ندبة تنبض بغضب

ندبة تنبض بغضب

23 0

​خشخشة أعشاب يابسة تدنو من المخيم، قدم ضخمة تستقر وسط رماد النار، غير عابئة بجمرٍ لا يزال يستعر تحتها. وبحاجبين أبيضين يتراقصان بنصر فوق عيون ثعلب لا تخطئ هدفها، خرج صوت جهوري من بين شفاه غليظة صبغها التبغ بلون أرجواني قانٍ:

"أفيقوا يا جماعة ... هاقد عثرت على الكنز!"

لتصدر حركة فوقه، و​لم تكد عينه تصوَّب إلى الأعلى حتى قفز أمامه ليث يتمطى من نومه، يعدل قبعته بابتسامته الجانبية العابثة، قائلاً بتثاؤب:

"أهلاً... أهلاً بحفارنا، لقد اشتقنا لرؤية وجهك الصبوح."

ليجيبه صلد بنفس المكر:

"أهلاً بسنجابنا الذي يعشق التأرجح بين الأشجار."

​انطلق ليث ضاحكاً، في حين خرجت داليا من خيمتها وبسمة ساخرة ترتسم على ثغرها:

"عن أي صباحة تتحدث يا ليث؟ إن وجهه يرعب ضواري الغابة!"

التفت إليها صلد وعيناه تشتعلان:

"إتقي شري يا ابنة أثير، لولا مكانة والدكِ الراحل عندي لأريتكِ وجهي الآخر."

بحة خفيفة غلّفت صوته وهو ينطق اسم والدها، التقطتها أذن داليا، لكن كبرياءها رفض الانصياع لها، فصوّبت نحوه نظراتها الزمردية متجنبة الجدال: "ألم تقل أنك وجدت الكنز، أم أنها مجرد ضجة تثيرها كالعادة؟"

قال صلد بثقة ملأت نبرته: "أنا الحفار صلد، سيد الصخور وأعرف مكنونها. وجدت نفقاً أجزم يقيناً أنه يوصلنا إلى حجر اليغور."

استهزأت داليا: "الحفار صلد! ما كل هذه الثقة العمياء؟ نحن نبحث منذ شهر ولم نصل لشيء، وتجده أنت في يومين؟"

​دون كلمة، أخرج نبتة من خلف ظهره وألقاها أرضاً أمامها: "ألم يكتب أثير قبل وفاته أن هذه النباتات تستمد قواها من الحجر، ولا تنبت إلا قريبة من هالات طاقته؟ أليست هي ذاتها المرسومة في دفاتره؟"

1

​ارتجفت نظرات داليا، وتهاوت قواها لتسقط على ركبتيها، حاملة تلك الأوراق الخضراء الصغيرة والبرعم المغلق بين كفيها برفق شديد، بينما انحبست دمعة متأثرة بذكرى والدها في عينيها، لم تخطئ عينا الحفار في اصطيادها.

​في هذه الأثناء، خرج سراج من خيمته على وقع صراخهم. كان شاحباً كالموت، عيناه حمراوان من قلة النوم والبكاء، بكاء حزن على إبنته التي لايعرف إن كانت حية أو ميتة، وحيدة تجابه المرض. كان يخبئ بعناية فائقة بين طيات ثيابه الورقة التي تحمل رسمة صغيرته، والتي لا يعرف سرها سوى ليث.

حاول السيطرة على التشويش العارم في عقله، ليقف بينهم قائلاً بصوت متعب:

"كفى… نحن فريق واحد. إذا كان هناك نفق، فلنتناقش بهدوء."

​التفت إليه ليث محاولاً تلطيف الأجواء:

"أخيرًا خرج الطبيب من كهفه! تعال يا سراج، قل لنا... أنثق بالحفار أم بالخبيرة؟"

​قبل أن ينطق سراج بحرف، عصف به نبض حاد متفجر في خدّه.

​(في نفس اللحظة، في البقعة الأكثر هدوءً من إيغر...)

كانت تمالوت تقف والشرر يتطاير من عينيها كأنه لهيب مستعر. يداها المرتجفتان سقطتا جانباً بعد أن هوت صفعة مباغتة وقوية على وجهها من والدها أمناي. وبأنفاس متسارعة تكتم قهراً مخنوقاً، صرخت:

"قلت لك لا تذكر أمي بسوء!"

كان أمناي يلهث غضباً، ويده لا تزال معلقة في الهواء تهم بصفعة أخرى، لولا أن تماغارت انتفضت عن الجذع العتيق وصاحت بنبرة مزقت السكون:

"توقف يا أمناي!"

تجمدت يد الزعيم، ليزأر بصوت هز الأشجار:

"لقد تجرأوا على الاقتراب! طاقة الحجر تتسرب، والغرباء يطوقون الحدود... إنهم يعبثون بطاقة إيغر!"

​(في المخيم...)

صرخ سراج صرخة مدوية، وتراجع إلى الوراء قابضاً على وجهه بكف يده كأنما تلقى الضربة ذاتها. وقفت داليا بسرعة وتراجعت برعب وهي ترى الندبة على خده تتحول فجأة إلى خط ذهبي متوهج يشع بالضوء.

​غابت ابتسامة ليث العابثة تماماً، واندفع بسرعة فائقة ممسكاً بسراج قبل أن يهوي أرضاً، يهمس بقلق: "سراج! أفق... ما الذي حل بك؟!"

لتهمس داليا:

"قلت لكم فضربته غير عادية!"

فيلتفت ليث صارخاً بصلد:

"احمله سريعاً! لا يجب أن يراه مالك أو الجنود بهذه الحال.. علينا إبعاده عن المخيم حتى نفهم ما يحدث!"

لم يتوان الحفار وحمل جسد الطبيب الشاحب على كتفه الضخم بسهولة وانطلق به لعمق الغابة تتبعه داليا وليث. وفي كفي داليا المرتجفتين، بدأت الأوراق الخضراء والبرعم المغلق بالاهتزاز بعنف، ليس بفعل الرياح، بل لأن أصداء طاقة خفية وعظيمة بدأت تتردد من أعماق غابة إيغر...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تمالوت

المؤلف شيرين
2026/04/19 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة