المفاجأة

المفاجأة

15 0

_كلا... هناك شيء آخر.

نظر له لادن باهتمام وقد تلاشت تلك الملامح الباردة عن وجهه فتابع ليث بابتسامة صغيرة دلت على حزن لجرح لم يلتئم بعد:

_بخصوص القضية؛ لقد أُغلقت وسيقام الحد على المجرم غدا.

علق الآخر ببعض التعجب:

_هل اعترف الرئيس السابق؟

أومأ بهدوء فألقى عليه بسؤال آخر:

_ولكن كيف وصل لمنزل الضحية؟

_كان معه بالفعل، بإرادة الضحية، أقصد... معلمي من أدخله للمنزل.

ذُهل لادن قليلا فسأله باهتمام:

_ماذا عن الدافع؟  لم قتله؟

أجابه وهو يتكئ على الحائط الخلفي للمبنى وقد رفع رأسه للسماء بعد أن صدرت منه تنهيدة متألمة:

_بدأت القصة قبل سنوات من الآن، لم يكن معلمي وقتذاك ملتزما بطريقة تجعله يضع الشرع أولا ثم مصالحه، وكان المجرم تاجر مخدرات (لاحظ الصدمة على وجه المستمع فابتسم بسخرية موجها حديثه له) أكنت تتوقع هذا؟ صُدمت مثلك عندما علمت بالقصة.

_كلا، تابِع...

_اكتشف معلمي الأمر فأخذ يطلب من الرئيس ترك هذه المهنة التي تنافي وظيفته كرئيس مركز الشرطة آنذاك، لكن الآخر رشاه بأن جعله الرئيس الحالي وتنازل له بالرئاسة معللا بأنه قد كبر في السن... مضت ثلاث سنوات على تلك الحادثة قبل أن يتوب معلمي ويعود لطريق الهدى، فعاد يطلب من الرئيس السابق ترك ما يفعله، وأن ذلك ليس من شيم رجال الشرطة أو المسلمين، لكن الآخر كان يرفض ترك عمله الذي يدر عليه المال درا، فكما يقال مكسب الحرام أسهل من مكسب الحلال وذلك لأن الشيطان يزينه.

صمت قليلا وكأنه تذكر كل لحظاته مع معلمه الذي كان في منزلة العم والصديق، وقد لاحظ لادن ذلك فحثه على المتابعة بنبرة لَيِّنَة:

_أكمل، أسمعك.

_وخلال الفترة الماضية يبدو أن معلمي كان يضغط على الآخر كثيرا بأن يعترف بما يفعله ويتركه، حتى جاء ذلك اليوم الذي اتصل فيه المجرم به وأخبره أنه يريد الحديث معه بشأن الأمر، فوافق بصدر رَحِب ورحَّب به في منزله، فلما ذهب معلمي لبعض شأنه وترك المجرم في غرفة الجلوس وضع الآخر السم على جهاز التكييف وهو على يقين بأن ما يخطط له سينجح لا محالة.

أطبق عليه صمت خفيف خطف فيه نظرة للادن الذي لم تتزعزع عيناه عن وجه ليث، فتابع بهدوء:

_وما إن عاد معلمي حتى شغل جهاز التكييف لشدة الحر يومها، ثم استدرجه المجرم بالحديث وأخذ يلعب بأعصابه حتى وتره وبث الشك في نفسه أنه غير مسؤول وقد أخذ المنصب ليس استحقاقا بل إسكاتا، فلما توتر قضم أظافره وكانت هذه عادة لديه...(تابع بصوت خفيض) ثم حدث ما نعلمه جميعا...

هز الآخر رأسه متفهما ولم يعرف ما يقول، فاكتفى بالصمت فهو منقذنا الوحيد دائما عندما نعجز عن قول حرف واحد أو التعبير والتعليق عما رأيناه أو سمعناه.

_هذا كل ما لدي، شكرا لاستماعك محقق لادن، وأكرر اعتذاري بشأن ما حدث سابقا.

علق بهدوء:

_لا بأس، بارك الله فيك.

_وإياك... عن إذنك.

غادر ليث ليترك الآخر في حيرة من أمره، أقطع كل هذه المسافة فقط لهذا؟ كان يستطيع الاتصال به وإخباره ببساطة، فلم تكبد العناء وأتى إلى هنا؟

هز رأسه بعنف طاردا كل الأفكار من رأسه، ثم هز كتفيه متصنعا اللا مبالاة وأردف متوجها للداخل مجددا:

_لا يهم.

من جهة أخرى...

في غرفة متوسطة الحجم، طُلي أثاثها باللون الفضي والسمائي، على مكتب صغير فُرش بأوراق كثيرة من يراها يظنها لأبحاث ضخمة لكنها مخططات لرواية جديدة لكاتبة تعيش داخل رواياتها.

كانت أناملها تضغط برفق على الحروف في الآلة الكاتبة في حين ذهب عقلها بعيدا، فخلال الثلاث أيام الأخيرة ازداد الوقت الذي تقضيه في الكتابة لعدم رؤيتها للادن كثيرا، ليس لأن لادن يمنعها لكن وجوده كان يغنيها عن كل شيء، يبعدها عن الوحدة التي تجعلها ترغب بالكتابة، بنسج عالمها الخاص الذي تكتب تفاصيله وتعيشه كأنها فيه.

مجرد ثلاث أيام كان كفيلة بجعلها ترى كم تعلقت بشقيقها رغم فارق السن بينهما، فهي في السابعة عشر من عمرها وهو يكبرها بعشر سنوات، تعلقت به منذ طفولتها، فقد كانت تلازمه دائما حتى عندما يخرج للعب مع الأطفال كان يأخذها معه، وعندما بلغت العاشرة كان يأخذها في جولات في السيارة، فتعلت به تعلقا شديدا، كان السند الذي تتكئ عليه والذراع التي تتشبث بها كلما شعرت بالضياع.

في طفولتها لم تحصل على أصدقاء لأنها كانت إنطوائية جدا حتى كانوا ينادونها بغريبة الأطوار، لكنها تغيرت منذ دخلت الثانوية، عندما التقت برنيم الفتاة الهادئة التي تشبهها من الخارج وربما الداخل أيضا، فلين كانت إنطوائية في نظر الجميع عدا عائلتها ورنيم الذين رأوها على طبيعتها، عفويتها، تقلباتها المزاجية، وحتى ثرثرتها، في حين كانت رنيم بطبعها هادئة، حساسة، وخجولة، كان التشابه الذي يملكانه يكمن في هدوئهما العام، وتشاركهما في حب القراءة، كما أن رنيم كانت أول من قرأ ما كتبت لين، سبقت لادن في ذلك، وهي من شجعتها لتستمر حتى صارت الكتابة جزءا منها.

علاقتهما كانت أقوى من أن تزعزعها نهاية مرحلة دراسية، فرغم إكمالهما الثانوية إلا أنهما تعاهدتا أن يدخلا الجامعة ذاتها والتخصص ذاته، وألا يسمحا لأي ظرف بتفريقهما.

قطع صوت ذكريات لِين طرقٌ على الباب لترفع يديها عن الآلة الكاتبة ثم تترك كرسيها وتفتح الباب لتفاجأ بوالدها خلفه، ذهلت من ذلك فليس من عادته القدوم لغرفتها لكنه أفاقها من حيرتها بقوله بابتسامة هادئة:

_تعالي إلى غرفة الجلوس، جميعنا هناك.

ذهب وتركها في حيرة من أمرها وقد غزا الاستغراب ملامحها فتوجهت حيث أخبرها والدها، لتزداد حيرتها التي اختلطت بصدمة عندما وجدتهم يلتفون حول طاولة مستطيلة استقرت عليها كعكة صغيرة كُتب عليها «كاتبتِي»، مع كؤوس عصير على عددهم.

أشار لها لادن أن تتقدم ففعلت ذلك وهي عاجزة عن فهم أي شيء لكنه أردف مبتسما:

_هإحم، أصغي إلي جيدا ليلي

قضبت حاجبيها في حيرة ليتابع بنبرة حيوية لطيفة:

_منذ اليوم أنتِ معترف بك في مركزنا كمساعدة محقق، أقصد قد نستعين بك في القضايا عامة.

  فتحت عينيها على مصرعيهما في صدمة وعدم استيعاب، وأخذت تحملق في شقيقها، ليقول والدها بلطف:

_قد نحتاج تعاونك أنت ورنيم في القضايا التي علينا التعامل فيها مع جنس حواء بشكل متكرر.

ابتسمت بإشراق واحتضنت شقيقها بسعادة وكأنها في حلم

عند عمران...

كان يقود سيارته متوجها نحو المنزل بعد أن اشترى بعض الكعك والحلوى بسبب اقتراح لادن... لقد كان حديثا آخر من الأحاديث التي أثرت في نفس عمران.

«عودة للماضي»

بعد أن أخذ الشابان شارتيْ أختيهما وقفا خارج المبنى يتحدثان حول القضية التي شهدها لادن فلم يتناقشا فيها وجها لوجه قبل الآن، وقد استغل لادن الفرصة بعد أن سرد جميع ما جرى لزميله، بأن سأله ما كان يفكر فيه طوال الوقت:

_كيف عرفت المجرم من خلال التسجيل فقط؟

أجابه ببساطة:

_نبرة صوته، ربما ظن الهدوء قد يبعده عن الشبهة، ولكن ليس في مثل هذه الحالات، كما أنني سمعت صوت اهتزاز قدمه الناتج عن التوتر غالبا، لذا عرفت أنه المجرم... على كل حال لقد قبض على المجرم ولا يهم إن كان استنتاجي صحيحا أو لا.

تابع مغيرا مجرى الحديث وهو يفتح باب سيارته ثم التفت للادن بهدوء وسأله:

_كيف ستخبرها؟

ابتسم مجيبا:

_سأشتري كعكة وبعض العصير كاحتفال صغير، وسأكتب عليها أي شيء... وأنت؟

هز كتفيه بهدوء وأردف ببرود:

_سأخبرها ببساطة

ثقبه لادن بحدة وضربه بقبضته على كتفه بخفة:

_أتمزح؟ يا رجل أظهر بعض الود! اشتري لها أي شيء، احتفل معها، لا تشعرها أنك مرغم على جعلها مساعِدتك!

رمقه عمران بذهول متعجبا:

_ما بالك انفعلت؟

أجاب الآخر صارا على أسنانه:

_تصرفاتك الغير مدروسة تغضبني!

تفاجأ عمران من ردة فعل زميله بل ومن قوله «تصرفات غير مدروسة»  كيف ذلك وهو الذي يفكر قبل فعل أي شيء؟

تابع الآخر بعد تنهيدة صغيرة:

_أنت ذكي كفاية لتحل القضايا، لكن عقلك يتوقف عن العمل عندما يتعلق الأمر بعلاقتك مع عائلتك.

تسللت هذه الكلمات في جسد عمران كصدمة كهربائية، كحقيقة تجاهلها دائما، شعر بشدة سوء تعامله فسأل بصوت خفيض متردد:

_وما الحل برأيك؟ أتظن أن من السهل أن تعيش حياة تأخذ فيها دور الأب والأخ معا؟

أغمض لادن عينيه بحثا عن أي إجابة قبل أن يتابع الآخر بنبرة حادة غير مقصودة لكن بركان الكتمان الذي خمد داخله لم يعد يحتمل الركود:

_ألا تعلم كم من الصعب أن تواجه كل شيء وحدك بصمت؟ أن تمر عليك لحظات تتمنى فقط أن تنام لقسوة الأفكار التي تسلبك النوم؟ أن تبقى دائما تفكر في كيفية توفير كل شيء لعائلتك؟ أن تتصنع القوة فقط كي لا يشعروا بالشفقة عليك وأنهم عبء ثقيل؟

ابتسم لادن بهدوء وعلق بكلمات ملأتها السكينة:

_ومن طلب منك ذلك؟ من طلب منك أن تواجه كل شيء وحدك؟ ما الفائدة من علاقتنا إن لم أكن معك في الضراء قبل السراء؟ وفي الضيق قبل الفرج؟

لاحظ الصدمة التي استقرت على الآخر فتابع بذات النبرة السابقة:

_ثم... هل تظن حقا أن البرود قوة؟ أن تحرم عائلتك من ابتسامتك قوة؟ أتعلم؟  أجزم أن أحد أحلامهم أن تتحدث معهم بصدق، أن تخبرهم بضيقك، أن تفضي لهم بكل ما تخبئه داخلك؛ هذا ليس ضعفا، بل ثقة، ثقة تمنحها لمن يستحقها، فعائلتك هي أكثر من تستحق أن تثق بها يا عمران.

ربت على كتفه بخفة وقال مبتعدا بصوت عالٍ بعض الشيء ليصل إلى مسامعه:

_فكر في كلامي جيدا يا صديقي.

ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتي عمران وتمتم:

_صديقي...

ركب السيارة وعقله لا زال يكرر كلمات لادن داخله.

«عودة للحاضر»

استقرت سيارته أمام منزلهم الصغير، نزل وتوجه نحو الباب، أنزل الأكياس من يديه ثم فتح الباب بالمفتاح، ودلف مجددا مع الأغراض، فلما سمعت شقيقته صوت خطواته أتته ركضا لترحب به بعد أن كانت في غرفة والدتها.

نظرت له بذهول وهو يحمل الأكياس فلا شيء ناقصا في المنزل، لكنه أغمض عينيه وتنفس بهدوء ثم فتحهما بالتزامن مع ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه فأجفلت رنيم من تصرف شقيقها الغريب، وقبل أن تقول شيئا تحدث بهدوء:

_رنيم، هل لك أن تبقي مع أمي قليلا؟ لا تخرجي من غرفتها من فضلك حتى أناديك.

ذهبت الفتاة لوالدتها مصدومة، لم تفهم شيئا، لكن القلق بدى ظاهرا على وجهها وهي تقول لأمها مشيرة إلى باب الغرفة:

_عمران يا أمي!

نظرت لها والدتها بقلق وسألتها:

_ماذا جرى له؟

_يتصرف بغرابة! ابتسم فجاة، ثم أخبرني ألا أخرج من هنا!

ضحكت والدتها بخفة وقد فهمت ما يدور في ذهن ابنها، فأشارت لابنتها بالجلوس قائلة بهدوء:

_استمعي لكلامه وابقي هنا إذا.

نظرت لها رنيم بتذمر:

_ولكن؟  ربما حدث معه شيء ما!

_إنه بخير، اطمئني.

ضيقت عينيها بشك ثم سألت والدتها:

_هل تخفيان شيئا عني؟

ابتسمت ولم تجب فتابعت الفتاة:

_ما هو!

_ستعرفين وحدك، لا تتعجلي...

وقبل أن تتمكن من قول أي شيء دخل عليهما عمران والتضايق باد على وجهه لتسأله والدته بهدوء بعد أن سلم عليها:

_ما الأمر يا بني؟

تردد قليلا قبل أن يجيب ببرود مخفيا استحياءه:

_لم أجد النعناع.

تابع وعيناه مثبتتان على شقيقته التي كانت ترمقه بتعجب:

_أخبريني أين تضعينه دون أن تذهبي إلى هناك!

لم تستطع إخفاء تضايقها من كلماته لكنها أردفت بهدوء واحترام:

_إنه في الخزانة فوق الرُخامة التي بجانب الثلاجة، في الرف العلوي.

ما إن سمع كلماتها حتى غادر مجددا فأخذت تحدق في والدتها في حيرة من شقيقها الذي انقلب فجأة.

مضت قرابة العشر دقائق ثم عاد عمران وحمل والدته ثم أشار لشقيقته أن تتبعهما.

ذهبوا لغرفة الطعام حيث استقر الكعك والحلوى مع فناجين الشاي على الطاولة.

أجلس والدته على كرسي خاص بها، ثم جلس مقابل شقيقته التي كانت تنتظر أي تفسير لما يجري.

وفي لحظة صمتهم القصيرة، تحدث عمران بنبرة هادئة حاول لفها بوشاح اللطف:

_منذ اليوم أنت مساعدتي بعلم الشرطة.

ابتسمت والدتها قائلة:

_مبارك رنيم.

أردف عمران بهدوء محاولا التلطف في نبرته لكن لا فائدة:

_منذ اليوم، ستكونين مساعدتي في التحقيق.

فغرت فاها من الصدمة وسألته وعيناها تتقلبان بين الشارة ووالدتها وشقيقها:

_ماذا يجري!؟

ابتسمت والدتها بلطف:

_يمكنك مساعدة عمران في التحقيق دائما وأنت هنا.

سألت بترقب وشك:

_عمران ذكي، لم يحتاج مساعدتي؟

أجابها بابتسامة هادئة وكلمات صادقة:

_حتى أذكى المحققين يطلب المساعدة.

(تمت بحمد الله)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ها نحن ذا نودع جزءا جديدا من سلسلتنا الصغيرة😔🎀

لم يتبق الكثير على وداعنا للسلسلة بأكملها فاستعدوا🫡

كيف كان الفصل؟

المفاجأة؟

الشخصيات؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عادة قتلت صاحبها

المؤلف البروء
2025/11/22 مكتملة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة