أمضيت الأيام التالية في دراسة تفاصيل هذه القضية، حيث نظمت وقتي بين مراجعة الملفات و إعادة الإستماع لبعض الشهود. و قد لاحظت خلال هذه الفترة ملامح الغضب و اليأس واضحة على وجه جيم، لأن كل الطرق كانت مسدودة أمامنا، و ليس هناك ما يشير إلى وجود شيء ما يفتح أمامنا الأبواب لتحقيق أي نتيجة جديدة.
لم يكن اليأس و الإستسلام أبدا من طباعي، لأنني كنت مقتنعا أنه بطريقة أو بأخرى لا بد أن يظهر شيء ما مهما بلغت بساطته حتى يبسط لنا الطريق نحو الأمام، و هذا بالفعل ما حدث بعد شهر من بداية عملي هناك، و لكنه في الواقع لم يكن أمرا بسيطا.
كان يوما عاديا في وسط الأسبوع، و كان بالنسبة لنا يوما آخر كبقية الأيام. أتذكر أن الساعة حينها قد تجاوزت منتصف النهار بعدة دقائق عندما أتى هذا الرجل من حيث لا نعلم، فقد دخل مركز الشرطة بطريقة مفاجئة حاملا حقيبة سوداء في يده اليمنى، أما يده اليسرى ققد كانت مصابة و مربوطة بضمادة.
بدا لي هذا الرجل من الوهلة الأولى عندما رأيته و كأنه يمشي بلا وعي منه، و لا يعلم إلى أين تقوده قدماه. لم يكمل الرجل بعض الخطوات إلى الأمام حتى تعثر و سقط على الأرض، و انفلتت من يده الحقيبة فإنفتحت و سقطت منها كمية كبيرة من المال الذي تبعثر أمامه.
تبادلت أنا و جيم نظرة خاطفة إلى بعضنا البعض و كأننا كنا نفكر في نفس الشيء، و في نفس اللحظة وقفنا من مقاعدنا و إنطلقنا نحو هذا الرجل الغامض، فساعدناه على الوقوف ثم حملناه على أكتافنا و أجلسناه على أقرب كرسي كان أمامنا.
بدا و من دون شك أنه يعاني من حالة صدمة، حيث كانت تبدو عليه علامات الهلع و الفزع بشكل واضح، لكنها كانت مختلطة بالحزن و اليأس.
نظر الرجل إلينا بعينين مرتبكتين و لم ينطق إلا بهذه الكلمات: أحضرت المال و لم يأتي أحد، أحضرت المال و لم يأتي أحد...
كان يعيد هذه الجملة مرة بعد مرة و بشكل متكرر و كأنه لا يعلم غير هذه الكلمات، و لم يستعد وعيه إلا عندما تلقى صفعة قوية في وجهه من يد جيم، بحيث سمع صوتها جميع من كان في مركز الشرطة.
نظر جيم مباشرة في عينيه و قال بغضب: هل ستخبرنا ما مشكلتك أم أنك ستجعلنا ننتظرك أكثر من هذا؟.
هدئ الرجل و تمالك أعصابه ثم قال بصوت خافت و متقطع: حسنا.. حسنا.. سأخبركم بكل شيء.
عم الصمت فجأة على المكان، و بقي الجميع على مقربة من الرجل لسماع ما سيقوله، و ذلك بمن فيهم رئيس الشرطة الذي أتى مسرعا من مكتبه.
تنهد الرجل و كأنه يحمل على عاتقه حملا ثقيلا يريد أن يتخلص منه ثم بدأ بالحديث، فقال بنبرة أكثر هدوءا: أنا أعمل محاسبا في إحدى الشركات، و أنا هو الشخص المسؤول عن دفع أجور الموظفين في هذه الشركة، حيث أنني أذهب قبل نهاية كل شهر إلى البنك و أقوم بسحب مبلغ معين من المال، ثم أعود به إلى الشركة لأقوم بتنظيم الأجور. لكن قبل عدة أشهر عندما ذهبت للبنك و قمت بسحب المال و خرجت، لاحظت أن الوقت مازال مبكرا و أنه يمكنني استغلال بعض هذا الوقت لأخذ إستراحة قصيرة، لذلك اتجهت لأقرب حانة كنت أعرفها بغية البقاء هناك قليلا ثم العودة لاحقا للعمل.
المشكلة التي وقعت بعد ذلك و التي لم أضع لها حسابا هي أنني لم أنتبه إلى نفسي كيف أسرفت في الشرب حتى فقدت وعيي، بالرغم من أنني لست من ذلك النوع من الأشخاص الذين يسرفون في الشرب إلى حد الاغماء، و عندما استيقظت لاحقا وجدت أن الليل قد حل و أن الحقيبة التي تحتوي على المال قد اختفت.
أحسست بالإرتباك و الخوف و لم أعلم كيف سأتصرف، و عندما سألت الساقي إن كان يعرف شيئا ما قال لي: إن صديقك الذي كان جالسا معك على الطاولة قد أخذ الحقيبة و دفع ثمن المشروبات، ثم طلب مني بأن أتركك تنام قليلا و ذلك لأنك متعب، فلم أمانع و وافقت على طلبه.
تملكني الفزع عندما استنتجت من كلام الساقي أن الحقيبة قد سرقت مني، كما أنني لم أتذكر أنه كان برفقتي أحد آخر، فعدت للساقي من جديد و سألته عن أوصاف هذا الرجل الذي كان برفقتي فأخبرني أنه كان رجلا أنيقا، يحمل معه عكازا خشبيا ذا شكل مميز، إضافة الى أن عينه اليسرى كانت زجاجية لامعة.
خرجت حينها و أنا أفكر بما الذي سأفعله للخروج من هذا المأزق، إضافة إلى أنني كنت غير قادر على إخبار الشرطة بما حدث، لأنني إن فعلت ذلك سأفقد وظيفتي بلا أدنى شك، و إن علم رئيس الشركة بأنني فقدت المال لأنني كنت ثملا أثناء وقت العمل ربما سيتهمني بالتقصير، و سأجد نفسي في نهاية المطاف في السجن.
لم أكن قد ابتعدت كثيرا عن الحانة عندما استوقفني رجل من خلفي و قال: لقد استمعت لمحادثتك مع الساقي بمحض الصدفة، و أنا على أتم الإستعداد لتقديم المساعدة اللازمة.
- و كيف هذا؟.
- إذا وافقت على مساعدتي لك فأنا أستطيع إقراضك المال الذي تحتاجه، و ذلك في مقابل فائدة صغيرة تدفعها لي عندما ترجعه فيما بعد.
لم يكن أمامي خيار آخر في ذلك الوقت فوافقت على شرطه، و هكذا أعطاني عنوانا لأقابله فيه في اليوم الموالي حتى يسلمني المبلغ الذي طلبته منه.
عندما اقترب موعد اللقاء في اليوم الموالي كنت مترددا في البداية من الذهاب، لكنني حسمت أمري و قررت الذهاب لأنني لم أكن أملك خيارا آخر. و بعد أن وصلت للعنوان المطلوب لم يطل إنتظاري حتى أتى الرجل و معه المال، وعند تسليمه المال لي قال: سوف أقوم بمنحك مهلة شهرين لإرجاع المال، و هذه المدة قد تكون قابلة أو غير قابلة للتمديد. و عندما تكون مستعدا للدفع، كل ما يجب عليك فعله هو إرسال رسالة للسيد شون لايت المقيم بالمستشفى العام، و في هذه الرسالة يجب أن تكتب "أرجو لك الشفاء العاجل"، ثم تكتب الرقم 17 في أسفلها. و هذا كله دون ذكر إسمك أو عنوانك، أي يجب أن تبدو الرسالة و كأنها مرسلة من طرف شخص مجهول، و في اليوم الموالي لإرسالك هذه الرسالة عليك أن تأتي لنفس هذا العنوان الذي تقابلنا فيه الآن و تحضر معك المال.
بعد ذلك اللقاء الغريب أخذت المال للشركة و وزعت أجور الموظفين، كما أنني تمكنت من الإحتفاظ بعملي دون أن يتفطن أي شخص آخر لما حدث معي.
انقضت بعدها مهلة الشهرين حيث قمت فيهما برهن منزلي و أخذ قرض من البنك لكنني رغم هذا لم أتمكن من جمع المال الكافي. و ذات يوم بينما كنت أمشي في الشارع أفكر في طريقة لجمع ما تبقى من المال، شعرت فجأة بالدوار و فقدت وعيي، و لم أستفق إلا بعد عدة ساعات في مكان آخر، و هو أحد الشوارع القريبة من منزلي. حيث كنت أعاني من صداع فظيع، و قد لاحظت أن يدي اليسرى كانت ملفوفة بالضماد.
لم أشعر حينها بالألم في يدي لكنني أحسست بنوع من الخدر في أطراف أصابعي، ثم سرعان ما إكتشفت بأن إصبع خنصري مقطوع، إضافة إلى ذلك فقد وجدت في يدي اليمنى ورقة صغيرة و قد كان مكتوبا عليها عندما قرأتها: "ثلاثة أيام إضافية حتى تدفع ما عليك و إلا فإنتظر موتك في الثلاث أيام التي تليها".
أحسست عندها بالفزع لأنني لم أتصور أن يصل الأمر لهذه الدرجة، فأسرعت إلى منزلي و أخبرت زوجتي التي لم تكن تعلم بالأمر بكل شيء حدث معي، كما أخبرتها أيضا بأن المال الذي معي لا يكفي. فقامت بإعطائي صندوق مجوهراتها و طلبت مني أن أبيعها حتى أتمكن من إكمال المبلغ الناقص، و لكن بسبب حظي السيئ فقد كان علي إنتظار يومين كاملين حتى أتمكن من بيع المجوهرات، لأننا كنا في نهاية الأسبوع و المتاجر كلها كانت مغلقة في ذلك الوقت.
مع حلول يوم الاثنين و هو اليوم الثالث منذ تعرضت لتلك الحادثة، أسرعت ببيع المجوهرات و أصبحت بذلك أملك المبلغ كاملا، ثم كتبت الرسالة المطلوبة و أرسلتها للعنوان الذي ذكره لي الرجل سابقا. و في اليوم الرابع ذهبت للعنوان المتفق عليه و انتظرت طويلا فلم يأتي أحد، لذلك غادرت و عدت في اليوم الخامس و انتظرت من جديد، و لكن مثل المرة السابقة لم يأتي أي أحد. فقررت عندها الذهاب للرجل المقيم في المستشفى و الذي أرسلت له الرسالة سابقا لعله يساعدني، لكنني عندما قابلته عرفت أنه لن يفيدني في شيء.
و هذا هو اليوم الأخير من المهلة، و قد ذهبت مجددا للعنوان المتفق عليه و انتظرت على أمل ظهور شخص ما، و عندما لم يأتي أحد أيقنت أن الوقت الذي حدده لي قد انتهى و أن نهايتي اقتربت، لذلك لم أعرف كيف سأتصرف و من دون وعي مني أتيت لمركز الشرطة و ذلك على أمل أن تساعدونني.
كانت قصته مثيرة للإهتمام رغم غموضها، و لفك هذا الغموض اقتربت منه أكثر و سألته بفضول: هذا الرجل الذي قلت بأنه أقرضك المال.. هل تعرف شكله؟، أو إسمه؟، أو أي شيء آخر قد يدلنا عليه؟.
بلع الرجل ريقه بصعوبة ثم أجاب: لا أتذكر شكله بشكل جيد، أتذكر فقط أنه كان يرتدي نظارة سوداء وبدلة زرقاء أنيقة، و عندما سألته عن إسمه قال لي أنه بإمكاني أن أدعوه بالوسيط.
قال جيم و قد أطفئ السيجارة التي في يده: أين يقع هذا العنوان الذي طلب منك أن تقابله فيه؟.
فأجاب الرجل و قد بدا أنه يعاني من صعوبة في التنفس: يقع المكان خلف قاعة الألعاب القديمة في تقاطع شارع غرين زون و شارع بيغ سكاي في وسط المدينة.
سأل جيم مجددا: و هذا الرجل المدعو بشون لايت الذي أرسلت له الرسالة، من يكون؟. و لماذا قلت أنه لم يستطع مساعدتك عندما ذهبت إليه في الأمس؟.
لم يكد الرجل ينطق بأول كلمة حتى سقط على الأرض و هو يقول بصعوبة و بصوت متقطع: أنا.. أنا.. أنا لا أستطيع أن أتنفس.
و في تلك اللحظات التي بقي فيها الجميع ينظرون إليه بإستغراب و لا يعلمون ما الذي حصل له ليسقط هكذا، صحت أنا فجأة وسط ذلك السكون الذي خيم على المكان قائلا: إنه السم، لا بد أنه قد إنتشر بكامل جسمه و أحكم سيطرته عليه، علينا أن نأخذه حالا للمستشفى.
حملته أنا و جيم بسرعة و عبرنا البهو الفسيح عبر الحشد الذي أفسح أمامنا الطريق، لكن هيهات فقد مات قبل أن نبلغ حتى باب السيارة.. مات قبل أن تكون له فرصة في أن يعيش حياة عادية مع عائلته.. بالطبع أنه لم يمت بتلك الطريقة البشعة مثل بقية الضحايا.. لكنه مات بالسم الذي نهش جسده لأيام دون أن يعلم هو بذلك.. و دون أن نتفطن نحن أيضا بأنه كان مسموما.
ما أثار انتباهي في قصة هذا الرجل و لم أكن أعلم سبب حصوله هو لماذا لم يفعل به القاتل مثلما فعل بالآخرين و تركه ليموت بهذه الطريقة؟. و بالرغم من أنه تصرف غير اعتيادي من قبل القاتل إلا أنه قد تمكن من تحقيق مراده عندما مات هذا الرجل بين أيدينا، و نحن لم نكن قادرين على فعل أي شيء لمنع ذلك.
عندما رأيت النظرات على وجوه ممن حولي في ذلك الوقت لم أتمالك نفسي فقد كنت أنا بدوري مثلهم، نظرات يائسة حزينة مختلطة بالشعور بالعجز.. العجز عن إنقاذ هذا الرجل الذي أتى إلينا أملا في تقديم المساعدة إليه.
لم يكن أحد يومها يتصور ما كان سيحدث و ما ستئول إليه الأمور، لكن بالرغم مما حدث فإن ما قاله هذا الرجل قبل موته قد فتح لنا الباب نحو الطريق الذي سيمكننا من العثور على أدلة جديدة، و التي ستكون بالنسبة لنا المفتاح المناسب لفك جزء من الغموض الذي يحوم حول هذه القضية.
Mondher Rhamni