بعد مغادرتنا للسجن، اتجهنا مباشرة إلى المستشفى لمقابلة شون لايت، و عندما سألناه إن كانت قصة قطعه لإصبع الطفل الصغير صحيحة أومأ لنا بالإيجاب، كما أنه أكد لنا أيضا إستنتاجاتنا بأنه نفس الطفل الذي إقتحم منزله بعد عدة سنوات عندما خرج من السجن، حيث قام بقطع لسانه و يديه من الرسغين إنتقاما لموت أبيه، و قد تعرف عليه عندما لاحظ بأن أحد أصابع يده كان مقطوعا.
كانت هذه المعلومات كافية من أجل أن نتأكد بأن هذا الطفل هو نفس الشخص الذي يلقبونه بالقائد، و لكن حسب ما قاله كريس لايت سابقا فهذا الطفل قد مات مع أمه في حادث مرور. و حتى نتأكد من صحة هذه المعلومة و أن موته صحيح و ليس مجرد خدعة، كان يجب علينا أن نعرف هويته الحقيقية، و من أجل ذلك عدنا لمركز الشرطة و أطلعنا رئيس الشرطة بما توصلنا إليه.
بما أن رئيس الشرطة كان المحقق المسؤول في الماضي عن قضية موت هذا الرجل، فقد قال لنا بعد أن أحضر ملفه من الأرشيف و قام بفتحه أمامنا: هذا الرجل لم يكن له أبناء، لكنه قام هو و زوجته بتبني طفل عمره تسعة سنوات و إسمه بيتر.
ثم أغلق الملف و قال: بعد مرور شهر من موت هذا الرجل، تعرضت زوجته لحادث مرور بينما كانت تقود سيارتها، و عندما وصل المسعفون لمكان الحادث وجدوها قد فارقت الحياة. و بالنسبة للطفل فقد تعرض لبعض الرضوض و الكسور، فأخذوه للمستشفى و عالجوه، لكنه اختفى تماما بعد مرور أسبوع من إقامته هناك، و المرجح أنه قد قام بالهرب. و قد بقي إلى يومنا هذا في عداد المفقودين و لا يعلم أحد مكانه، مع أننا أمضينا وقتا طويلا في البحث عنه.
كان ما قاله رئيس الشرطة كافيا لمعرفة أن هناك إحتمالية كبيرة بأن يكون هذا الطفل لا يزال على قيد الحياة، و كنت قد بدأت أقتنع بأنه هو الشخص المطلوب الذي نبحث عنه و الملقب بالقائد. و بالنسبة لطفل عمره تسعة سنوات لا بد أن يكون الآن في بداية عقده الرابع، كما أعتقد أيضا بأنه يعيش في مكان ما بإسم مختلف حتى يبعد عن نفسه الشبهات.
في اليوم التالي اتجهنا للميتم الذي عاش فيه بيتر عندما كان صغيرا محاولة منا لمعرفة أي معلومة قد تدلنا عليه. و بعد أن استقبلتنا المديرة في مكتبها قال جيم: لقد جئنا إليك طلبا في المساعدة، فنحن نبحث عن شخص ما، و هو طفل قد عاش هنا قبل ثلاثين سنة، و قد قامت إحدى العائلات بتبنيه، لكنه اختفى في ظروف غامضة بعد تعرضه لحادث و دخوله للمستشفى.
فأجابت: إن كان قد حدث هذا الأمر فعلا قبل ثلاثين سنة مثلما كنت تقول فأنا لن أكون قادرة على مساعدتك، و ذلك لأننا قد قمنا بتجديد قسم الأرشيف قبل عشرة سنوات بسبب إنفجار أحد أنابيب المياه هناك، و بهذا فإن كل الملفات قبل ذلك الوقت قد أتلفتها المياه. و لكن من ناحية أخرى..
صمتت لبرهة ثم اتصلت بسكرتيرتها و قالت لها بصيغة الأمر و بنبرة شبه متعالية: أخبري مارسيل أن تأتيني حالا.
و عندما أنهت المكالمة نظرت إلينا و قالت: إن مارسيل تعمل في هذا الميتم منذ خمسة و ثلاثين سنة، و برغم أنها قد تقاعدت منذ أكثر من سنتين إلا انها قد قررت مواصلة المجيء و المساعدة في الإهتمام بالأطفال. لذلك طلبت إليها الحضور، لأنني ظننت بأنها ربما تكون تعلم شيئا بخصوص ما تبحثان عنه.
لم يمضي الكثير من الوقت حتى دخلت مارسيل الغرفة، حيث تقدمت للأمام و وقفت بجانب المديرة. بدت من ملامحها أنها امرأة حازمة و لكن حنونة في نفس الوقت، حيث أنها لم تسمح لمرور الزمن و التقدم في العمر من إبطاء حركتها، لأنها عندما دخلت من الباب كانت تسير بنشاط و بخطوات ثابتة و خفيفة دون أن يظهر عليها التعب، حتى أنني قد تخيلت نفسي إذا ما تحديتها في مسابقة للجري فسوف أكون الخاسر من دون أدنى شك، بالرغم من لياقتي البدنية التي أستطيع أن أصفها بالجيدة.. نوعا ما.
سألها جيم: هل تتذكرين يا سيدتي طفلا عاش هنا يدعى بيتر؟، و الذي مات أبواه بالتبني قبل ثلاثين سنة.
ابتسمت مارسيل و قالت: أجل، أتذكره جيدا، لأنني أنا من اعتنيت به قبل أن يقوم هذان الزوجان بتبنيه.
قال جيم و قد أحس بالإرتياح: ماذا يمكنك أن تخبرينا عنه؟.
- لقد كان طفلا لطيفا، ذكيا، و يتعلم بسرعة، و أستطيع أن أقول لك أيضا بأنه كان يتصرف كشخص بالغ، شخص ذو طبع هادئ و له حس بالمسؤولية. كان الجميع يحبه و قد كانت معلمته في المدرسة معجبة به كثيرا لدرجة أنها كانت تقوم في أغلب الأحيان بإيصاله بنفسها للميتم، و أذكر أيضا أنها كانت تقوم دائما بمدحه أمامي. و فيما بعد، عندما انتقل للعيش في بيته الجديد مع أبويه الجديدين، كنت أزوره من حين إلى آخر حيث لاحظت بأنه كان سعيدا جدا معهما، فقد كانا يتعاملان معه و كأنه ابنهما الحقيقي.
- هل تستطيعين إخبارنا إن كنت تعلمين ماذا حدث له بالتحديد في الفترة بعد موت أمه بالتبني في حادث السيارة و قبل إختفائه هو من المستشفى؟.
- عندما وقعت المأساة و علمت بأن بيتر مقيم بالمستشفى، ذهبت من فوري للإطمئنان عليه، و لكن للأسف فقد كنت متأخرة، لأنهم أخبروني عند وصولي هناك بأنه قد اختفى فجأة و من المحتمل أنه قد قام بالهرب، و منذ ذلك الحين لم أرى أو أسمع عنه مجددا.
بدت لي مارسيل من طريقة حديثها بأنها صادقة، كما بدا لي أيضا بأنها واعية تماما و تعلم جيدا ما تقوله، و رغم كبرها في السن فهي لا تزال في صحة عقلية جيدة ولم يصبها الخرف. لذلك لم أتردد في توجيه هذا السؤال إليها، فقلت: هل مازالت تتذكرين إسم المعلمة؟.. أقصد تلك المعلمة التي كانت تقوم بإيصاله للميتم.
فأجابتني و هي واثقة من مما تقول: بالطبع أنا أتذكرها جيدا، إنها تدعى إيميليا.
كانت دهشتي في تلك اللحظة كبيرة، لأنه لم يتبادر إلى ذهني و لو للحظة واحدة بأن آخر شخص يمكن أن يساعدنا في مثل هذا الوقت و بعد كل هذا البحث قد كانت إيميليا، و التي كانت تعيش على بعد بضعة أمتار من بيتي.
و هكذا غادرنا الميتم و انطلقنا في إتجاه منزل إيميليا، حيث إستقبلتنا و دعتنا للدخول من دون تسألنا عن سبب الزيارة.. كالعادة. فجلسنا ننتظر في غرفة الضيوف بينما غابت هي عنا لبضع دقائق ثم عادت بعدها من المطبخ حاملة في يدها صينية الشاي، و قد ذكرني طعمه الفريد عندما شربته بأول لقاء بيننا عندما أردت استئجار البيت من عندها، حيث كان كل شيء تقريبا مثل المرة السابقة، أنا جالس هنا، و هي تجلس هناك في نفس المكان و تحمل كتابا كانت تقوم بقراءته، الإختلاف الوحيد هو أن جيم لم يكن معنا حينها.
سبقني جيم إلى الكلام حيث قال لها مباشرة و من دون أية مقدمات: أريد منك أن تخبرينا بكل ما تعرفينه عن الطفل بيتر الذي كان يعيش في الميتم قبل ثلاثين سنة، و التي كنت أنت معلمته في ذلك الوقت. كما أرجو منك أيضا أن تخبرينا بجميع التفاصيل التي تتذكرينها، جميع التفاصيل مهما بدت لك بسيطة أو غير مهمة.
تفاجئت إيميليا عندما سمعت ما قاله جيم مما جعلها تسقط فنجان الشاي من يدها، و قد أصبحت يدها ترتعش و هي تقول بصوت متقطع: كيف علمت بأمره؟.. هل هو على قيد الحياة؟.. أرجوك أخبرني إن كان على قيد الحياة؟.
فأجابها جيم و هو يحاول تهدئتها: أرجوك تمالكي أعصابك، نحن لا نعلم عنه شيئا.. إننا نحاول فقط أن نجمع عنه بعض المعلومات، لأننا نعتقد بأن له علاقة بالجرائم التي وقعت.
هدأت إيميليا و قد ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة تدل على خيبة الأمل، و بعد أن إستوت في جلستها قالت لنا: لقد كان بيتر طفلا إستثنائيا لكنه لم يكن محظوظا، فقد تعرفت عليه في المدرسة و قمت بتدريسه لثلاثة سنوات متتالية. لقد كنت أستمتع جدا برفقته، حتى أنني أصبحت أوصله بنفسي للميتم كل يوم بعد إنتهاء حصة الدراسة، كما أنني أحببته كثيرا لدرجة أنني قررت أن أقوم بتبنيه. لكن بعد أن تمكنت من إقناع زوجي بهذا الموضوع كان الأوان قد فات، لأن الطفل حينها قد حصل بالفعل على عائلة جديدة.
رغم الحزن الذي تملكني في ذلك الوقت فقد فرحت من أجله، و خاصة بعد أن أخبرني بأنه أحب أبويه الجديدين و أنهما لطفاء معه. لكنه قد انقطع عن الدراسة منذ أن مات أباه و لم أسمع عنه إلا لاحقا عندما تعرض لحادث و دخل المستشفى. و عندما ذهبت لزيارته حتى أطمأن عليه أخبرني الأطباء بأنه قد تعرض لحادث خطير و أن أمه قد ماتت، و بعد أن قابلته و إطمأننت عليه وعدته بأنه حالما يشفى سوف أقوم بأخذه ليعيش معي.
فرحت كثيرا في ذلك الوقت و كان الأمل قد عاد لنفسي من جديد، فذهبت إلى الميتم و اتفقت مع المديرة على الإجراءات اللازمة من أجل عملية التبني. لكن هذه الفرحة لم تدم طويلا، لأنني عندما عدت لزيارته بعد يومين أخبروني بأنه قد إختفى، و منذ ذلك اليوم لم أسمع عنه مجددا.
Mondher Rhamni