زيارة إلى السجن

زيارة إلى السجن

13 0

توجهنا من فورنا إلى السجن على أمل أن نجد هناك إجابات ذات فائدة و ليس طريقا مسدودا آخر ليعيق تقدمنا، كان أحد الحراس بإنتظارنا أمام الباب الخارجي للسجن عند وصولنا، رحب بنا ثم تبعناه عبر الممرات الطويلة نحو غرفة كبيرة حيث طلب منا أن ننتظر هناك قليلا، ثم تركنا بمفردنا و انصرف.

كانت هذه الغرفة مخصصة للزيارات بين السجناء و أهلهم، و بما أننا جئنا في وقت غير وقت الزيارة، فقد كانت الغرفة فارغة تماما و كنا نحن الأشخاص الوحيدين الموجودين فيها.

كنا قد جلسنا في واحدة من الطاولات الكثيرة التي ملأت المكان عندما رأينا الحارس الذي طلب من الإنتظار سابقا و هو قادم نحونا، وخلفه كان يسير حارسان آخران ضخما الجثة و مسلحان، و قد كانا يقودان أمامهما سجينا مكبلا من يديه و هو يمشي بينهما ببطء شديد محاولا مجارات خطواتهم السريعة.

عندما وصلوا إلينا قام الحارسان بإجلاس السجين أمامنا ثم تراجعا قليلا إلى الخلف و بقيا واقفين يراقبننا في صمت، أما الحارس الآخر فقد أخبرهما بأن يعيدا السجين إلى زنزانته عندما ينتهي التحقيق ثم استأذن منا و غادر المكان.

كان كريس لايت أصغر من أخيه شون بعشرة سنوات، إلا أنه قد بدت عليه رغم ذلك علامات الكبر واضحة جدا، فقد كان له شعر أبيض قصير، و عينان زرقاوان شبيهة بعينا أخيه شون لايت إلي حد كبير، أما أسنانه فقد كانت ناصعة البياض حيث أنني لم أستطع أن أميز إن كانت حقيقية أم اصطناعية، و كان جسمه طويلا و هزيلا جدا، لكن ليس بسبب سوء التغذية بل لنتيجة كبره في السن، لدرجة أن ملابس السجن كانت تبدو واسعة عليه.

نظرت إليه و قلت: لقد جئنا إلى هنا أملا في أن تساعدنا على حل هذه القضية المعقدة التي نعمل عليها، والتي يبدو بأن أخاك شون متورط فيها نوعا ما.

بقي كريس صامتا للحظات و هو ينظر إلينا بملامح وجهه القاسية و نظراته الحادة. ثم قال بصوت أجش: سأقوم بمساعدتكما، لكن عندي شرط أولا يجب أن نتفق عليه.

عندها إلتفت لجيم لوهلة ثم نظرت إليه من جديد و قلت: طبعا.. كما تريد، فنحن موافقان بالتأكيد. فقط أخبرنا بشرطك و سنرى بعدها ما يمكننا فعله بخصوص ذلك.

اعتدل عندها في جلسته، ثم انحنى برأسه إلينا حيث ارتكز بمرفقيه على الطاولة. و قال: كما تريان أيها السيدان المحترمان، فأنا مسجون هنا منذ مدة طويلة جدا، و الحياة خلف القضبان مهما كانت مريحة فهي تؤثر سلبا على نفسية السجين. لذلك فقد كانت زيارات أخي الشهرية لي هي ما جعلتني لا أزال متماسكا في هذا المكان البائس، و بالرغم من أنه لا يستطيع أن يتكلم إلا أن وجوده فقط بجانبي كفيل ليجعلني أشعر بنوع من السكينة الداخلية، و لكن كل هذا قد بدأ يتلاشى منذ أن منعوا عنه زيارتي من دون أن يقدموا لي أي تفسير مقنع.

ثم تراجع للخلف و استند بظهره على الكرسي، و أكمل قائلا: لذلك إن كانت مساعدتي لكم ستعيد لي أخي، فأنا على أتم الإستعداد لفعل أي شيء تطلبونه مني، خاصة و أن صحة أخي في تراجع مستمر. فأنا لا أريده أن يموت من دون أن أراه لمرة أخيرة على الأقل.

تأثرت كثيرا بكلامه عن أخيه، فقلت له بنبرة لطيفة محاولا بذلك مواساته: سنحاول ما بوسعنا، لكننا لن نستطيع فعل ما تطلبه منا دون إثبات عدم تورطه في هذه القضية.

أخذ جيم سيجارا و بقي ينظر إليه و هو يقوم بالتلاعب به بين أصابعه من دون أن يشعله، و ذلك لأن التدخين ممنوع داخل هذه الغرفة. ثم إلتفت لكريس و قال: نحن نبحث عن رجل معين، و الذي له صلة مباشرة بجرائم القتل السابقة. و حسب المعلومات الأخيرة التي توصلنا إليها فهو يستخدم شون لايت كأداة تمويه، و ذلك إنتقاما منه لما فعله له في الماضي. فهل تستطيع أن تخبرنا إن كان هناك شخص محدد تشك فيه؟.. أي شخص على الإطلاق؟.

لم يبدو على كريس أنه تفاجئ بما سمعه، فقد ابتسم و قال: هذا بالفعل سؤال صعب، و يستحيل علي أن أقدم إليك إجابة شافية، فنحن نملك الكثير من الأعداء، و ذلك بسبب ما كنا نقوم به منذ زمن بعيد. و إن كنت تريدني أن أشير إلى شخص محدد، فسأشير بلا أي تفكير إلى كل شخص سبق و تعاملنا معه.

ما أن أنهى كلامه حتى سألته: ماذا بالنسبة للشخص الذي قام بقطع لسان أخيك و يديه؟.

لاحظت بأن كريس قد أحس بالإنزعاج، و لكن سرعان ما طغى عليه إحساس بالحزن ممزوج بالألم. فقد قال: أنا لا أعلم هوية هذا الشخص أو سبب قيامه بذلك، لكنني عندما قابلت شون في ذلك الوقت الذي تعرض فيه لهذا الحادث المؤسف و سألته عمن فعل به هذا، فهمت بأنه يعرف شكل هذا الشخص لكنه لا يعرف إسمه. كما أنني أصبت بالدهشة في ذلك الوقت، فقد كانت تلك أول مرة أشاهد فيها أخي يبكي و بذلك الشكل المثير للشفقة، و قد أحسست بأن بكائه لم يكن بسبب ما حصل له، بل كان أقرب منه إلى الشعور بالذنب.

جيم الذي مازال نظره مقيدا بذلك السيجار الذي يحمله بين أصابعه قام بتوجيه السؤال التالي، فقال: ماذا عن الشخص الذي قمت أنت بقتله؟، هل كان لديه أقرباء؟.

فأجابه بعد أن بقي يفكر في الأمر لأيضا: حسب ما أتذكر و إن لم تقم ذاكرتي بخيانتي فقد كان يعيش مع زوجته و ابنه الصغير، لكنني سمعت بعد فترة من محاكمتي و بعد دخولي للسجن بأنهما قد ماتا في حادث سيارة.

نظر جيم نحوي بنظرة يائسة و قال: هذا أمر محبط بالفعل، إن لم نستطع إيجاد القاتل في أقرب وقت فإننا سنضطر لرؤية المزيد من الجثث ذات أصابع اليد المقطوعة.

ثم هم بالوقوف من مقعده ليخرج من الغرفة و هو ينظر بشهوة شديدة للسيجار الذي بيده، و قد وقفت أنا بدوري مشيرا برأسي للحراس بأننا قد انتهينا من هذا الإستجواب.

في تلك اللحظة وقف كريس لايت فجأة و صاح قائلا: أصابع مقطوعة؟، هل قلت أصابع مقطوعة؟.

فإلتفتنا إليه في نفس الوقت مستغربين، ثم قال جيم: لماذا؟، هل تعلم شيئا بخصوص هذا الأمر؟.

فقال كريس و قد عاد للجلوس من جديد: كان لشون عادة غريبة في الماضي، فهو غالبا ما يعود متأخرا للمنزل في الليل و هو ثمل تماما، حيث يتفوه عند وصوله بالكثير من الأمور التافهة والكلام الغير منطقي، و قد كنت أنا أستمع إليه من دون أن أصدق أية كلمة مما يقول. لكن في الليلة التي سبقت اليوم الذي قبض فيه علينا، عاد ثملا كعادته للمنزل و قد أخبرني بأنه قد ذهب لبيت الرجل الذي يدين لنا بالمال ليقوم بإخافته حتى يسرع في إعادة المال، و عندما فتح له الباب و لم يبدو عليه الخوف اقتحم منزله و أمسك بابنه الصغير الذي كان يشاهد التلفاز، و أخذه للمطبخ حيث أمسك بالسكين و قطع له أحد أصابعه أمام ناظر أبيه، ثم أخبره بأنه سيمهله للغد حتى يدفع ما عليه.

و بإعتبار أنه يعود دائما ثملا و يتفوه بأي كلام يخطر بباله فإنني لم أصدقه، بل ظننت بأنه يهذي و أنه قد تخيل الأمر في رأسه فقط، والغريب في هذا الأمر أنه نفس الرجل الذي قتلته أنا في اليوم الموالي و دخلت للسجن بسببه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مزاد للقتلة

المؤلف Mondher Rhamni
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة