اخترقت أولى خيوط الفجر أشجار إيغر، كاشفة ستار الليل عن أسرار قاطنيها. فتمطت الكائنات من مرقدها، مرهفة السمع إلى صوت خطوات ثقيلة، متعبة، لتتوقف أمام شجرة عتيقة، تعاند وطأة العمر لتزداد ضخامة وصلابة.
تصدر زمجرة خفيفة من الخلف، فتلتفت تمالوت متأوهة بصعوبة، مصوبة ذهب عينيها على يغوها المرقط. تمد يدها السليمة لتضعها برفق على رأسه، فيرفع أنفه مداعباً كفها ويلعقها بخفة كأنه يواسيها في محنتها، فتربت عليه هامسة بحنان:
«لا تقلق يا أكسيل… سأكون بخير.»
ثم واصلت طريقها، بأنفة وشجاعة لا يضاهيها فيهما أحد، تشتعل عيناها بنار قوة تلجم أفواه المتطفلين. تجاوزت أنظار الأطفال والمحاربين الذين بدأوا يلاحظون الدماء على ثيابها. كانت قواها تتهاوى وتكاد تسقط مغشياً عليها، فجرح صدرها لا يزال يخزها بشدة وينزف تحت الضماد المرتجل الذي وضعه سراج، لكنها أخرجت مخالبها وتسلقت الجذع الضخم بسرعة هائلة، حتى وصلت قمتها.
وطئت قدمها تلك البقعة المعشبة، التي تنتشر فيها نباتات نادرة تعبث روائحها بأنف تمالوت، لكنها تجاهلتها وتوجهت مباشرة نحو قبلتها؛ ذاك الكوخ العتيق الذي قررت صاحبته الانعزال فيه بعيداً عن قريتها. وما إن التقطت الشامانة رائحتها، حتى فتحت لها الباب قبل أن تصل قبضتها إلى خشبه المهترئ.
ولجت تمالوت الكوخ حانية الرأس، تنتظر توبيخ العجوز التي ترك العمر على وجهها خريطة تروي تاريخاً طويلاً امتزج مع وشومها، ليرسم مجد القبيلة بين ثنايا جلدها. لكنها تجاهلتها تماماً وتشاغلت عنها غير مكترثة لوجودها، حتى استُنزفت تمالوت تماماً فسقطت على الأرض.
تربعت العجوز أمامها واضعة جوارها الهاون الذي تفوح منه روائح غريبة، ومدت يديها ذات التجاعيد نازعة الضماد عن جرحها، مقطبة حاجبيها بغضب دون أن تنظر لوجهها:
«رائحة البشر عالقة فيكِ يا تمالوت! أي مصيبة فعلتِ؟ فهذه ليست أعشابنا، ولا هذا القماش من صنعنا… يا أميرة.»
ورغم أنها أميرتهم، إلا أنها تخشى هذه العجوز كما يخشاها الآخرون، فقالت بارتباك:
«أرجوكِ… لا تخبري الزعيم، سيغضب بشدة.»
وجهت لها "تامغارت" نظرات حادة كالسهام قائلة:
«أتظنينني طفلة تملين عليها ما تفعل؟ ثم إني سألتكِ ماذا حصل، أجيبيني ولا تتهربي كعادتكِ.»
فأخفضت تمالوت رأسها وقالت بخوف:
«كنت وقتها أتدرب على السيطرة على قوى الغابة، وقررت القيام بجولة مع أكسيل.»
لتقاطعها تامغارت ساخرة بحدة:
«وقطعتِ النهر ضاربة بالقواعد عرض الحائط كالعادة! ستظلين متهورة.»
لتواصل تمالوت ببعض الخوف:
«فجأة شعرت بشيء حاد يخترق صدري، كانت قطعة معدنية حادة. فبحثتُ ببصري المتعب عن الغريم، فلم أجد سوى آلة حديدية صمّاء، مغروسة في جوف الأرض كأنها تنفث حقد الصنّاع، تطلق تلك السهام الغادرة.»
بأنامل مجهدة، استلت مقذوفاً حديدياً أشبه بنصل خنجر، ووضعته في حجر العجوز. قلبته الأخيرة بين كفيها وقربته من أنفها متمتمة:
«إن به سمّاً... يبدو أنكِ محظوظة، فلولا أنكِ المختارة لما نجوتِ. واصلي... ماذا حدث بعد ذلك؟»
فتنهدت تمالوت وقالت:
«بعدها فقدتُ وعيي، وعالجني بشريّ.»
وآثرت الاحتفاظ بالتفاصيل لنفسها. هزت الشامانة رأسها، ثم أخذت الهاون ففاحت رائحة نفاذة من جوفه، وما إن همّت بتطبيق الخليط على الجرح، حتى سحبت يدها مذهولة! فقد نبض الجرح بضوء ذهبي خافت أحدث رعشة في أطراف العجوز رغم جمود ملامحها، متمتمة:
«أجرحتِهِ يا تمالوت؟... لا تقولي أنكِ فعلتِها!»
صمتت تمالوت خائفة، فألقت تامغارت ما بيدها لتطبق على كتفيها وتهزها بغضب هادر كالرعد:
«أجيبيني.. هل فعلتِها؟!»
كانت نظراتها ترجو أن تكون لأول مرة مخطئة في حياتها، لكن سقطت عليها الكلمات كالسهام من شفتي الأميرة:
«لمّا... لمّا رآني أتحول أمامه… خفتُ. فجرحتُهُ بمخالبي وهربت.»
فتهاوى كتفا الشامانة بضعف وهي متمتمة بذهول:
«التاريخ يعيد نفسه... المأساة قادمة لا محالة... لقد ارتبط المصير!»
سألتها تمالوت بعينين غائرتين من الخوف، وصوت يكابد كي يخرج من حنجرتها:
«ماذا تقصدين؟»
لكن تامغارت لم تجبها، بل بدت شاحبة كأن الروح قد فرت من عروقها. وظلت شاردة الذهن وهي تعالج الجرح دون التفاتة، رغم تأوهات تمالوت من شدة الألم.
ولما لم تستطع الأخيرة الحصول على إجابة من بين شفتيها الصامتتين،تحاملت على نفسها وانطلقت إلى أكثر بقعة تشعر فيها بالأمان؛ وصلت إلى عرائش نباتات متشابكة فأبعدتها بكفها المجهدة. تفتحت أمامها بقعة خضراء شاسعة امتدت عليها أزهار أرجوانية صغيرة تُدعى "أمجير"، وقد سلطت الشمس أشعتها الدافئة على مياه عذبة، صافية تشق هذه الخضرة.. إنها إحدى ضفاف النهر المختفية وسط إيغر.
جلست عند الحافة، وبدأت كعادتها ترمي الأحجار وسط النهر صانعة دوامات صغيرة تتسع على سطحه، لتفاجأ بفراشة بيضاء تقترب من أنفها، فنظرت إليها مبتسمة. لكن فجأة… باغتتها ومضات غريبة، كأنها دُلفت رغماً عنها داخل عقل شخص آخر!
نار مخيم تشتعل… أصوات رجال يتحدثون… امرأة شقراء تقف بثبات... ألم مباغت يداهم وجهها... لكن هناك ألم أشد يطبق على صدرها كأن قلبها يختنق! صورة فتاة مرسومة بالحبر ترفرف أمام عينيها، ودمعة ساخنة -ليست لها- تشعر بها تنساب على خدها.
أمسكت تمالوت رأسها بقوة، وبدأت تزأر بغضب هائم تحاول إيقاف تدفق تلك الصور والألم الطاغي الذي صاحبها. وفجأة، جفلت حين شعرت بيد ثقيلة توضع على كتفها!
التفتت لتجد الزعيم "أمناي"، والدها، واقفاً بجبروت وهيبة. انتفضت تمالوت قائمة بسرعة، ليخاطبها بصوت جهوري يقطر غضباً:
«"تماغارت" أخبرتني بكل شيء.»
فأسرعت تمالوت مدافعة عن نفسها بنبرة مهتزة:
«أنا حتى الآن لا أعلم ما الذي يحدث معي!»
في تلك اللحظة، انشقت العرائش المتشابكة لتخرج الشامانة من بينها وهي تتكئ على عكازها. وبصوت حنون، نادٍ، شابَهُ الشجن لأول مرة يُسمع منها، خاطبتها قائلة:
«لقد كنتِ تشعرين به، صحيح؟ لقد صرتِ مرتبطة به تماماً.. لم تعودي حارسة الحجر الوحيدة في هذا العالم.»
تملك الرفض والعناد من جسد الأميرة المنهك، فهتفت بحدة واشتعلت عيناها الذهبيتان:
«لن أقبل بهذا أبدًا! سأحمي إيغر بأي ثمن… حتى لو تطلب الأمر أن أقضي عليه بيدي!»
ساد السكون، لينظر لها والدها الزعيم بنظرة امتزج فيها الحزن العميق بالسخرية المرة، وقال بصوت منكسر ومخيف:
«حتى أمكِ الراحلة قالت الكلمات نفسها ذات يوم.. لقد ورثتِ منها كل تهورها!»