وقف لادن أمامهم جميعا بعد أن أنهى الاستجواب وقال بصوت جهوري به حدة:
_سنكمل التحقيقات غدا، نرجو تعاونكم.
خرج المشتبه بهم واحدا تلوى الآخر ثم المفتشان والمحققان.
ودع المفتش نبيه الآخرين باحترام ثم غادر مع لادن الذي كان يرمقهما بنظرات متشككة طوال الوقت، وما إن ركبا السيارة وانطلقا ليختفيا عن ناظري المفتش أحمد والمحقق المحقق حتى قال ليث بغضب وقد ضرب الحائط بقبضته بقوة متجاهلا الألم الذي سببه:
_من يظن نفسه ذاك المدعو لادن؟ كيف يشتبه بنا؟ أظنني مجنونا لأقتل من كان لي بمنزلة الأب؟
تحدث أحمد بهدوء وهو يتوجه لسيارته:
_اهدأ، علينا إثبات براءتنا، خصيصى أنا.
تابع متهكما:
_فيبدو أنني المتهم الأول.
زفر ليث بضيق فتابع المفتش وهو يضغط على المكابح وعلى شفتيه شبح ابتسامة واثقة:
_لا تقلق ليث، فالمجرم قد فضح نفسه بالفعل.
نظر له الآخر مصدوما:
_أتعرف المجرم؟
_لست متأكدا، لكن جهزت خطة لفضحه.
_وما هي؟
أجاب بثقة:
_انتظر للغد.
رمقه بتذمر ثم التزم الصمت لوهلة قبل أن يقول شاردا في الطريق المضاء بضوء خافت:
_المحقق لادن، لا يبدو كما سمعنا عنه، ظننته شخصا لطيفا، هادئا.
علق الآخر بابتسامة صغيرة وعيناه مثبتتان في الطريق أمامه:
_نحن من بدأنا استفزازه.
_أنت من اقترح ذلك.
ضحك قائلا:
_إنها عادة قديمة لدي... تمنيت تجربة هذا على المحقق عمران لكنه لم يأتِ.
سأله ليث باهتمام:
_بالمناسبة، بدا عليك الاحباط عندما علمت أن عمران لم يأتِ، لم؟
ابتسم بهدوء:
_والده -رحمه الله- كان صديقا لي، وأردت أن أراه كيف كبر وصار رجلا معروفا بفطنته وذكائه.
من جهة أخرى...
_أأنت جاد في وضع المفتش أحمد مشتبها به يا لادن؟
_لم لا؟
_لا تدع العاطفة تدخل عملك!
ثبت لادن مكانه لوهلة بعد أن كان يسير في الغرفة بشكل دائري، ثم حدق في المفتش قائلا باستغراب:
_عاطفة؟ ما شأن العاطفة في هذا سيدي؟
تنهد نبيه ووضع كفه اليمنى على كتف لادن اليسرى وقد كانا واقفين جانب بعضهما ليظهر فرق الطول جليا بينهما.
_ماذا لو تعامل معك أحمد بلطف؟ أو تحدث معك ليث باحترام، هل كنت ستشك بهما؟
قرن الشاب حاجبيه مفكرا، وقد تراجع بضع خطوات ليجلس على السرير واضعا كفيه على ركبتيه حانيا ظهره قليلا:
_ربما.
أطلق نبيه زفيرا يائسا وأردف وهو يتجه للخلاء:
_لادن، إياك أن تخلط بين سوء الظن ووضع الجميع في مقام المشتبه به، فسوء الظن إثم فتصرف بموضوعية يا بني.
لم يعلق لادن واكتفى بالصمت ثم أخرج هاتفه من جيبه عندما شعر باهتزازه ليتبعه صوت رنينه، فإذا به عمران، ابتسم بهدوء وفتح الخط مجيبا:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل من جديد؟
_أرسلت لك أقوال المشتبه بهم
_استمعت لهم.
_وهل استنتجت من المجرم؟
أجاب بنبرته الباردة رغم تلك الابتسامة الصغيرة التي استقرت على شفتيه:
_نعم.
شهق لادن من الصدمة وسأله بنبرة تخللتها لهجة آمرة دون قصد منه:
_من؟
أجابه ببساطة:
_أعد سماع أقوالهم وركز جيدا في كل حرف وستعرف من القاتل.
زفر الآخر بضيق ثم قال بنبرة جدية:
_فقط أخبرني، أهو المفتش أحمد أم لا؟
_لا، ليس هو.
استلقى لادن على السرير براحة قائلا:
_الحمد لله.
سأل عمران متهكما:
_لم بدأت تهتم له فجأة؟
ابتسم بهدوء:
_ليس كما فهمت، فقط خشيت أن يكون الشخص الذي دافع عنه الجميع هو القاتل، تخيل شعورهم وقتها؟ بالأخص المفتش نبيه، فيبدو أنه يهتم لأمره جدا.
اكتفى عمران بالصمت ولم يعلق فأردف لادن متسأذنا؛
_حسنا لن أطيل عليك، عن إذنك.
_في أمان الله.
ما إن أغلق عمران، حتى حدق لادن في هاتفه بشرود، متسائلا عن المجرم؟ أحقا ما استنتجه عمران صحيح؟ وإن كان كذلك لم لا يخبره وينتهي الأمر؟ وأيضا... ما الشيء الذي سمعه المحقق الآخر ليعرف الجاني؟ أي كلمة فضحت صاحبها؟ أي لسان رفض التستر على القاتل؟
كان عقله يضج بالأسئلة، وما إن قرر البحث عن أجوبة تروي فضوله وكاد يفتح التسجيلات حتى أتاه اتصال من لين، نظر للساعة فإذا بها قد تجاوزت منتصف الليل، مما بث في قلبه بعض القلق، فرد بسرعة ملقيا السلام:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
_وعليكم السلام، وعليكم السلام!
تعجب من نبرتها وقبل أن يسألها عما بها أردفت هي بنبرة معاتبة تحمل بعض الغضب:
_أنسيت أن تعيد الاتصال بي سيد لادن؟ أم أنك... تشك بقدراتي؟
انفعل مفسرا وقد استغرب المفتش بعد أن خرج من الحمام من نبرة الشاب وهو يجيب شقيقته:
_كلا كلا! لا تسيئي الظن بي ليلي؛ لكنني حقا سأجن بسبب هذه القضية.
قلبت عينيها بملل وقالت بنبرة تلبسها قناع من البرود:
_صدقتك!
تذمر كطفل صغير ليس كأنه ذات الشخص الذي كان يتحدث مع عمران قبل قليل، أو حتى مع الشرطة في مسرح الجريمة:
_ياه ليلي!
ضحكت بخفة على نبرته وكلماته ثم قالت بابتسامة كأن شيئا لم يكن:
_تتصرف كطفل أحيانا أيها المحقق.
تابعت بجدية عُهدت عليها عندما يتعلق الأمر بحل القضايا:
_أخبرني، ما آخر المستجدات؟
ابتسم بهدوء وسرد لها القصة منذ البداية حتى نهاية اتصاله الأخير بعمران، فلما انتهى علقت باهتمام:
_إذا افترضنا أن استنتاج عمران صحيح فإذن سنبعد من دائرة الشبهة المفتش أحمد والمحقق ليث.
_لم المحقق ليث كذلك؟
_لا أرى له شأنا بهذه القضية غير قربه من الضحية.
_لكن!
قالت متفهمة:
_أفهمك لادن، كيف فتح المجرم الباب وكيف رش السم صحيح؟ لن يفعلها إلا شخص قريب من الضحية ولكن ليس بالضرورة أن يكون القاتل هو المحقق ليث.
_إذا هل عرفتِ القاتل؟
نفت برأسها وكأنه يراها ثم أجابت بثقة:
_كلا، لكن علينا الاستماع للتسجيلات الآن.
تنهد بضيق فلأول مرة يشعر بالعجز الحقيقي تجاه قضية تواجهه، ربما لأنه وحده في مسرح الجريمة؟ ويضطر للاتصال بعمران بدل حديثه مباشرة؟ وربما لأنه مشوش اليوم؟ فرأسه ما عاد يحتمل أكثر؟
أرسل التسجيلات لشقيقته لتضعهم على الحاسوب كي يتمكن كلاهما من الاستماع في آن واحد.
أصغى لادن لكل حرف في أقوال المشتبه بهم وكذلك لين، ودونا كل ما سمعاه ووضعا علامات تمييزية للجمل التي من الممكن أن تكون مفاتيح لحل هذه القضية.
أغلقت لين التسجيل الأخير لتقول وعيناها تتفرسان في مذكراتها:
_حدسي يخبرني أن القاتل هو منافس الضحية
أكد على كلماتها بهدوء:
_أتفق معك، هذا في حالة استبعدنا المفتش أحمد والمحقق ليث... كما أنني لم ألحظ أي كلمات قد تثير الشبهة في ما قاله الرئيس السابق عدا كونه من تنازل على الرئاسة للضحية، ولا أظن ذاك دافعا لقتله، وأيضا المشتبه بهما الآخران لم يقولا ما يثير الشك ولا يبدو عليهما أنها يكرهان الضحية رغم المشاكل الصغيرة التي بينهم.
زفرت بضيق ثم قالت بنبرة متذمرة وهي تغلق مذكرتها وتضعها جانبا:
_ولكن كيف فتح الباب؟
_هذا ما أجهله تماما، لكن ربما إن وجدنا دليلا يدين القاتل فسيعترف بنفسه صحيح؟
تابع بعد أن أطلق تنهيدة يائسة:
_عمران أفضل مني في الاستدراج.
زمت شفتيها بسخط فقد بدا اسمه يغضبها، هي لا تكرهه لكن اليوم استثناء خاص فقد فضله لادن عليها -كما اعتقدت- متجاهلة كونه محققا كشقيقها بعكسها هي مجرد هاوية تساعد أخاها في حل القضايا.
_عمران عمران عمران! أستبقى تذكره طوال الوقت؟ لم تشك بقدراتك لادن؟ لا فرق بينكما، كلاكما ذكييان، لذا توقف عن التفكير بهذه الطريقة.
تسللت صوت ضحكاته لمسامعها مما أثار غضبها لتقول بنبرة متذمرة معاتبة:
_ما المضحك في كلامي سيد لادن؟
ابتسم مجيبا:
_انفعالك يضحكني ليلي، تنفعلين بسرعة وعلى أي شيء.
تابع بهدوء:
_لا تقلقي، أنا لا أستنقص من قدراتي، كل ما في الأمر أن شخصية عمران تتناسب مع مثل هذه المواقف أكثر مني، فكما ترين أنا تحكمني العواطف في كثير من الأحيان، على عكسه.
_وما العيب أن تحكم العواطف الإنسان؟
_ليست عيبا بأم عينها، لكنها تُصعب على المحقق معرفة الحقيقة أحيانا.
لمح ساعة هاتفه فقال مستئذنا بنبرة هادئة ودودة:
_حسنا ليلي، علي الإغلاق، تصبحين على خير.
_مهلا!
استغرب وسألها بهدوء:
_خيرا؟
_متى ستعود؟
_لو حللنا القضية باكرا، سأعود غدا إن شاء الله.
علقت بتوتر:
_إن عدت باكرا هل يمكننا الخروج؟ لا داعي للنزول من السيارة، فقط... مللت من البقاء في المنزل.
ابتسم بلطف:
_بالطبع، هناك الكثير من الأشياء قادمة، استعدي.
أردفت بحماس:
_أنا دائما مستعدة، تصبح على خير محققي!
_وأنت من أهله كاتبتي.
أغلق الخط ثم ألقى بجسده على السرير مجددا وغرق في أفكاره حتى غلبه النعاس بعد يوم مرهق طويل بالنسبة له.
أما عند عمران فقد كان يجلس في غرفة الجلوس بشرود، لتأتي رنيم نحوه حاملة كوبين من الشاي، لتعطيه واحدة وتحتفظ بالآخر لنفسها ثم جلست جانبه وسألته بهدوء:
_أكنت تحدث لادن؟
_نعم.
_هل حل القضية؟
_ليس بعد.
نظر لها بعينين ناعستين وقال:
_لم لا زلتِ مستيقظة؟
أجابت بتوتر:
_لم تبدُ بخير اليوم.
رمقها ببرود مع استغراب طفيف قبل أن يقول محافظا على نبرته المعهودة:
_كيف ذلك؟
_أنت شارد طوال الوقت، صامت، لا تتحدث إلا عندما تتصل بلادن، تبدو مشوشا جدا.
احتضنت ابتسامة صغيرة شفتيه مع بعض الذهول الذي اكتسى ملامحه ثم علق بهدوء؛:
_أنا بخير.
_حقا؟
_نعم، اذهبي للنوم، سأنام أيضا.
وقفت بعد أن ارتشفت آخر ما في كأس الشاي خاصتها وقالت بتذمر طفيف:
_حاضر... تصبح على خير.
أردف بهدوء مغادرا للمطبخ بكأس الشاي الفارغ خاصته:
_وأنت كذلك.
غسل كأسه ثم غادر لغرفته لتفعل هي الأمر ذاته.
لم يكذب في كونه بخير، لكنه كذلك لا ينكر أنه شارد في أفكاره منذ الصباح، فنصف عقله مع لادن والنصف الآخر تركه في مركز الشرطة، أراد التركيز على شيء واحد، لكن عقله كان مشوشا، أراد الاتصال بالمفتش جهاد ليسأله عن آخر القرارات لكنه تراجع عند رؤية الساعة، مع ذلك أرسل رسالة لـ لادن يسأله فيها «هل من جديد بخصوص قرار والدك؟»، انتظر لدقائق لكنه لم يحصل على رد، لذا وضع هاتفه جانبا وأغمض عينيه ليضمه النوم بحنان مبعدا إياه عن ضوضاء التفكير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وها هو فصل جديد يودعنا🔥
أيها المحققون، من تتوقعونه المجرم؟👀
وما قصة المفتش أحمد وما علاقته بالمفتش نبيه يا ترى؟👀
و... أغيرة لين مبررة؟ 🤣
البروء