قضية جديدة

قضية جديدة

21 0

راقبته بعينين تشتعلان حماسة وابتسامة واسعة وهو يخرج ملابسه من الخزانة، فسألته باهتمام بالغ وعيناها تتابعان تحركاته:

_قضية جديدة؟

أومأ بهدوء فقطبت حاجبيها واسترسلت باستغراب من تصرفه:

_لا تبدو متحمسا لحلها

_صحيح

_لم؟

_الضحية هو رئيس مركز الشرطة في المدينة المجاورة.

نظرت له بصدمة فقدت فهمت سبب هدوئه، فتابع:

_تم طلب مساعدتنا في حلها لأن الضحية كان ذو علاقة قوية مع رئيس مركزنا... وسمعت أن المفتش الذي أمسك القضية يعرف والدي والمفتش نبيه.

أومأت بتفهم ثم التفتت مغادرة وهي تقول محفزة:

_إن احتجت مساعدة فلا تتردد، وأيضا أرسل لي التفاصيل عندما تذهب.

ابتسم بتكلف:

_حاضر ليلي، لن أنْسى أمرا كهذا.

ودعها وقد وعدها بشراء بعض المثلجات لها بعد حل القضية، كما أعلم والدته أنه قد يتأخر إذ أن المسافة قد تصل لساعتين في طريق الذهاب ومثلها عند العودة هذا غير الوقت الذي سيقضيه في حل القضية التي لا يعلم عنها التفاصيل الكثيرة حتى الآن؛ لذا طمأنها ألا تقلق.

كما أنه اتفق مع عمران على إخباره بتفاصيل القضية فور وصوله هناك، إذ أن الآخر لن يستطيع الذهاب لمكان بعيد وترك عائلته وحدها دون معيل، فيكفي ما سببه لهما منذ شهرين في قضية السيد بسام ولقائه بجهاد والد لادن¹.

انطلق لادن بسيارة والده نحو مركز الشرطة ليتركها له هناك، ثم انطلق مع المفتش نبيه من فوره نحو مسرح الجريمة...

كان الطريق مليئا بضجة المركبات وأصوات الناس، فهما في بداية النهار حيث تزدحم الطرقات بأصحاب العمل، بالإضافة إلى نسمات الهواء الباردة التي داعبت وجه لادن لتفيقه من شروده، فهذه هي القضية الأولى التي يخرج فيها خارج حدود مدينته، والأدهى من ذلك أنها ليست قضية عادية، بل قضية موت شخص ذو رفعة، شخص أفنى عمره في تحقيق عدالة الله، كان يعطي احتمالاته التي منها أن القاتل هو مجرم هارب أو شيء من هذا القبيل، لكنه لا يضع أي احتمال على سبيل اليقين حتى يرى مسرح الجريمة بعينيه ويكتشف تفاصيل الجريمة النكراء التي لم يستوعبها العقل، فكما أُوذي ذلك الشرطي سيؤذى غيره من الشرطة... ليس لشيء غير أنهم يدافعون عن العدالة، لا يرضون بالباطل ويرفعون راية الحق رغم أنوف الظالمين!

أما من جهة أخرى... فقد عاد عمران لتوه من مركز الشرطة .

دخل للمنزل الذي كان ولا زال يحتويه منذ خمس سنوات وذلك بعد وفاة والده بخمس سنوات ونصف تقريبا؛ إذ اضطر لبيع منزلهم السابق ليشتري بدلا عنه منزلا صغيرا ويضع باقي المال في علاج والدته.

فتح قفل الباب بالمفتاح الذي لديه، ثم توجه نحو غرفته بخُطى بطيئة، كي لا يوقظ والدته وأخته فالساعة لا زالت السابعة والنصف صباحا...

بدل ملابسه ثم توجه للمطبخ ليجد أخته تعد الإفطار وهي تمتم بينها وبين نفسها ببعض السور التي تحفظها، ليقول بهدوء تخلله بعض الذهول:

_متى استيقظتِ؟

ابتسمت بهدوء وقالت هامسة وهي تقطع البطل لمكعبات صغيرة الحجم ثم تضعه في المقلاة إلى جانب اللحم:

_لم أنم بعد صلاة الفجر، أمي لم تستيقظ بعد.

أومأ بتفهم ثم التزم الصمت وأخذ يراقبها وهي تعمل دون كلل أو ملل، تقطع الخضار، تجهز الشاي، وتغسل الأواني.

تفرس وجهها بحثا عن أي سخط أو ضجر لكنه لم يجد سوى الرضى يغزو ملامحها.

تغيرت علاقتهما منذ تلك الحادثة²، فربما تذكره لوالده ووصيته أعادت في نفسه شخصية عمران القديمة، عمران الهادئ المهتم، وليس الهادئ البارد، عمران الذي يقلق على ما حوله وعلى أخته ذات السبع سنوات، لقد مضت 10 سنوات كاملة على تلك الشخصية مرهفة المشاعر، فقد رباه والداه على الاهتمام بمن حوله تحديدا أخته رنيم، وكم حذره والده من إحزانها، لكن منذ تلك الحادثة، ورؤيته لوالده يقتل أمام عينيه تغير، وكأن ذاك المشهد استنزف كل مشاعره حتى ما عاد يحمل منها إلا القليل النادر.

ومنذ ذلك الحين، رنيم هي من تبادر، تبدأ الحديث، وتحاول كسر الحاجز رغم خوفها في كثير من الأحيان من نظراته الباردة التي يثقبها بها عندما تزعجه، ولكن بعد استعادته لذكرياته أصبحت تتقرب منه أكثر، فقد أخبرتها والدتها بكل شيء، أخبرتها سبب تغير عمران، وأخبرتها كم يكن لها من الحب فقد كان عندما يراها تنزف إثر جرح صغير في صغرها يسارع بضمها كي تهدأ وتسكن بين أضلعه، لم تنسَ رنيم ضحكتها وقتها، تلك الضحكة المستنكرة، كيف لعمران أن يفعل  أمرا عاطفيّا كهذا؟

لكن مع مرور الأيام باتت تقتنع أن وراء قناع البرود هذا، شخص يقلق، يهتم، يتألم، ويسعد، وإن لم يظهر غير برودة ملامحه.

أما من جهة أخرى...

كانت لين في غرفتها الصغيرة، تجلس على كرسيّها الدوار ذا اللون البني الفاتح كلون مكتبها الذي استقرت عليه كومة من الأوراق والدفاتر والأقلام المبعثرة بفوضوية، إلى جانب الآلة الكاتبة التي اشتراها لها لادن منذ أشهر قليلة.

عيناها تدققاق في إحدى الورقات التي كتبت فيها تخطيطا لروايتها الأولى والتي تتحدث عن الجرائم ومساويها، كانت مشوشة الذهن إذ أن الأفكار تتزاحم في رأسها تباعا دون ترك مسافة بين فكرة وأختها وما تلبث أن تكتب الفكرة الأولى حتى تنسى الثانية وهكذا.

تحركت أناملها بتردد نحو آلة الكتابة خاصتها وبدأت تكتب بتردد فعقلها هذه المرة لم يكن مع الكتابة بل مع شقيقها الذي غادر والحزن يكسو ملامحه، كانت تعلم يقينا أن السبب هو شعوره بالأسى على الشرطي الذي قُتل فقط لأنه يؤدي واجبه كمحقق للعدالة، ولربما انتابته فكرة أنه قد يكون مكانه يوما... ولكم آلامتها هذه الفكرة!

نظرت لساعتها فإذا بساعتين قد مرتا منذ خروج لادن من المنزل، لذا قررت الاتصال به والاطمئنان عليه، فأمسكت هاتفها وطلبت رقم أخيها وهي تجهز الكلمات التحفيزية التي ستلقي بيها على مسامعه حتى يرتاح قليلا ويركز في حل قضيته بدل القلق الذي سيأكله إن ضعف له.

خططت لتشجيعه ورفع معنوياته،وربما ممازحته قليلا كما اعتادت أن تفعل دائما.

ما لبث أن رن هاتفها للمرة الثانية حتى رد عليها بصوت هادئ مع ابتسامة صغيرة اعتاد رسمها عند محادثتها:

_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

_وعليكم السلام، لادن، هل وصلت للمنطقة؟

_نعم، قبل قليل، الآن في طريقنا إلى مسرح الجريمة.

ثم استفسر مستغربا:

_هل كل شيء بخير؟

توترت قليلا ثم اندفعت قائلة مشجعة إياه:

_كن قويا يا رجل!  (تابعت بابتسامة واثقة)  أثق أنك ستحل القضية بسرعة!

استرسلت تمازحه لتزيح عنه الهم الذي شعرت أنه يجثم على صدره:

_بالطبع ستحتاج مساعدتي.

ضحك بخفة وقد انشرح صدره لمجرد محادثتها:

_بالطبع ليلي، كيف لا أطلب مساعدة محققتي الصغيرة وكاتبتي الأولى والأخيرة؟

علقت بتذمر طفولي:

_دعك من السجع فأنا لست صغيرة!

قهقه ضاحكا ثم ودعها مطمئنا إياها بأنه سيرسل لها تفاصيل القضية عندما يصل هناك.

أغلقت الخط ووضعت هاتفها على قلبها وقد دعت الله أن ييسر له أمره ويساعده في عمله الذي يحتاج صبرا وتفانٍ، وألا تتمكن منه الأفكار السلبية فتمنعه من حل القضية التي كلف بها.

أما عند لادن فما إن أغلق الخط حتى حدثه المفتش بابتسامة هادئة:

_عليك ألا تسبب القلق لمن يهمهم أمرك يا لادن.

اكتفى لادن بابتسامة هادئة ولم يعلق فاستطرد الآخر بنبرة حزينة رغم الابتسامة الهادئة التي رسمها زورا على ثغره وعيناه معلقتان في الطريق أمامه:

_دفء العائلة لا يعوض... قد لا تشعر به لوجوده الدائم حولك، لكن من فقده يعلم أنه فقد كنزا عظيما، عظيما جدا!

علق لادن بهدوء بكلمات مواسية:

_رحم الله فقيدَيْك!

ابتسم مُؤَمِّنًا على دعاء الشاب الصادق:

_آمين... وجميع موتى المسلمين.

ثم غلبهما الصمت مجددا ليترك للمفتش نبيه صورة ابنته وزوجته اللتين توفيتا في حادث سيري وهو بعيد عنهما عاجز عن مد يد العون لهما وهو الذي يساعد الآخرين دائما.

قطع هذا الصمت وصولهما إلى مسرح الجريمة حيث تجمهرت سيارات الشرطة محيطة بالمكان، والشريط الأصفر يلف بوابة المنزل الخارجية بينما يقف اثنان من رجال الشرطة يحرسانها.

تقدم المفتش نبيه والمحقق لادن منهما ثم أظهرا شارتيهما لُيسمح لهما بالدخول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

١: الجزء الرابع من السلسلة «أسير الذكريات»

٢: حادثة تذكره لموت والده «أسير الذكريات»

٠٠٠

إذاااا

كيف كان الفصل الأول؟

قصيرا صحيح؟

ولم تكن نهايته ساحقة😂

كل شيء على ما يرام حتى اللحظة

انتظروا فصل يوم الثلثاء🤏🏻

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عادة قتلت صاحبها

المؤلف البروء
2025/11/22 مكتملة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة