قبل سنة، كان سراج جالسًا خلف مكتبه الخشبي العتيق، الخوف يكاد يقتله ، يعتصر قلبه بيد من حديد.
إلى جواره، على فراش بسيط، يرقد جسد ضئيل يرتجف من أثر الحمى.
إبنته قمر، فتاة في الخامسة من عمرها، ذات بشرة بيضاء شاحبة وخصلات ذهبية، ورثتها عن أمها، تناثرت على وجهها ملتصقة بالعرق.
كان يراقبها بعينين دامعتين، وسط سكون ثقيل يقطعه فقط صوت إرتجافها تحت الأغطية الثقيلة. شمعة وحيدة على المكتب ترسل لهيبًا خافتًا، لا يكاد يبدد الظلام الموحش الذي يحيط بهما.
حاول سراج استجماع شتات نفسه. عاد يقلب بين كفيه كل ما أتى عليه من مراجع وكتب طبية. كان يقرؤها بنهم شديد، متمعنا في الكلمات، حتى وقعت عيناه على كتاب لاحظ وجوده لأول مرة.
التقطه بيده يمسح عن غلافه الغبار بكم قميصه ثم نفخ عليه فأثارت السحابة نوبة سعال سريعة.
فتحه بفضول، وشرع يقلب صفحاته المهترئة، لتقسط من بينها ورقة قديمة، إنحنى يلتطقتها، ضاربًا جبينه بخفة، متذكرًا كيف حصل على الكتاب.
فكيف ينسى ذاك المعتوه الذي التقى به يومها يهم بحرقه، لينتزعه منه مقدما له حفنة من النقود، فقد ظن أن الكتاب عن المداوات بالأعشاب لكنه فوجئ أنه لا يعرف أي من النباتات الموجودة فيه،ولم يرى واحدة منها يوما. لكن هذه الورقة ماذا تكون.
فتحها بخفة خشية أن تتمزق ليجد أنها خريطة، لكنها غريبة، فهذا ليس حبرًا، قربها من أنفه ليرفع حاجبيه بإدراك وخوف؛ هذا دم جاف لكن هناك رائحة نفاذة تطغى عليه رائحة شبيهة بالجذور أو النباتات لكن لم أنفه لم يتعرف عليها، أعاد طيّ الورقة على عجالة وألقاها في درج المكتب وسط دفاتره.
فلا ينقصه الان إلا التورط في المشكلات ليس لديه وقت ليضيعه على هذه الخرافات. إبنته تحتاج علاجًا حقيقيًّا لا أساطيرًا. لن يخسرها كما خسر زوجته. لايستطيع.
مرت الشهور ثقيلة كالجبال، والوضع يزداد سوءًا وضراوة. لم يعد يخرج من بيته إلا نادرًا لجمع الأعشاب الطبية وتحضير الوصفات للتخفيف عنها، لكن دون فائدة تُذكر فمازال جسد قمر يضعف يوما بعد يوم. مما جعل اليأس يتسلل إلى ضلوعه.
وفي أحد الأيام، بينما خرج إلى السوق لشراء بعض الطعام – الذي لم يعد يتذوقه إلا علقما – تناهى إلى سمعه همس امرأتين وراء إحدى عربات التوابل:
«سمعتِ؟ الملك مصاب بمرض عضال لا شفاء منه... الأمير يجمع خيرة مقاتليه ليرسلهم إلى غابات إيغر المظلمة بحثًا عن حجر اليغور... قال العراف ن أنه الوحيد القادر على شفائه... هل تصدقين مثل هذه الأساطير؟»
توقف سراج مكانه، سقطت سرة الطعام من يده لتتدحرج حبات التفاح الحمراء على الأرض، اخترقت الفكرة رأسه كومضة برق في ليل دامس.
سمع عن قوى حجر اليغور من قبل لكنه كان يعتبره مجرد خرافة... حتى هذه اللحظة.
لكن اليأس مصيدة تجعل الرجل يتشبث في قشة، لعلها المنجية وسط الموج.
في تلك الليلة وقف أمام ابنته.
ماذا يفعل ؟
هل يصدق هذه التراهات؟
وهل نجحت عقلانيته؟
لكن من يضمن؟
لكنه أيضا لن يخسر شيىا فليفعلها وهكذا اتخذ قراره:
إما أن يموت في غابات إيغر... وإما أن يعود بحجر ينقذ إبنته.