الفخ

الفخ

12 0

شرحنا لجيم ما توصلنا إليه أنا و بيل من إستنتاجات، و كيف أنه هناك أربعة وسطاء و أن كل واحد منهم يرمز إلى نفسه برقم معين مذكور في أسفل هذه الرسائل، و لكن المشكلة التي اعترضتنا هي كيف نستطيع أن نقبض على أحد هؤلاء الوسطاء من دون جذب الإنتباه؟، و ما زاد الأمر تعقيدا هو أننا لا نعلم أصلا هوياتهم الحقيقية أو مكان تواجدهم مما يجعل عملية البحث عنهم شبه مستحيلة، لذلك كان علينا أن نسرع في رسم خطة محكمة.. خطة لا مجال فيها للفشل.

بعد تفكير مطول بدت لنا أن الطريقة الوحيدة و المنطقية هي بوضع طعم لا يستطيع هؤلاء الوسطاء مقاومته، و جيم الذي لم يفهم شيئا في بادئ الأمر استوعب كل شيء بسرعة كبيرة، لأنه تمكن من إيجاد الخطة المناسبة للإمساك بأحد الوسطاء. فقد أشعل سيجارا ثم ضرب الطاولة بكف يده و قال: الأمر بسيط، إن كل ما نحتاج إليه للإمساك بأحد هؤلاء الوسطاء هو براين الصحفي و أحد ضباط الشرطة ليقوم بتمثيل دور الضحية.

أمضينا الشهور التالية في عملية التحضير للخطة المثالية، حيث كان علينا أولا إيجاد الشخص المناسب الذي سيلعب دور الضحية، فوقع إختيارنا على رالف، وهو شرطي شاب له خمسة سنوات منذ إلتحاقه بمركز الشرطة، له الذكاء اللازم و العزيمة المطلوبة، كما أنه مثابر في عمله و له القدرة على الإلتزام، و بما أن والداه يعيشان خارج المدينة فهو يسكن بمفرده بإحدى الشقق الصغيرة التي قام بإستئجارها، لذلك كان إختيارنا له في محله.

حتى يتمكن رالف من تقمص دور الضحية المثالية كان عليه في مرحلة أولى أن يقضي شهرا كاملا و هو يتردد على نوادي المقامرة و المحلات التي تنظم المراهنات الغير القانونية، و كان عليه أن يشارك بصفة دائمة في الألعاب التي يقومون بتنظيمها، و ذلك حتى يصبح وجهه مألوفا بينهم، و ليترك بينهم إنطباعا بأنه مدمن على ألعاب المقامرة.

ثم بدأ في مرحلة ثانية بالقدوم متأخرا لعمله مهملا شكله و مظهره. بعدها قمنا بنشر عدة إشاعات بأنه قد خسر الكثير من المال في الرهانات التي شارك فيها، و أنه يدين لكثير من الناس بمال لا يملكه. ثم بعد ذلك كان عليه أن يتأخر في دفع الإيجار حتى يطرده المالك من الشقة التي يعيش فيها. و في مرحلة أخيرة كان عليه أن يتسبب بطرد نفسه من العمل، و ذلك من خلال إظهار عدم جديته و سوء سلوكه، إضافة إلى تصرفاته مع بقية زملائه التي أصبحت لا تطاق.

بعد مرورنا بكل هذه الأحداث التي أخذت منا لتنفيذها قرابة الخمسة أشهر، كان على رالف أن يتصرف و كأنه متشرد حيث يتجول في شوارع المدينة بملابس متسخة و ممزقة، و يتسول المال من كل شخص يعترضه و يبحث في القمامة بحثا عن الطعام. و الشيء المثير للإعجاب في كل هذا هو أن رالف قد أتقن دوره بشكل مبهر حتى جعلنا نصدقه عندما رأيناه كيف يتصرف، و هكذا كنا قد أتممنا إنجاز معظم أجزاء الخطة و لم يكن أمامنا سوى بعض التفاصيل الصغيرة لإنجازها.

كان براين يمثل إحدى القطع الأساسية في سبيل نجاح هذه الخطة، حيث إقتضت مهمته نشر مقال في الجريدة يتحدث فيه عن رالف و عن الوضع المزري الذي أصبح عليه، و الذي سنتمكن من خلاله بإمساك أحد الوسطاء. و بالفعل قد قام بكتابة هذا المقال الذي يسيل له اللعاب، و قد كان بمثابة وضع الطعم أمام الوسطاء على طبق من ذهب.

تم إصدار المقال في الصفحة الرئيسية للجريدة مع عنوان مكتوب بخط كبير يقول: "بسبب المراهنة: شرطي شاب يطرد من عمله و مهدد بالسجن". و قد ذكر في المقال بأن رالف قد إستدان من البنك الكثير من المال و أنه إن لم يسدد ديونه خلال الشهر القادم فسيكون مصيره السجن لمدة طويلة.

اكتملت خطتنا و لم يكن علينا سوى إنتظار أحد الوسطاء حتى يقرأ المقال و يقع في الفخ، و من حسن حظنا أنه خلال هذه المدة التي انشغلنا فيها بالتحضير لهذه الخطة لم تقع أية جريمة قتل أخرى، كما أننا لم نتلقى أي خبر من سينثيا أو كيفن بشأن وصول رسالة جديدة لشون لايت، مما جعل الخطة تمضي بطريقة سلسة و من دون عوائق. خلال نفس الفترة أيضا ظللنا نزور بيل في متجر الزهور لإعلامه بالمستجدات حول الخطة، لأنه رفض القدوم لمركز الشرطة بالرغم من محاولاتنا الكثيرة لحثه على القدوم، و قد قال لنا لتبرير موقفه بأنه قد قرر منذ اللحظة التي تقاعد فيها بأنه لن يعود مجددا إلى مركز الشرطة.

كنا نذهب في دوريات عشوائية و في أوقات مختلفة، حيث نجوب شوارع المدينة لمراقبة تحركات رالف من دون جذب الإنتباه إلينا حتى لا يشك أحد في الأمر. لم نكن نعلم كم سيطول هذا الأمر لكننا لم نفقد الأمل و بقينا ننتظر بصبر حتى يظهر أحدهم، و قد تملكنا أيضا في نفس الوقت خليط من القلق و الخوف.. الخوف من أن يكتشف هؤلاء الوسطاء الخدعة التي عملنا بجهد لتنفيذها، لأن أقل خطأ يمكن أن يتسبب في إنهيار كل شيء و يصبح بذلك كل ما فعلناه بلا فائدة.

بعد مرور عشرة أيام على صدور المقال، و في يوم مشمس جميل، كان رالف جالسا تحت أحد المباني، و كان قد وضع أمامه منديلا صغيرا فوقه بضع القطع النقدية التى وضعها من أشفق على حاله من المارة الذين يعبرون أمامه. كان ينتظر بصبر شديد و قد ظهرت في عينيه نفس تلك الحماسة التي أبداها عندما اقترحنا عليه الخطة في مكتب رئيس الشرطة لأول مرة.

توقفت فجأة سيارة أجرة بجانب الشارع حيث كان رالف جالسا، نزل السائق و اتجه نحوه ثم جلس بجانبه و بقي صامتا، لم يدري رالف ما يفعل مع هذا الرجل الغريب الذي جلس بجانبه. فقد كان لهذا الرجل شعر طويل و مجعد ذو لون أسود لامع، حيث يبدو وكأنه يضع شعرا مستعارا، كانت أحد أسنانه التي بالصف العلوي ذهبية و أحد أسنانه التي بالصف السفلي فضية، يرتدي في يديه قفازات جلدية سوداء بلا أصابع، و يضع بيده اليسرى ساعة رقمية قديمة.

تساءل رالف في نفسه إن كان عليه أن يبادر هو بالحديث مع هذا الرجل أم أن عليه أن يتجاهله و ينتظر ما الذي سيفعله، و بينما هو غارق في التفكير و محافظ في نفس الوقت على هدوء أعصابه حتى لا يثير الشك حوله، سمع صوت ذلك الرجل الذي جلس بجانبه و هو يقول: إن كنت تبحث عن المساعدة فأنا أستطيع مساعدتك.

بقي رالف صامتا و تظاهر بأنه لم يفهم شيئا مما سمعه، إلا أن الرجل قد إلتفت إليه و قال: أنا أستطيع أن أقرضك المال الذي تحتاجه حتى لا تضطر للدخول إلى السجن، و لا تقلق فأنا سأمهلك كل الوقت الذي تحتاجه لإعادته لي.

أحس رالف بسعادة غامرة أنسته كل المدة التي قضاها هائما بشوارع المدينة، لكنه تمالك نفسه بسرعة وتصرف كأنه لا يبالي عندما سأله بهدوء: لماذا تريد مساعدتي؟.

أظهر الرجل بدوره هدوءا كبيرا عندما أجابه: سأخبرك لماذا؟، أنا أتبع فلسفتي الخاصة في هذه الحياة، فالأمر بكل بساطة هو أنني أرى بأنه لا يوجد إنسان على هذا الكوكب مهما كانت الأخطاء التي إرتكبها يستحق أن يعيش هكذا على هامش الحياة بلا هدف، و أنه ما دامت هناك فرصة لإصلاح الأمور فلا بد للمرء من إغتنامها، و أنا الآن أقدم لك هذه الفرصة، فهل ستغتنمها؟.

قال رالف متظاهرا بالتفاجئ: كيف تريدني أن أصدقك و أنا لا أعرفك حتى؟.

- أنا مجرد صديق، رجل عانى يوما ما ما عانيته أنت، لذلك أعرف الشعور الذي تشعر به الآن، بأن تكون بمفردك، مخذولا من الجميع، و لا أحد بجانبك لمساندتك أو لمساعدتك على الوقوف. أنا لا أطلب منك أن تصدقني، بل عليك فقط أن تثق بأنني لن أتركك دون مساعدة، حتى و إن لم تطلبها مني.

لم يشأ رالف أن يطيل معه الحديث و قرر أن يظهر له بأنه اقتنع بكلامه من خلال إخباره بموافقته على أخذ المال، فوقف عندها الرجل و قال: سأعود غدا إلى نفس هذا المكان و معي المال المطلوب فإنتظرني.

ثم أدخل يده في جيب سرواله و أخرج بعض القطع النقدية و راماها في المنديل، ثم ركب سيارته و رحل.

كان رالف قد رسم صورة ذلك الرجل في رأسه كما أنه حفظ رقم سيارة الأجرة، و ذلك إحتياطا في حال لم يعد الرجل من جديد. و لاحقا عندما إلتقينا معه بصفة سرية دون جذب الإنتباه إلينا، أخبرنا بما حدث و قال بأن هذا الرجل سيعود غدا من أجل إحضار المال، و أنه علينا أن ننتظر و لا نقبض عليه حتى يقوم بتسليمه المال و يعلمه بأمر الرسالة التي يجب عليه إرسالها لشون لايت، و ذلك حتى لا يستطيع إنكار أي شيء عندما نواجهه بما قاله.

في اليوم الموالي جلس رالف في نفس المكان حيث طلب إليه الرجل أن ينتظره. كنت أنا و جيم أيضا ننتظر في الطرف المقابل من الشارع، و نراقب من مكان مخفي على الأنظار، و كنا قد غيرنا ملابس الشرطة و لبسنا ملابسا عادية، و ذلك من أجل التمويه حتى لا يعلم من يرانا أننا من الشرطة.

حان موعد اللقاء، و برزت الشمس ساطعة وسط السماء الصافية، و انعكست أشعتها على زجاج سيارة الأجرة التي كانت تقترب ببطء و هي قادمة من بعيد، ثم توقفت بنفس المكان الذي توقفت فيه بالأمس. انفتح الباب الأمامي بجانب مقعد السائق، و ظهر لرالف نفس وجه الرجل الذي قابله بالأمس و قد أشار له بالصعود، فوقف رالف و نفض ملابسه من الغبار ثم صعد بجانب الرجل و أغلق باب السيارة. و مثلما كان رالف يتوقع فقد أحضر له السائق المال و أخبره عن المدة التي سيمنحها إياه حتي يعيد المال، و أخبره في النهاية عن الرسالة التي يجب عليه أن يرسلها لشون لايت، و وضح له أنه عليه أن يكتب العدد واحد و عشرون أسفل الرسالة.

كان كل شي يسير بسلاسة و مثلما خططنا، و قد بدا واضحا لنا أنه حان الوقت لتدخلنا و إنهاء الخطة التي أخذت منا الكثير من الوقت و الجهد. سمع السائق صوت الباب الخلفي للسيارة و هو يفتح، فإلتفت ليرى جيم قد صعد و جلس في المقعد الذي خلفه دون أن ينطق بحرف، لم يشك السائق في أي شيء و ظن بأن جيم مجرد زبون. فقال له: أنا آسف يا سيدي، فأنا لست أعمل الآن، لذلك أعتقد أنه عليك أن تنزل و تبحث لنفسك عن سيارة أجرة أخرى.

حالما أكمل حديثه قمت أنا بفتح الباب و ركبت من الجهة الأخرى خلف مقعد رالف دون أن أنطق بحرف. فأعاد السائق على مسامعي نفس الكلمات التي قالها لجيم، لكن هذه المرة قاطعه جيم حيث أمسكه من شعره الطويل و جذبه نحوه للخلف ثم صوب المسدس الذي كان مخبئا نحو رأسه.

عندها قال السائق مبتسما دون أن يبدو عليه القلق أو الخوف: أنا لست خائفا منكما، لذلك فكرا جيدا و لتعلما بأنني سأتصل بالشرطة إن تعرضت لأي أذى.

ضحك جيم ثم جذبه من شعره بقوة أكبر و قال له بسخرية: لماذا تريد أن تتصل بالشرطة و أنت تستطيع أن تقود سيارتك الآن بإتجاه مركز الشرطة؟.. إلا إذا كنت لا تعرف أين يقع.. حسنا.. لا تقلق.. فأنا سأقوم بإرشادك.

عندما أيقن السائق أنه قد وقع في الفخ بقي ساكنا في مكانه رافضا أن يلمس مقود السيارة، عندها قام رالف بأخذ حقيبة المال من عنده و سلمها لي، و وضع له الأصفاد التي أخذها من عندي، ثم جلس خلف مقود القيادة و إنطلق بإتجاه مركز الشرطة. أما السائق فقد جلس في الخلف بيني أنا و جيم، و قد رفض جيم خفض سلاحه و أبقاه مصوبا نحو رأس السائق طول الطريق.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مزاد للقتلة

المؤلف Mondher Rhamni
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة