أشع أمامنا في ذلك الوقت بريق من الأمل كان منطفئ لمدة طويلة، فقد كان هذا الشخص الذي بين أيدينا أول مشتبه به منذ أول جريمة وقع تسجيلها. كنا متفاءلين كثيرا لدرجة أننا ظننا قد أمسكنا بالقاتل المطلوب، و كل ما علينا فعله الآن هو حثه على الإعتراف بجرائمه و إنهاء الأمر.
رغم أهمية هذا الإنجاز فقد عرفت وقتها بأن الأمر لا يمكن أن يكون بهذه السهولة التي تبدو عليها، و أن هذا الرجل الذي قبضنا عليه لا يحمل سوى قطعة بسيطة من الأحجية التي نحاول حلها، لأنه لو كان هو القاتل الذي نبحث عنه فلا أعتقد بأنه سيكون بهذا الغباء الذي يجعله يخاطر بحياته و يبقي على الرسائل التي ستثبت تورطه إن تم إكتشافها، و لكن رغم هذا فقد أيقنت بأن ما يخفيه عنا من معلومات سيزيح من طريقنا بعض الغبار الذي تراكم على هذه القضية أكثر من اللازم.
عندما وصلنا لم يبدو رئيس الشرطة أنه سيدعنا نحقق لوحدنا مع المشتبه به، فقد تقدم أمامنا ببعض خطوات و هو يخبر كل شخص يعترض طريقنا بأن يبتعد و يفسح لنا المجال للمرور، و سرعان ما عبرنا البهو الواسع لمركز الشرطة نحو غرفة الإستجواب.
كانت الغرفة صغيرة الحجم و منعزلة في أحد الأركان، لها باب خشبي مزدوج من النوع الصلب و العازل للصوت، و في أعلى الباب توجد نافذة زجاجية صغيرة تتيح للشخص الذي يقف بالخارج أن يشاهد ما يحصل في الداخل بوضوح.
دخلنا غرفة الإستجواب و قمنا بإغلاق الباب حتى لا يزعجنا أحد، كان يوجد بالداخل طاولة صغيرة مثبة على الأرض بالمسامير و تتوسط المكان مع ثلاث كراسي حولها. جلس ستيفن على أحد الكراسي دون أن يزيل أحد عليه الأصفاد، بينما جلس جيم و رئيس الشرطة بالطرف المقابل لستيفن، أما أنا فقد اكتفيت بالوقوف في أحد أركان الغرفة حيث يكون الباب في مجال نظري.
أمضينا في البداية قرابة خمسة عشر دقيقة و نحن نحاول حثه على الحديث بشتى الطرق ليخبرنا عن سبب هروبه منا سابقا، حاولنا إغضابه.. استفزازه.. إخافته بأنه سيسجن لمدة طويلة قبل أن يرى النور من جديد. لكنه رغم كل ما فعلناه فقد بقي صامتا دون حراك، حيث يقوم فقط يرفع يده بين الحين و الآخر لرفع نظارته التي كانت تنزلق بإستمرار بسبب قطرات العرق التي بدأت تملأ جبينه. بدت علامات الخوف و التوتر ظاهرة عليه بشكل واضح، و لكنه بطريقة ما تمكن من السيطرة على نفسه و البقاء هادئا طول تلك المدة.
كان جيم قد أشعل سيجاره الثاني منذ أن دخلنا غرفة التحقيق، و لم تكن هناك أية علامة تدل على أن ستيفن سيكسر حاجز الصمت و يبدأ بالتكلم. و بينما نحن في تلك الحالة من الحيرة و في جو يعمه السكون المختلط برائحة دخان السيجار الذي أوشك جيم على إنهائه، تبادر إلى مسامعنا صوت نقر خفيف قادم من إتجاه الباب، إلتفتنا جميعا تقريبا في نفس الوقت بإتجاه الصوت، لقد كان أحد ضباط الشرطة ينظر إلينا من خلال نافذة الباب و هو ينقر بقبضة يده برفق على الزجاج، و عندما إطمأن أنه تمكن من لفت إنتباهنا أشار لنا بيده مناديا حيث بدا و كأنه يريد التحدث مع أحد منا، أو هذا على الأقل ما فهمناه من شفاهه التي كانت تتحرك من خلف الزجاج.
وقف جيم بعد أن أطفئ ما بقي من السيجار و اتجه لفتح الباب، و ذلك لأنه من خلال مكان جلوسه كان الأقرب فينا للوصول إليه. قام بفتح الباب، وبنبرة شبه غاضبة قال لضابط الشرطة: ألا ترى بأننا مشغولون هنا، هيا بسرعة أخبرني ماذا تريد؟.
قال ضابط الشرطة و قد انزعج من طريقة كلام جيم: هناك سيدة تدعى هيلين تنتظر بالخارج و هي تريد التحدث معكم.
- أخبرها بأنه عليها الإنتظار.. أو أخبرها بأن تعود لاحقا، فنحن قد يطول بقائنا هنا.
- لقد أخبرتها بالفعل بأنها قد أتت في وقت غير مناسب و أنه يمكنها العودة في وقت لاحق، لكنها أصرت على موقفها و قالت لي بأنها تمتلك معلومات هامة بخصوص هذه القضية.
تذكرت في تلك اللحظة أنني سمعت إسم هيلين من قبل، أو ربما كنت قد قرأته في مكان ما، و من خلال نبش الأفكار الراكدة في رأسي تمكنت من تذكرها. لقد كانت والدة الضحية الثالثة التي عثروا عليها، و هو الشاب ذو الخمسة و العشرين عاما.
على حسب ما ذكر في ملفه فإن أمه قد تم تشخيصها بمرض خطير و فتاك يستوجب التدخل الجراحي الفوري حتى يتمكنوا من السيطرة عليه، المشكلة أن العملية كانت مكلفة و تتطلب الكثير من المال الذي لا يملكونه، خاصة و أن الشاب لا يعمل، فهو يعيش هو و أمه على معاش أبيه المتوفي. و لكن ما حدث بعد ذلك غريب نوعا ما، لأنه وبطريقة ما بعد أن تدهورت صحتها بشكل سريع تمكن ابنها من دفع المال اللازم، و هكذا أجريت العملية التي كللت بالنجاح.
بعد خروجها من غرفة العمليات، بقيت هيلين شهرا كاملا في العناية المركزة قبل أن تستفيق و تستعيد وعيها بالكامل. و بينما كانت تنتظر بشوق شديد ابنها الوحيد الذي لم تره منذ أن أجرت العملية حتى يأتي و يزورها في المستشفى، تلقت خبرا صادما لم تقوى على تصديقه. لقد عرفت الحقيقة المؤلمة عندما دخل جيم غرفتها بعد عدة أيام من إستعادة وعيها، وأخبرها بأنهم قد وجدوا ابنها مقتولا في بيته، و أعلمها بأنه هو المسؤول عن التحقيق من أجل إيجاد هذا القاتل.
لم تكن هيلين تعلم من أين أحضر ابنها المال، و لم تكن قادرة أن تسأله عن مصدره، لأن مرضها في ذلك الوقت جعلها في حالة هذيان دائمة، حيث أخرجها عن وعيها و جعلها غير قادرة على الإحساس بما يحدث حولها، و هذا ما أخبرته لجيم عند زيارته لها في ذلك الوقت. ثم إنها عندما علمت بأن ابنها قد مات لأنه لم يكن قادرا على إعادة المال الذي دفعه من أجل أن ينقذ حياتها، أصابها الإحباط و تعكرت صحتها من جديد، مما جعل مدة إقامتها بالمستشفى تطول أكثر مما يجب.
بينما كان ضابط الشرطة واقفا بجانب الباب و هو ينتظر إجابة من جيم، ظهرت هيلين فجأة من وراءه دون أن يشعر بوجودها حيث أنها تبعته دون أن يعلم بها. فوقفت أمام الباب بحيث أنها كانت تستطيع رؤية جميع من بغرفة الإستجواب بشكل واضح، كما أن جميع من بالغرفة يستطيع أيضا رؤيتها. كان شكلها الأنيق، و شعرها المرتب، و ملابسها المتناسقة، لا تكاد تخفي إحساسها بالألم الذي بدا ظاهرا بوضوح في عينيها، و بقيت صامتة على تلك الحال حتى بادرها جيم بالسؤال: حسنا، بما أنك أتيت إلى هنا فأخبرينا عن المعلومات المهمة التي قلت بأنك تمتلكينها بخصوص هذه القضية.
تقدمت هيلين بضع خطوات حتى اقتربت منه، ثم قالت بكلمات متلعثمة بدت من خلالها و كأنها نسيت كيف تتكلم: الشيء.. الشيء الذي أريد إخباركم به.. أقصد.. هناك شيء أريد أن أريكم إياه.. إنه.. إنه معي هنا في حقيبة يدي.. انتظروا لحظة فقط.. سوف أخرجه الآن.
وسط الفضول الذي سيطر على الجميع في إنتظار معرفة ما الذي تحمله هذه السيدة، إضافة إلى الحيرة التي تشكلت بوضوح على وجه جيم، فتحت هيلين حقيبة يدها ببطء و أدخلت يدها التي لا تزال ترتعش، و قبل أن تخرج أي شيء اندفعت بقوة لداخل الغرفة متجاوزة بذلك ضابط الشرطة و جيم في نفس الوقت، ثم أخرجت من حقيبة يدها مسدسا و وجهته مباشرة نحو ستيفن، و قد كانت تنظر إليه بغضب شديد.
أمسكت هيلين المسدس بكلتا يديها بعد أن أسقطت حقيبة يدها على الأرض، و أطلقت النار على ستيفن دون خوف أو تردد، لكن تدخل جيم السريع الذي أحس بشيء غريب منذ البداية قد أنقذ الموقف، فبحركة سريعة من يده تكاد تكون مستحيلة إستطاع أن يمسكها من قبضة يديها ويدفعها للأعلى مما جعل الرصاصة التي أطلقتها تغير إتجاهها و تصيب السقف بدلا من رأس ستيفن، ثم افتك المسدس من قبضتها وأبعده جانبا، بينما بقيت هي تصيح بهستيريا قائلة: لماذا منعتني؟.. هذا المجرم قتل ابني.. هيا أخبرني.. لماذا لم تدعني أنتقم لابني العزيز؟.. لماذا؟.. أخبرني لماذا؟.
مد جيم يده و ساعدها على الوقوف بعد أن انهارت على الأرض باكية، ثم قال لها مواسيا: نحن لا نزال لها نحقق معه، و مازلنا لا نعلم بعد إن كان هو الفاعل أم لا.
قال ذالك ثم رافقها خارج غرفة الإستجواب و أخذها نحو مكتبه.
بعد أن جلس إلى مكتبه وهو مشوش التفكير، نظر إلى هيلين بتمعن، و قبل أن يتفوه بأي كلمة، تفقد جيوب معطفه و أخرج منها علبة السجائر التي لاحظ بعد أن فتحها أنه بقي فيها سيجار واحد، فأشعل السيجار و وضع علبة السجائر على سطح المكتب. نظر مجددا إلى هيلين التي تجلس أمامه و هي غارقة في خيبة أملها و سألها مستغربا: ما الذي دفعك إلى الظن بأن ستيفن هو من قام بقتل ابنك؟، و كيف علمت أنه متواجد معنا هنا في مركز الشرطة؟.
وضعت هيلين ذراعيها على ركبتيها و شابكت بين أصابعها، ثم قالت و هي تنظر للأسفل: أنا أذهب بصفة منتظمة مرة واحدة كل أسبوع للمستشفى للقيام ببعض التحاليل لمتابعة حالة مرضي، لكن هذه المرة عندما انتهيت من إجراء التحاليل اللازمة و توجهت لسيارتي المركونة خارج المستشفى، لمحتك من مسافة ليست ببعيدة و أنت تلقي القبض على هذا الشخص الذي كان يريد الهروب، فظننت عندها أنه هو القاتل الذي تبحثون عنه.
صمتت قليلا حيث تنهدت و مسحت دموعها، ثم أكملت قائلة: تذكرت في تلك اللحظة ابني الذي مات و اعتراني غضب شديد، و قد وجدت نفسي فجأة أتبعكم إلى مقر الشرطة و في رأسي شيء واحد فقط و هو الثأر لابني، أما بالنسبة للمسدس فقد كان ملكا لزوجي و قد كنت أخفيه منذ فترة قصيرة في درج السيارة لحماية نفسي.
وضع جيم سيجاره جانبا و قال: حسنا، دعيني أخبرك من جديد بأن ستيفن الآن هو مشتبه به لا غير و ليس بالضرورة أن يكون هو القاتل.. حتى و إن كان هو من قتل ابنك، فهذا لا يعني أن ما فعلته الآن كان صائبا، هناك قانون يجب أن نلتزم به.
ثم انحنى نحوها و قال و هو يبتسم: مازالت عند وعدي لك بالقبض على القاتل، لذلك يجب أن تنسي فكرة الثأر من أساسها لأنك لن تجني من خلالها سوى مزيدا من الألم، و أنا شخصيا أؤكد لك ذلك فثقي بكلامي و لن تندمي.
رافقها إلى خارج مركز الشرطة و قبل أن ترحل قال لها: سأحتفظ بهذا المسدس معي مؤقتا، و لكن عليك أن تعرفي أنه إذا تكرر هذا الأمر مرة أخرى فلن أكون قادرا على مساعدتك، و سأكون مجبرا حينها على إلقاء القبض عليك.
إنه فعلا شيء عجيب، كيف يكون الإنسان قادرا على تحمل كل هذا الألم، حيث يبدو في البداية قويا ثم في لحظة ضعف صغيرة ينفجر كل شيء فيصبح يعيش تحت رحمة ذلك الشعور السيء الذي كان منذ برهة مسيطرا عليه.
**********
لم نكن في تلك اللحظة التي دخلت فيها هيلين لغرفة التحقيق قادرين على التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور، لكننا برغم ما حدث لم نكن لنطلب أكثر من ذلك. فالرصاصة التي صنعت ثقبا في سقف غرفة التحقيق، و التي كان صوتها مدويا في كل أركان مركز الشرطة، جعلت ستيفن يرتبك، فتراجع بكل قوته للخلف مما جعله يفقد توازنه و يسقط بكرسيه على الأرض، عاجزا تقريبا على الحركة، و هذا ما دفعه لفتح فمه الذي كان مغلقا منذ أن ألقينا القبض عليه و يقول لنا بصوت يملأه الفزع: أنا سأعترف لكم بكل شيء، لكن لا تسمحوا لتلك المرأة بالعودة إلى هنا مجددا، فلا شيء مما فعلته يستحق أن أموت من أجله.
ثم وقف بصعوبة و عاد للجلوس على كرسيه، و لبس نظارته التي تشققت إحدى عدساتها قليلا عندما سقطت على الأرض، و قد كان لا يزال تحت تأثير الصدمة لأن يده لم تتوقف عن الإرتعاش.
كانت مفاجئة غير متوقعة و صدمة جديدة ستنكشف أمامنا، لأن إعتراف ستيفن الذي مازال لا يعلم السبب الحقيقي وراء زيارتنا لشون لايت كان مغايرا تماما لما كنا ننتظر أن نسمعه، و لم يكن يتصور أبدا إرتباط إسمه بجرائم القتل التي حدثت.
اعترف لنا بأنه هو الشخص الملقب بالشبح المعروف في شوارع المدينة ببيع الأقراص المخدرة، و الذي حير الشرطة لمدة خمسة سنوات متتالية، لأن لا أحد يعلم هويته الحقيقية بمن فيهم الأشخاص الذين يقومون بشراء الأقراص المخدرة من عنده، لذلك عندما رآنا في المستشفى هرب لأنه إعتقد بأننا قد اكتشفنا أمره.
ابتسم رئيس الشرطة إبتسامة صفراء وإلتفت نحوي قائلا: هذا بالفعل شيء مثير للإهتمام، ألا تظن هذا؟.
ثم إلتفت مجددا نحو ستيفن و أكمل قائلا بنبرة ساخرة: إذا اعترفت أنت بذلك فلا بد من أنه صحيح. و لكن لسوء الحظ.. حظك أنت بالبطع، ليس هذا السبب الذي أمسكناك من أجله.
ظهرت على وجه ستيفن نظرات تدل على الحيرة و كأنه لم يفهم شيئا مما قاله رئيس الشرطة، عندها ألقيت أمامه مجموعة الرسائل التي كنت أحملها و سألته: ماذا يمكنك أن تخبرنا عن هذه الرسائل؟.
فرفع يده التي لا تزال مقيدة و فتح بعض الرسائل، ثم قال بعد أن فحصها: إن هذه الرسائل كما هو مكتوب عليها فهي مرسلة لشون لايت، و أنا كلما وصلت رسالة جديدة أقوم بقراءتها له ثم أخبأها بالدرج بجانب سريره مع بقية الرسائل.
- و ماذا بالنسبة للأرقام المكتوبة أسفل الرسائل؟، هل تعلم ما المقصود بها؟
فهز رأسه نافيا و هو يقول: لا، لا أعلم ما الغاية منها، حتى إنني قد سألت شون مرة عنها لكنه لم يكن يعلم أيضا.
- هل تعلم من يقوم بإحضار الرسائل؟.
- نعم، إنه ساعي البريد كيفن.
- و كم مرة يأتي في الأسبوع؟
- إنه غالبا ما يأتي للمستشفى مرتين في الأسبوع الواحد، حيث يقوم بترك الرسائل في مكتب الإستقبال، ثم تقوم إحدى الممرضات و التي تدعى سينثيا بمهمة توزيعها على أصحابها لاحقا.
قمت بجمع الرسائل من على الطاولة ثم تراجعت ببطء للخلف، و تركت المجال لرئيس الشرطة حتى يكمل هو طرح الأسئلة التي يراها مناسبة من أجل إستكمال التحقيق.
وقف رئيس الشرطة من مكانه و ذهب بمحاذاة الباب حيث بقي ينظر للخارج من خلال الزجاج، ثم سرعان ما قال: ماذا عن الشخص الذي إلتقى بشون في الأمس؟، هل أتى شخص آخر قبله أم أنه كان الشخص الوحيد في ذلك الوقت؟.
فإلتفت ستيفن باتجاه رئيس الشرطة و قال: إنه أول شخص يأتي لزيارة شون منذ أن دخل المستشفى.
- هل لاحظت شيئا غريبا في تصرفاته؟.
- أجل، لقد لاحظت أنه يتصرف بطريقة هستيرية. فقد كان يحمل في يده حقيبة سوداء عندما وصل، و وضعها بجانب شون وبقي يقول له عدة مرات بأنه أحضر المال لكن لم يأتي أحد، و لكن عندما أخبرته بأن شون غير قادر على الكلام أو الحركة خرج في صمت دون أن يقول شيئا.
ثم صمت قليلا حيث إستدار بكامل جسمه في إتجاه رئيس الشرطة و قال له بنبرة فيها نوع من السخرية: عندي إقتراح بسيط، لماذا لا تبحث عن هذا الرجل الذي تتحدث عنه و تحضره إلى هنا لتحقق معه بشكل مباشر بدلا من إضاعة وقتك في طرح أسئلة لا يعرف أي أحد منا إجابتها.
فاقترب رئيس الشرطة منه وقال بجدية: هذا مستحيل، لأنه قد مات منذ عدة ساعات. و قد كان هو صاحب إحدى هذه الرسائل التي كانت بحوزة شون لايت.
تغيرت ملامح ستيفن فجأة و قال بصوت متقطع يكاد لا يسمع: أنا أعترف لكم بأنني أبيع الأقراص المخدرة، لكن هذا لا يجعل مني شخصا قادرا على إرتكاب جريمة قتل.
كنت قد إلتمست في كلامه نوعا من الصدق، لأن إسمه التجاري الشبح لم يرتبط منذ الخمسة سنوات الماضية عندما بدأ ببيع الأقراص المخدرة بأي جريمة قتل، بل و كيف يخاطر أصلا بتجارته المربحة من أجل جذب الشبهات التي ستتسبب في القبض عليه. ثم تذكرت في تلك اللحظة و أنا أحاول ربط الأحداث ببعضها البعض ما قاله الرجل قبل موته، قال بأنه عندما كان يمشي في الشارع شعر بالدوار و فقد وعيه ثم استيقظ مجددا ليجد الرسالة و إصبعه قد قطع، عندها خطر ببالي سؤال آخر فنظرت إلى ستيفن بتمعن و سألته: هل كنت تعرف هوية الأشخاص الذين يشترون من عندك الأقراص المخدرة؟.
فأجاب بثقة مبالغ فيها: أنا أدعى الشبح لسبب معين، و هو لأن لا أحد يعلم هويتي الحقيقية. و لكنني أيضا لا أعلم هوية الأشخاص الذين يشترون من عندي الأقراص المخدرة، و ذلك تجنبا للمشاكل التي لا فائدة منها، فعلى سبيل المثال إذا علم شخص بهويتي الحقيقية فسيصبح بإمكانه عندها قادرا على أن يبتزني بفضح أمري متى أراد ذلك في مقابل تزويده المجاني بالأقراص المخدرة.
رئيس الشرطة الذي انتابه الفضول سأل ستيفن: هل تستطيع أن تفسر لنا كيف تتم عملية البيع و الشراء من دون أن يعرف كلا الطرفين بعضهما البعض؟، فالأمر يبدو غير منطقي و غير قابل للتصديق إن سألتني عن رأيي.
رفع ستيفن يديه المكبلتين و رفع نظارته التي انزلقت مجددا، ثم قال: لتفسير ذلك يجب عليكم أن تعرفوا كيف بدأ الأمر كله من البداية، و قد كان ذلك قبل خمسة سنوات، حيث قد مضى في ذلك الوقت سنة واحدة على بداية عملي في المستشفى. كان ذلك بسبب القرض الكبير الذي أخذته من البنك من أجل شراء سيارة جديدة، و بما أن أكثر من نصف راتبي يقوم البنك بأخذه كل شهر، فقد أيقنت بأنها ستمر فترة طويلة قبل أن أتمكن من دفع كامل الدين. لم يعجبني الأمر، فبدأت في البحث عن طريقة أخرى من أجل كسب المزيد من المال.
إستمررت على ذلك الوضع مدة من الزمن حتى أتى ذلك اليوم الذي كنت عائدا فيه من عملي، حيث لمحت من بعيد و أنا أقود سيارتي رجلا أعمى، و قد بدا من ملابسه شخصا مشردا و هو يقف على حافة الرصيف ينتظر من يساعده على عبور الشارع. في تلك اللحظة عندما رأيته خطرت ببالي فكرة عبقرية قد طال إنتظارها و هي ما ستجعلني قادرا على كسب الكثير من المال.
ركنت السيارة على جانب الطريق و ذهبت مسرعا لذلك الرجل، فعرضت عليه المساعدة لعبور الشارع فوافق، ثم سألته بعد أن وصلنا للطرف الآخر من الشارع إن كان يريد أن يعمل لصالحي ببيع الأقراص المخدرة بشرط أن نستعمل أسماءا مزيفة و أن لا يخبر أي أحد منا الآخر بهويته الحقيقية و ذلك لحماية أنفسنا من أن يتعرف علينا أي شخص آخر، فرفض الرجل بشدة في بادئ الأمر ثم وافق على مضض بعد أن بذلت جهدا كبيرا لأقنعه بتغيير رأيه.
كان الأمر بسيطا بعد ذلك، فقد اتفقنا مسبقا على كل شيء حيث يقوم هو بالتجول في شوارع المدينة ليبحث عن الزبائن، و إذا ما وجد شخصا يريد شراء الأقراص المخدرة يصطحبه للمبنى الذي أعيش به أنا، و عندما يصلا يتسلم منه المال و يخبره بأن ينتظره في الخارج، ثم يدخل المبنى الكبير المليء بالشقق الكثيرة. في هذه الأثناء أقوم أنا بالمراقبة من خلال نافذة شقتي، و عندما أطمأن بأن شريكي قد دخل للمبنى بمفرده و لم يتبعه أحد أفتح الباب لأخذ المال و أسلمه في المقابل الأقراص المخدرة، ثم ينزل من جديد ليعطيها للشخص الذي بقي ينتظر خارجا. أما إذا ما لاحظت أن هناك شخصا يتبعه عند دخوله للمبنى فإنني أخرج بسرعة و أعترض شريكي في منتصف الطريق و هو قادم لشقتي، فأصطدم به عن غير قصد و أعتذر منه دون أن أتوقف أو أن ألتفت إليه، فيعلم هو من خلال هذه الحركة بأن هناك شخصا يتبعه و بالتالي سيلغي العملية و يخرج من المبنى دون لفت الإنتباه.
نظر إليه رئيس الشرطة بإشمئزاز مما جعل ستيفن يسبقه بالكلام و يقول: أنا أعلم بأنه لم يكن تصرفا صائبا من ناحيتي عندما قمت بإستغلال رجل ضرير، لكنها كانت الطريقة الوحيدة بالنسبة لي حتى تتمكن مخططاتي من النجاح.
نظرت اإيه بتمعن شديد و سألته: هل حدث شيء غريب أو مريب يستحق الذكر طوال هذه المدة؟.
بقي ستيفن للحظات مطأطئ الرأس و هو يتمتم بصوت خافت: شيء مريب يستحق الذكر.. شيء مريب يستحق الذكر...
ثم رفع رأسه فجأة و قال: إن جميع الأشخاص الذين يشترون من عندي الأقراص المخدرة يقومون بدفع ثمن بضع حبات لا غير، حيث لا تتجاوز أكثر كمية التي يطلبها بعض الأشخاص العشرين حبة. لكنني أتذكر أن هناك شخصا معينا اشترى من عندي منذ خمسة عشر شهرا تقريبا كمية كبيرة جدا، مما اضطرني لأن أخبره بأن يعود مجددا لأن الكمية التي أملكها في ذلك الوقت لا تكفي، و قد شككت في أمره و استغربت من شراءه لكل هذه الكمية مما دفعني إلى سؤال الرجل الأعمى الذي يعمل معي إن كان قد لاحظ عليه شيئا مريبا من خلال حديثه معه، فأجابني بأنه لم يلاحظ أي شيء مريب لكنه سمع صوتا عندما نزل من السيارة شبيها بصوت الشريط اللاصق و هو ينزع.
جلس رئيس الشرطة من جديد ثم سأله: هل تتذكر ما كان نوع السيارة التي كان يقودها أو ما كان لونها؟.
فأجابه ستيفن: بالطبع أنا أتذكر، لقد كانت سيارة أجرة.
Mondher Rhamni