قاعة العرش

قاعة العرش

30 0

​جدران مرمرية، تلف قاعة رخامية واسعة، تتلألأ أسطحها تحت لهب نيران أرجوانية خافتة، مسلّطة ضوءها على عرش مخملي أسود ازدانت حوافه بالذهب المرصع بالياقوت.

​وسط هذا السكون، كان قيسار يجوب القاعة جيئة وذهاباً بخطوات واسعة وأنفاس مضطربة. كانت قبضته محكمة على مقبض سيفه بعنف، بينما عيناه السوداوان تائهتان في ألسنة النار المتراقصة، وعقله شارد يحاول إمساك طرف الخيط:

أيعقل أن الوريث الشرعي لا يزال حياً؟ أيعقل أن ذاك العراف اللعين قد أحسن تأويل رؤياه؟

​تلك الرؤيا التي غرست مخالبها في ذاكرته، ولن ينساها أبدًا: دخان كثيف يتصاعد من أعماق غابة إيغر، نار غاضبة تفتح فاهها لتلتهمه، وعيون ذهبية تحدق فيه من وسط العتمة ...

​انتفض قيسار في مكانه وفتح عينيه فجأة، العرق يغرق جبينه بينما صدره يعلو ويهبط بعنف. كلما شرد، هاجمته الرؤيا بذات القسوة، ليعاوده ذلك الشعور الخانق؛ كأن حبل المشنقة يلتف حول عنقه. سعل بشدة، فمد يده المرتجفة يبحث عن كوب ماء يطفئ به لهيب صدره.

​في تلك اللحظة، وصله طرق خفيف على الباب الضخم، ليوِقن على الفور أنه وزيره وحامل أسراره.

​انفتح الباب ودخل الوزير رماح، منحنياً بجذعه الطويل الأسمر وقامته الممشوقة، قائلاً بنبرة تفيض بالاحترام:

"جلالتك، هناك من يطلب مقابلتك في هذا الوقت المتأخر. يقول إنه يريد الانضمام إلى الفريق المتوجه للغابة."

​ضيّق قيسار عينيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دهاء، وهو يضع كوب الماء جانباً:

" ومن هذا الشجاع— الأحمق—الذي يقدم نفسه فدية في سبيل حياة الملك؟"

​أجابه الوزير بما جمعه من معلومات:

"كان واقفاً أمام بوابة القصر الخارجية، يرجو مقابلتك. ورغم ضرب الحرس له وطرده مراراً، كان مصراً. عندما تناهى الأمر إليّ تم استدعائي لتبين أمره؛ أخبرني أن اسمه سراج، وهو من شعبنا، ويعمل طبيباً."

​هز قيسار رأسه ببطء، وعيناه تلمعان بمكر:

"طبيب يفتدي الملك بحياته؟ لا أعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي يا رماح. لا أظن رجلا عاقلا، يتحمل سياط الحرس عند البوابات في سبيل إنقاذ الملك."

​أكمل الوزير رماح حديثه مؤكداً شكوك سيده:

«أجل جلالتك، توقعت ذلك؛ لذا أرسلت أحد جنودنا الأوفياء لتقصي أمره. زوجته متوفاة، ولديه ابنة صغيرة مريضة بمرض خطير غامض... تكاد تموت.»

​اتسعت ابتسامة قيسار بخبث وتمتم بمكر:

"إذن، هو كبش فداء يريد إنقاذ ابنته، وهذا يجعله ورقة طيعة في أيدينا. أدخله يا رماح."

​أحنى الوزير رأسه طاعة، وأشار للجنود بفتح الأبواب. دلف سراج إلى القاعة الرخامية، وكانت حالته رثة للغاية؛ قميصه ممزق، ووجهه ملأته الكدمات الزرقاء والدماء الجافة.

​منذ وقعت عينا قيسار عليه، حتى عاوده ذلك الشعور اللعين بالاختناق، كأن الغرفة تضيق فجأة، لكنه تجاهله، متقدماً نحو سراج بخطوات بطيئة واثقة، قائلاً بنبرة جليدية:

"حياة الملك ليست لعبة ليعرضها كل عابر طريق كبضاعة، يا هذا."

​رغم الآلام الجسدية المبرحة وشعوره بالمهانة، ركع سراج على ركبتيه أمام العرش، حانياً رأسه إلى الأرض وقال بصوت متهدج:

"أعلم ذلك سموك وأنا أعتذر إن أغضبتك. لكني جئت راجياً سماحكم لي بالمشاركة بحياتي في إنقاذ الملك..."

​خطا قيسار خطوة إضافية، ورفع ذقن سراج بطرف سيفه البارد ليجبره على النظر في عينيه، قال متهكماً:

"إنقاذ الملك؟ طبيب مثلك يعلم أن الموت ينتظره في أعماق الغابة المشؤومة، فلماذا يبحث عن حتفه؟ هل تظن أن الولاء الأعمى للملك ينطلي عليّ؟"

​ابتلع سراج غصته، وتسلل الخوف إلى نبرته لكنه حافظ على ثباته:

"الأمير قيسار... أنا رجل داويت المئات، لكنني أقف عاجزاً أمام طفلتي. لستُ بطلاً، أنا أب يعلم أن طاقة حجر اليغور هي آخر آمالي لاستعادة ابنتي من حافة الموت. خذ حياتي، لكن اتركني أداوي صغيرتي."

​تراجع قيسار خطوة للوراء، ومسح ذقنه بكفه وهو يرمقه بنظرة متفحصة حادة، ثم قال بخبث:

"الحجر للملك أولًا. لكن إذا أطعتَ ونجحتَ في مهمتك… قد أعطيك شيئًا من قوته لابنتك. هل توافق على هذا الشرط؟"

​التمعت الدموع في عيني سراج، وأومأ برأسه دون تردد:

"أقبل... أقبل بأي شيء. "

​هز قيسار رأسه ببطء دلالة على الموافقة والقبول. في تلك اللحظة، نزلت دمعة صامتة؛ دمعة فرح ممزوجة برعب المجهول.

1

فهذا الخيط الرفيع الذي ظهر له من العدم كان كافياً جداً ليتشبث به.

​نهض بصعوبة بالغة، جسده يرتجف من الكدمات، شكر الأمير داعياً بشفاء الملك، ثم انصرف خارجاً من القصر.

​بمجرد أن وطئت قدماه عتبة البوابة، عاد إلى بيته راكضاً كالمعتوه في شوارع المدينة . من يراه في تلك الحالة—بثيابه الممزقة ووجهه الدامي—يظن أن الطبيب الحكيم قد فقد صوابه تماماً. لقد ركض وركض حتى تقطعت أنفاسه.

​دخل منزله المتواضع وارتمى عند فراش طفلته. قبل يدي "قمر" النحيفتين، ثم طبع قبلة حانية طويلة على جبينها الملتهب. نظر إلى وجهها الشاحب، قاطعاً لها وعداً صامتاً: لن يعود إليها إلا وهو يحمل الحجر.

​أعد عدته الطبية وحقيبته بسرعة فائقة والوقت يداهمه. فكّر كثيراً أين يمكنه ترك قمر في غيابه، ولم يجد خياراً أفضل من جارته العجوز الطيبة؛ زارها وعرض عليها الأمر، فوافقت بقلب رحيم على الاعتناء بالطفلة وسقايتها حتى عودته.

​خرج سراج من الباب، وعيناه معلقتان بالسماء، بينما كان الليل البارد يبتلع خطواته نحو المجهول...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمالوت

المؤلف شيرين
2026/04/19 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة