نهاية غير متوقعة

نهاية غير متوقعة

15 0

أقلقني الهدوء المفاجئ الذي أبداه هذا السائق بالرغم أنه يعلم بأنه قد تم القبض عليه من طرف الشرطة، حتى أنه لم يبدي أي مقاومة عندما سرنا به عبر البهو الكبير نحو غرفة التحقيق، بل لم يبدو عليه أبدا أنه يبالي بمدى خطورة موقفه.

قرر رئيس الشرطة حضور الإستجواب معنا، أما رالف فقد غادر ليستحم و ليغير ملابسه بعد أن أمضى مدة طويلة و هو يجوب شوارع المدينة، و قد أخبرنا قبل مغادرته بأنه قد يتأخر قليلا لذلك نستطيع أن نبدأ الإستجواب من دونه.

تم إغلاق الباب وسط الصمت الذي لا يطاق الذي ملأ المكان، حيث أن كل الموجودين يمتلك أسئلة لا نهاية لها يريد أن يطرحها على هذا السائق، أما السائق نفسه فقد بقي جالسا دون حركة و هو يراقب بنظرات شبه بريئة رئيس الشرطة كيف يتفقد أوراق هويته التي أخذناها منه. و قد اتضح لنا من خلال أوراق الهوية بأن هذا السائق يدعى مايكل، و هو يبلغ من العمر تسعة و ثلاثين سنة، يعيش في الطرف الآخر من المدينة، و يعمل كسائق سيارة أجرة.

كان جيم أول من بادر بالكلام عندما طال الصمت في الغرفة، و بصوته المرتفع الذي امتزج بأنفاس الدخان سأل السائق باستخفاف: هل أنت مستعد للإعتراف؟، أم أنك تفضل البقاء صامتا لمزيد من الوقت حتى تستوعب مدى خطورة موقفك الأن؟.

بالنسبة لرئيس الشرطة فقد كان جالسا في مقعده ينظر لمايكل دون أن يتدخل في الإستجواب، و لقد كان صامتا على غير العادة. أما بالنسبة لي فقد كنت غارقا في البحث عن سبب هذا الهدوء المبالغ فيه الذي أظهره هذا الرجل مما زاد قلقي أكثر من قبل.

فجأة رفع مايكل يديه المقيدة بالأصفاد و وضعها فوق الطاولة، ثم قال بنبرة واثقة: سأقوم بإخباركم بكل ما تريدون معرفته، شرط أن تزيلوا عني هذه الأصفاد، فقد أزعجتني كثيرا.

نظر جيم لرئيس الشرطة لمعرفة ما الذي سيقرره، و عندما أومأ له رئيس الشرطة برأسه مشيرا بذلك على موافقته أخرج جيم مفتاحا صغيرا من جيبه و مد يده نحو يد مايكل و نزع عنه الأصفاد.

فتح مايكل شريط القفازات التي كان يرتديها و قام بنزعها، ثم بدأ بحك راحتي يديه و هو يقول: إن إرتداء القفازات يتسبب لي دائما بهذه الحكة، لكنني مجبر على إرتدائها لأن إمساك المقود لمدة طويلة عند القيادة يجعل يدي تتعرق، مما يجعل القيادة غير مريحة.

لم أكن أستمع فعلا لما كان يقوله مايكل، لكن ما جذب انتباهي هو ما حصل عند نزعه للقفازات، فقد أصدرت صوتا عندما قام بفتحها شبيها بصوت الشريط اللاصق عندما ينزع، و قد ذكرني ذلك الصوت بما قاله الممرض ستيفن عندما قمنا بإستجوابه سابقا. فلم أتمكن من كبح نفسي عن طرح السؤال الذي تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة، لذلك نظرت لمايكل بفضول و سألته مباشرة: ألست أنت نفس سائق سيارة الأجرة الذي اشترى قبل أكثر من السنة كمية كبيرة من الأقراص المخدرة من شخص يدعى الشبح؟.

لم ينكر مايكل ما قلته، و لم يسألني كيف عرفت ذلك، فقد اكتفى بالنظر نحوي و أجاب بكل بساطة و بكلمة واحدة فقط: أجل.

ثم بقي صامتا للحظات حيث بدا لي من خلالها و كأنه ابتلع شيئا ما، بعد ذلك قام بنزع ساعته و ضغط على أحد أزرارها ثم وضعها في منتصف الطاولة، و قال لنا: إن الطريقة التي إستعملتموها لإستدراجي و الإمساك بي قد نالت إعجابي، لأنها تظهر مدى إصراركم و جديتكم في البحث عن الحقيقة.

ثم أشار بإصبع سبابته للساعة التي وضعها في منتصف الطاولة و أكمل قائلا: لذلك فأنا أمنحكم الآن عشرة دقائق فقط من وقتي و عليكم استغلالها جيدا.

نظر ثلاثتنا للساعة بمنتصف الطاولة، و قد كانت بالفعل مضبوطة لترن بعد عشرة دقائق. عندئذ قال جيم بإستغراب: ما الذي تعنيه بقولك بأنك تمنحنا عشرة دقائق فقط؟، فنحن نملك كل الوقت الذي نريده، و أنت ليس لديك مكان آخر لتذهب إليه.

ارتسمت على وجه مايكل ابتسامة خبيثة، ثم قام بفتح فمه حيث بدا ظاهرا لنا أن سنه الفضية قد اختفت. نظر إلينا و قال: كما لاحظتم جميعا فإن السن الفضية قد اختفت، و هي سن مزيفة تحتوي على سم سريع المفعول يقوم بقتل من يبتلعه في غضون عشرة دقائق، لذلك أنصحكم بأن تستغلوها جيدا.

لم يصدق جيم ما قاله مايكل، و اتهمه بكل سخرية بأنه يكذب و أن ما فعله لا يمكن أن يكون سوى خدعة. إلا أن مايكل الذي بدا أنه لا يبالي بشيء أجابه: إذن ما عليك سوى الإنتظار لعشرة دقائق لمعرفة إن كان الأمر خدعة أم لا، لكنك ستكون قد أضعت أهم عشرة دقائق في حياتك إن كنت مخطئا.

بالرغم مما قاله مايكل، فقد كان التصرف المنطقي الوحيد هو التعامل مع الأمر على أنه صحيح، لأن الدقائق التالية هي ما ستحدد لنا ان كان ما تعبنا من أجله الشهور الماضية ذا فائدة أم لا، لذلك بادرت أنا بطرح أول و أهم سؤال، فقلت: أخبرنا من هو القاتل الذي ارتكب كل جرائم القتل التي حصلت سابقا؟.

فأجاب: أنا لا أعلم.

- لماذا تطلبون من الضحايا إرسال الرسائل لشون لايت؟، و هل هو متورط أيضا في هذه الجرائم؟.

- هذا سؤال أعلم إجابته، إن شون لايت ليس سوى أداة تمويه و ذلك لإبعاد الشبهات عنا من ناحية أولى، ومن أجل تسهيل عملية التواصل مع القائد من ناحية أخرى.

وقف جيم من مكانه و اقترب كثيرا من مايكل و ذلك بهدف ازعاجه و ليغرس فيه شعورا بعدم الإرتياح، ثم قال بعد أن نفث الدخان في وجهه عن عمد: جيد جدا، أخبرنا إذن من يكون هذا القائد؟، و ما طبيعة علاقته بشون لايت؟.. هل هما شريكان مثلا؟، أم أنه فقط قام بإستأجاره لتنفيذ أوامره؟.

بقي مايكل محافظا على هدوءه الغريب و أجاب بنفس النبرة الواثقة: القائد هو الشخص الذي يقوم بإصدار الأوامر لي و لبقية الوسطاء، و قد قام هو بإختيار شون لايت بالتحديد و ذلك إنتقاما منه لما سببه له في الماضي، أما شون لايت فهو لا يعلم شيئا مما نفعله و لا يدرك حتى ما يحدث من حوله.

فسأله جيم من دون أن يتحرك من مكانه: ماذا عن هوية القائد الحقيقية؟.. من يكون بالتحديد؟، و أيضا.. أخبرني عن الماضي الذي يجمعه بشون لايت ليجعله يفكر في استغلاله بهذه الطريقة.

أجاب مايكل بكل بساطة و ببرودة أعصاب: أنا آسف، فهذا سؤال لا أستطيع إجابتك عنه، لأنني قد و سبق و وعدته بالحفاظ على سره، و أنا رجل عند وعدي.

استشاط جيم غضبا مما جعله يرمي السيجار الذي بيده من دون أن ينهيه، ثم قال له بعد أن هدأ قليلا: إن كنت ستتكتم بخصوص هذا الموضوع، فبماذا تستطيع أن تخبرنا إذن؟

فأجاب: كان لشون لايت شريك في الماضي، و هو أخوه كريس. إنه لا يزال إلى حد الآن موجودا في السجن، فإن كان هناك من يستطيع مساعدتكم فهو الشخص المطلوب.

ثم ابتسم و هو ينظر لجيم و قال بسخرية: الأمر في منتهى البساطة، أليس كذلك؟. لو كنت أنجزت عملك بإتقان لتنبهت لهذا الأمر منذ البداية. لكن لا بأس، لا بد أنك كنت مشغولا بأمور أخرى أهم.

عندما تراجع جيم للخلف قليلا، وجدتها الفرصة المناسبة لأخذ دوري في طرح الأسئلة، و على عكس ما فعله جيم فقد بقيت في مكاني و لم أقترب منه. فقلت له: إن هذه الأرقام المذكورة في أسفل الرسائل ترمز لكل شخص منكم، و حسب عدد المرات التي تكرر فيها كل رقم منها يعني أنكم أربعة أشخاص. كما أن هذه الأرقام تمثل أيضا الوسيلة التي من خلالها يستطيع هذا القائد أن يعرف من منكم أنتم الأربعة صاحب هذه الرسالة، أليس كلامي صحيحا؟.

عندما أكد لي مايكل بأن ما قلته كان صحيحا سألته مجددا: ماذا تستطيع أن تخبرني عن المكان الذي تقومون بأخذ الضحية إليه حيث يتم قتلها؟، و ذلك لأن الأدلة التي نجدها في المكان الذي نكتشف فيه الجثة تثبت أن الضحية قد قتلت في مكان آخر.

نظر مايكل مباشرة نحوي بنطرات فاحصة و قال: عندما يأتينا الأمر، أقوم أنا و بمساعدة بقية الوسطاء بالإمساك بالضحية التي وقع عليها الإختيار، فنقوم بتخديرها ثم نأخذها إلى مكان محدد حيث ينتظرنا القائد بشاحنة مغلقة من الخلف. و بعد إتمامنا لهذه المهمة، يقوم هو بنقلها بمفرده إلى مكان آخر لا نعلمه نحن، و لا نلتقي معه ثانية إلا عندما يعود من هذا المكان، و ذلك حتى نساعده على إعادة الجثة إلى منزلها دون أن يشعر بنا أحد.

إقترب منه جيم من جديد و قال بإستغراب: هناك رجل لم تقتلوه مثل بقية الضحايا و قد تركتموه ليموت مسموما، فكيف تستطيع أن تفسر لي ذلك يا ترى؟.

فأجابه: نحن لم نتلقى أية أوامر بخصوصه، لذلك تركناه و لم نفعل شيئا.

انجرفنا كلنا في هذا التحقيق، و لم ينتبه أي أحد منا إلى الساعة الموضوعة أمامنا في وسط الطاولة، و التي كانت تأكل الدقائق المعدودة التي من المفترض أنها ستكون الدقائق الأخيرة في حياة مايكل، حتى أننا لم نكلف أنفسنا عناء النظر للساعة لمعرفة كم بقي لنا من الوقت. و لم نلحظ مرور هذه الدقائق الثمينة إلا عند سماعنا لصوت رنين الساعة، و رغم أنه كان رنينا ضعيفا إلا أنه كان مسموعا بشكل واضح لكل من كان متواجدا داخل غرفة الإستجواب.

و في تلك اللحظة التي يمكن أن تكون الأخيرة لم يتغير أي شيء، فقد كان مايكل هادئا كعادته، و كان رئيس الشرطة صامتا كما كان منذ بدأ التحقيق، و كان جيم غير مهتم لأنه مقتنع بأن الأمر خدعة و أن مايكل لن يموت مسموما مثلما قال.

أحسست بأنه علي الإسراع بطرح سؤال آخر تحسبا لما يمكن أن يحدث، لذلك اختزلت كل ما كنت أفكر فيه في سؤال واحد و وجهته إليه بسرعة كبيرة، فقلت: هل تعلم أي شيء يمكن أن يكون ذا فائدة و تظن أننا بحاجة لأن نعرفه؟.

فنظر مايكل إلى رئيس الشرطة الجالس أمامه، و قال بنبرة غامضة: إن كنت أعلم شيئا فهو أن موتي سيكون له ثمن، و أنتم من سيكون عليكم دفع هذا الثمن في الأيام القليلة القادمة.

و ما كاد ينهي هذه الكلمات حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، و قد سقط على الأرض جثة هامدة عندما غلبه جسده و مال به لجهة اليمين مما جعله يفقد توازنه.

خيم السكون على المكان بعد هذا الموت المفاجئ و الذي كان متوقعا نوعا ما، مما دفعني للتفكير كيف يستطيع الإنسان أن يتقبل فكرة أن قتل نفسه ستكون الحل للهروب من الواقع بدل الوقوف و مواجهته، علما و أنه على دراية بعواقب الأشياء الفظيعة التي ارتكبها و التي يمكن تجنبها بعدم الإقتراب منها من الأساس.

كان هذا الشخص الثاني الذي مات مسموما في مركز الشرطة، غير أن الفارق الوحيد بينهما هو أن الأول قد قرروا مصيره بدلا عنه أما الثاني فقد قرر مصيره بنفسه.

رئيس الشرطة الذي بقي صامتا أثناء التحقيق كان أول شخص يتكلم بعد هذه الحادثة، فقد قال لنا و هو يخرج من غرفة الإستجواب: عليكما أن تذهبا بسرعة لتتحققا من أمر كريس لايت، و أنا في هذه الأثناء سأتصل بمدير السجن لأعلمه بحضوركما.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مزاد للقتلة

المؤلف Mondher Rhamni
2025/12/01 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة