بعينين باردتين تفرس لادن وجوه المشتبه بهم، ثم ثبت عينيه في عيني المفتش أحمد وكأنه يحاول التأكد من فكرة أنه مستبعد من الجريمة، تردد لوهلة في الطريقة التي سيكشف بها القاتل، أراد أن يتصل بعمران لكنه امتنع عن ذلك وقرر الاعتماد على نفسه، وقبل أن يقول شيئا لاحظ أن المفتش أحمد والمحقق ليث يتهامسان قبل أن يرتفع صوت الثاني بتفاجؤ عفوي:
_أحقا تعرف مكان الدليل الذي سيقودنا للقاتل؟
ثقبه أحمد بنظرات حادة ليصمت الآخر في خجل، اقترب لادن منهما والبرود يكتسي ملامحه وكأنه تحول لعمران فجأة:
_أي دليل؟
حدق فيه أحمد لولهة قبل أن يقول بنبرة استفزازية:
_إنه داخل هذه الغرفة (أشار لغرفة النوم)
كان لادن متوجها لغرفة النوم فتبعه ليث وما إن دخلا حتى أردف الأول ببرود:
_أين هو؟
هز ليث كتفيه ببساطة وجلس على السرير حانيا ظهره بينما رفع وجهه لينظر للادن، مجيبا بنبرة مزجت بين الهدوء والسخرية:
_إنها كذبة.
كاد الآخر ينفعل لكنه تمالك أعصابه وقال بنبرة هادئة قابضة على يده بقوة:
_أتحاولان اللعب بأعصابي؟
هز ليث رأسه نافيا وقال بعد وقف وتوجه نحو الباب ليمر جانب لادن هامسا في أذنه:
_بل نحن نلعب بأعصاب القاتل سيادة المحقق.
التفت لادن بوجهه لتلقي أعينهما لبرهة، كانت نظراته مزيجا بين الغضب والتعجب، في حين كان نظرات ليث واثقة هادئة بعكس الأمس.
أما عند المفتش أحمد...
فقد كانت عيناه تراقبان وجوه المشتبه بهم بعد أن غادر المحققان للغرفة التي من المفترض أن الدليل بها.
لاحظ جليا التفاجؤ الذي ظهر على إحدى الوجوه سريعا ثم اختفى عندما اخترقته نظرات المفتش الواثقة.
ابتسم نبيه وهو يراقب كل شيء بصمت، فهم ما جرى قبل قليل، وكيف أوقع أحمد المجرم في شباكه دون أن يعي ذلك.
خرج المحققان من الغرفة ولم تختلف تعابيرهما عن التي دخلا بها، سألهما أحمد باهتمام مصطنع:
_هل وجدتما الدليل؟
كاد ليث يجيبه لكن لادن قال بنبرة باردة ونظر له بعينين تحملان الكثير من الكلمات:
_كلا، أظن أن الضحية قد خبأه جيدا حتى لا يجده القاتل.
أردف الرئيس السابق بنبرة هادئة بلتقائية:
_لكنه لا يملك وقتا لتخبئة أي شيء.
التفتت الأنظار إليه واقترب منه أحمد حتى استقر أمامه تماما ثم قال بنبرة هادئة:
_وكيف عرفت؟
أجابه بثقة:
_ما أدراه أنه سيقتل؟ بل كيف سيعرف القاتل أساسا؟
علته ابتسامة صغيرة تدل على فوزه بالنقاش لكن تلاشت عندما علق المفتش نبيه بهدوء وعيناه تتجولان بين المحققان وأحمد:
_سنبحث غدا عن الدليل الذي تركه الضحية؛ أما الآن علينا التأكد من حجج غيابكم يا سادة.
فهم أحمد ما يرمي له الآخر فيبدو أن هؤلاء الأربعة قد قرروا التعاون للإطاحة بالقاتل:
_سأبدأ أنا إذا، لقد كنت في مكتبي وقت وقوع الجريمة، ويمكن لأفراد الشرطة وكمرات المراقبة إثبات ذلك.
تابع وعيناه تتجهان نحو المشتبه لهما اللذين على علاقة متوترة بالضحية:
_كانا أمام عيني وقت ارتكاب الجريمة، فلا أظن أنهما قادران على ارتكابها؛ وبالطبع يمكنكم التأكد من كلامي في مركز الشرطة.
تابع بنبرة رزينة ثابتة:
_من اختفوا في زمن وقوع الجريمة هم: الرئيس السابق، ومنافس الضحية (تابع بنبرة أقل حدة) وليث.
انفعل منافس الضحية:
_لكنني ذهبت للتسوق وقتها!
استطرد بغضب:
_ثم إن كنتم تشكون بي فابحثوا عن الدليل جيدا!
ضحك الرئيس السابق متهكما:
_لن يجدوه.
سأله الآخر بنبرة لا تختلف غضبا عن سابقتها:
_لم؟
أجاب بثقة وعيناه مثبتتان في المحقق أحمد:
_لأنه دليل وهمي اخترعه المفتش للإطاحة بالقاتل.
واصل حديثه بنبرة ساخرة:
_حيلك رخيصة جدا سيد أحمد، لن يكون القاتل بهذا الغباء ليترك دليلا ضده.
شد المفتش قبضته بقوة وقد تسلله الغضب فهو متأكد بل متيقن أن العجوز الذي أمامه هو القاتل لكنه لا يملك دليلا واحدا يثبت ذلك، تبادل نظرات سريعة مع المحقق ليث واكتفى بالصمت، لم يشعر بالعجز هكذا من قبل، ولم يعجز من قبل على إيقاع أي شخص في خدعه وشباكه، لكن يبدو أنه أخطأ التقدير هذه المرة، فمن يتعامل معه ليس مجرما عاديا، بل شخصا يحميه القانون.
توجهت عيناه تلقائيا للادن الذي كان شاردا ينظر للفراغ، يحاول استجماع أفكاره، لم يعد يستطيع فهم أي شيء، حسنا الآن صغرت دائرة المشتبه به، صاروا ثلاثة، أو لنقل اثنان إن استبعدنا المحقق ليث بالرغم أن لادن لا يفضل استبعاده لكن شيئا داخله يخبره أن المحقق ليس مجرما، بل إن المجرم هو أحد الرجلين أمامه.
تذكر كلمات عمران له بالأمر «دقق في كل حرف» لمعت إحدى الجمل في ذهنه «أنا من تنازلت له عن الرئاسة» لا زالت هذه الجملة غامضة بالنسبة له، فلم قد يتنازل عن هذا لأجل شخص لا تربطه به أي مصالح؟
أطلق تنهيدة متضايقة أثارت انتباه كل الموجودين، ثم نظرة واثقة مع ابتسامة هادئة استقرت على محياه ليعود لادن لحقيقته، لشخصيته المعهودة، ثم أردف وهو يتفحص جميع الموجودين:
_يمكنكم المغادرة، سنكمل التحقيق غدا.
انفعل ليث بغضب وكاد يعترض لكن أحمد أشار له بيده ليهدأ فقد انتبه لإشارة لادن التي تخبرهما أن يبقيا هما.
غادر باقي أفراد الشرطة ليختلي لادن بالمفتشان والمحقق ليث، فأردف أحمد بلكنته المستفزة:
_إذا، هل عرفت القاتل؟
تأفأف لادن متذمرا وكأنه لم يكن باردا في حديثه قبل دقائق:
_ألن تتوقف عن استفزازي سيد أحمد؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتي المفتش ثم قال بعد أن جلس ووضع قدما على أخرى:
_يبدو أنك عدت لطبيتك أيها الفتى، حسنا أعترف، لست سيئا.
رمقه باستغراب فتابع:
_أعجبتني.
حدق فيه لادن بملل وكاد يعود لبروده مجددا لولا قول الآخر بجدية وهو يقلب نظره بينهم:
_يبدو أن أربعتنا نعرف القاتل، لكننا نفتقر لدليل يثبت إدانته.
سأل ليث بشرود:
_ماذا إن كان لمعلمي دليل يدل على قاتله؟
علق لادن ساخرا:
_كما قال ذلك الرجل، كيف سيعرف الضحية بقاتله قبل أن يموت؟ فموته كان مباشرة بعد وصول السم لفمه، لا أظنه قادرة على كتابة أي شيء.
أردف المفتش نبيه:
_ربما هناك شيء لا نعلمه بخصوص الضحية والرئيس السابق؟
شهق ليث متذكرا:
_مهلا! نحن لم نجد هاتف معلمي في أي مكان.
أردف أحمد بنبرة تهكمية:
_وجدته مُحطما في سلة القمامة.
علق لادن:
_كان من الممكن أن يعد دليلا!
أردف المفتش أحمد معلقا على كلمات لادن:
_حاليا لا نملك دليلا غير استدراجه بالكلام.
قال المفتش نبيه:
_لا يبدو وكأنه يرغب في الاعتراف.
شد لادن على قبضته بقوة:
_سأجعله يعترف رغما عن أنفه.
تشللت إلى مسامعه ضوت ضحكات أحمد لينظر له بتعجب:
_ما المضحك في كلماتي؟
ابتسم بلطف:
_تبدو متهورا في تصرفاتك... مثله (نظر لـ ليث الذي لف وجهه معترضا للجهة الأخرى)
أكد نبيه على كلماته:
_أوافقك الرأي
رمقه لادن بتذمر قائلا:
_أنت أيضا؟
ابتسم المفتش بلطف وحل عليهم صمت قصير قطعه أحمد بقوله وهو يقف متذكرا كأن الكهرباء دبت في جسده:
_قد نجد مذكرات للضحية أو شيء كهذا.
أردف ليث وكأن الحياة عادت لروحه من جديد:
_إذا لدينا أمل في العثور على الدليل؟
ابتمسوا جميعا وقالوا معا:
_بإذن الله!
وقف أربعتهم متجهين لغرفة النوم، لولا سماعهم لصوت إطلاق مسدس مرت رصاصته من جانبهم لتخطف أنفاسهم قبل أن يلتفتوا في آن واحد إلى الصوت ويشهقوا عندما رأوا الرئيس السابق يحمل المسدس بيده اليمنى ويوجهه نحو رأس المفتش أحمد الذي اعتلته ابتسامة ساخرة وهو يقول:
_تعرف أن هذا التصرف سيقود للسجن صحيح؟
أجابه بنبرة لا تقل سخرية عنه:
_هذا إن بقي منكم شخص واحد حي ليظفر بسجني.
لم يتمالك لادن نفسه فأخرج مسدسه ووجهه نحو الرجل قائلا بنبرة حادة:
_أخفض سلاحك تُحفظ حياتك.
تعالت ضحكته الساخرة المكان لتطغى على سكون الليل، انقلب وجهه الهادئ الرزين ليكشف عن شيطان خلفه، بث الرعب في نفوسهم تحديدا ليث الذي لم يوضع في موقف كهذا سابقا، على عكس لادن الذي اعتاد على حصول مثل هذه الأمور في مسيرته.
صرخ به الرجل وسلاحه لا زال موجها صوب المفتش:
_أنزل سلاحك وإلا قتلته.
هز لادن كتفيه بلا مبالاة:
_أطلق، لا يهمني أمره.
اتسعت حدقتا المفتش نبيه مصدوما، أحقا هذا لادن؟ أيكره المفتش أحمد لهذه الدرجة؟
كاد ليث يصرخ بها غاضبا لكن أحمد قال بنبرة هادئة وعيناه مثبتتان في المسدس أو ربما في شيء آخر وقد علته ابتسامة صغيرة:
_اهدأ.
ابتسم لادن عندما فطن للمفتش الذي رأى ما رآه، فألقى مسدسه عاليا مشتتا نظر المجرم ليصيح أحمد بليث حاثا له:
_دورك!
تعجب لادن في حين فهم المحقق الآخر المطلوب منه، فركض بسرعة نحو الرئيس السابق ووجه له ضربة على يده أسقطت المسدس منها، وقبل أن يتمكن من توجيه ضربة أخرى لكمه الآخر في بطنه ليسقط متألما، حينها صرخ المفتش أحمد:
_لا تقترب منه!
كانت تلك الكلمات بمثابة نشوة في أذن المجرم، وكأنه يطلب منه الاقتراب أكثر، إيذاءه، لكن فوهة مسدس استقرت في مؤخرة رأسه ليتبعها صوت مألوف لهم جميعا:
_أنت رهن الاعتقال بتهمة الشروع في القتل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احم احم
كيف كان الفصل أيها المحققون؟
هل توقعتم المجرم؟
ومن الذي وضع فوهة المسدس على رأس القاتل يا ترى؟ 👀
البروء