ألم ليس له.
تتوالى المشاهد القصيرة المتفرقة كومضات برق: ضفة نهر، شعر أسود كالليل، مخالب تخرج ثم تتراجع. أمسك سراج برأسه بكلتا يديه، يحاول إيقافها، يفهم ما يحدث لكن سكن كلّ شيء فجأة.
«ما هذا...؟» همس لنفسه، صوته مرتجف لأول مرة.
كانت الندبة تنبض بالحياة، كجسر حي بينه وبينها. كلما لمسها، شعر بألمها...
لكن ما لم يعلمه سراج أن تمالوت في تلك اللحظة شعرت بالندبة نفسها.