اللقاء

اللقاء

39 0

مياه رقراقة تشق غابات "إيغر" ، معلنة بداية الحياة وربما نهايتها، لذاك الجسد الملقى على ضفتها. أنفاسه تعلو وتهبط بصعوبة، تكافح لتهديه بصيص أمل في النجاة.

كان مضرجًا بدمائه، التي دبغت الأرض حوله بلون أحمر داكن، امتزج مع رطوبة الطين فبعث في المكان رائحة معدنية، تجذب الزوار المتطفلين والجائعين من مفترسات الغاب.

لكن من ذا يجرؤ على الاقتراب منه، وقد ربض نمر مرقط جوار رأسه، يلعق كتفه الجريح بحنان غريزي، بينما عيناه الحادتان تترقبان الظلام بصمت.

شعر بحركة خلفه. حفيف أوراق الأشجار وتكسر أغصانها الصغيرة، أيقظت حواسه. رفع أذنيه مصغيًا بتمعن، متأهبًا ومستعدًا للهجوم، عضلاته مشدودة، مخالبه بارزة، مكشّرًا عن أنيابه، مصدرًا زمجرةً منخفضةً.

ليخرج من ظلام "إيغر" بشريًا... ملامح الغضب تغزوه كأنه خاض معركة للتو، العرق يغطي جبينه، وشريان نابض يكاد يفر من تحت جلده. لكنه تجمد في مكانه، لما رأى الوحش أمامه يحدق فيه بأعينه الكهرمانية.

بينما كان الضاري "أكسيل" يميز رائحته إنّه ليس من أبناء قبيلته، إنه دخيل.

حاول "سراج" الثبات واستجماع شجاعته، فقد تراجعت فورة غضبه أمام خوفه، ابتلع ريقه بصعوبة، أخذ شهيقا طويلا لتصل إلى أنفه تلك الرائحة الدامية فينظر وراء المفترس ليرى الجسد الأسود غارقًا في دمائه.

يغور أسود عظيم مصاب، لكن كيف وصل هذا الحيوان إلى هنا؟ هل الأسطورة حقيقية؟

كانت هذه تساؤلات سراج وهو يتراجع خطوة للخلف. عقله يطالبه بالفرار، لكن قلبه يدفعه للنجدة، فكيف يتركه ينزف هكذا؟

تقدم بخطوات بطيئة، يداه مرفوعتان في إشارة تهدئة، ليخرج صوته أقرب للهمس:

"اهدأ... لا أريد أذى."

سكنت الزمجرة تدريجيًا. نظر إليه "أكسيل" طويلاً، ثم ابتعد خطوة واحدة، مفسحًا له المجال فقد أدرك صدق نواياه، كما أن صاحبته المصابة بحاجة للمساعدة.

اقترب الطبيب بحذر شديد، ركع على ركبتيه، أخذ يتفحص الجرح الذي امتد من كتف اليغور الأسود إلى صدره.

أسرع يفتش حوله عن بعض الأعشاب الطبية، يبحث بحذر وصبر إلى أن وجد مراده. فاقتطف بعض الأوراق وقربها من أنفه يشمها، للتأكد منها، ثم أخرج من جيبه مطحون عشبة مزجه مع البقية. بدأ يضع العجينة على الجرح بلطف وأنامل مرتجفة خشية أن يهاجمه. ثم نزع قميصه، مزقه على عجلة، وربطه بإحكام.

نظر لأكسيل الذي بقي يراقبه بصمت قائلا:

" لا تقلق صاحبك بخير، فقط عليّ تخفيض حرارته. "

وكأن الأخير فهمه، فلم يتحرك من مكانه مفسحا له المجال لمساعدة صديقته.

1

اقترب سراج من مياه النهر وغسل يده من الدماء التي لوثتها، ثم حمل حفنة منها بين كفيه العريضين وشرع يرشها على وجه اليغور. و ما إن لامست القطرات فروه حتى بدأت رموشه تتحرك.

ليطلق زئيرًا هز الغابة، وأفزع الطيور من مرقدها مما جعل سراج يتراجع للخلف. فتح الوحش الأسود عينيه بصعوبة، بدأت أنفاسه بالتسارع ونبض قلبه صار كصوت الطبول تضرب في أذن سراج، الذي ارتعشت فرائصه من هول المشهد؛ المخالب تتراجع، الفرو يختفي والعظام تتقلص... ثم ظهر جسد بشري، فتاة!؟

فتاة سمراء ذات شعر أسود كالليل يكاد يغطيها، جسدها يرتجف من أثر الحمى، تحاول الوقوف بصعوبة بالغة. لكن لم تدم دهشته طويلاً، إذ رفعت "تمالوت" رأسها تجاهه و رمشت بأهدابها الطويلة، فضاقت عيناها تحت أشعة الشمس المتسربة من بين أشجار الغابة.

استعادت تركيزها فأدركت رؤية هذا الغريب لتحولها، أخرجت مخالبها بسرعة البرق وتركت على وجهه أربع خطوط دامية، لن تمحى طوال العمر.ثم فرت هاربة وسط الغابة بأقصى سرعتها، يتبعها رفيقها المرقط.

بينما سقط سراج على الأرض مذهولاً من هول المشهد، عقله لا يستطيع الاستيعاب، هل ما رآه حقيقة أم حلم، فيرفع يده المرتجفة بصعوبة كأنه يريد تكذيب ما رآه، فيضع أصابعه على الندبة التي رسمت على وجهه لكنها تلطخت بالدّماء مؤكدة له الواقع فهو لا يحلم.

وتعود به ذاكرته إلى نقطة البداية...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمالوت

المؤلف شيرين
2026/04/19 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة