كان عمران يجلس على إحدى الكراسي مقابلا للمفتش جهاد في مركز الشرطة وقد أخذ الصمت مكانه بينهما قبل أن يبعده جهاد بنبرة هادئة تخللها بعض القلق:
_تأخر لادن ولم يتصل بي، هل اتصل بك يا بني؟
أجاب عمران بهدوء:
_كلا، كما أن المفتش أغلق هاتفه منذ الأمس، سأجرب الاتصال بلادن الآن قد يجيب.
أومأ له جهاد بصمت فالتقط عمران هاتفه واتصل بلادن الذي أجاب بعد الرنة الثانية بصوت هادئ كساه الانطفاء وبعض الحزن:
_السلام عليكم عمران، كيف حالك اليوم؟
_وعليكم السلام ورحمة الله، الحمد لله، أين أنت؟
_في طريقي العودة للمدينة.
سأله بهدوء مع بعض التعجب:
_أنهيت القضية؟
_بل أنهتنا... لم تكتمل بعد، سيمكل المفتش أحمد والمحقق ليث آخر ما بقي... إن كان أبي معك أبلغه سلامي، عن إذنك.
أغلق دون أن يترك له فرصة للرد لتعلو عمران ملامح الذهول وقال متهكما:
_غريب الأطوار!
سأله جهاد باهتمام:
_ماذا جرى؟
_لم يبدُ على ما يرام، إنه في الطريق.
_سيكون بخير، أرجو أن يصلا سالمين.
تملكهما الصمت مجددا ليدخل جهاد داخل دوامة في عقله، قلق على ابنه وإن بدا الهدوء في ملامحه إلا أن قلبه ينتفض قلقا، فلا بد من خطب جلل قد حدث فأساسا خلال هاذين اليومين لم يتصل لادن بعائلته البتة باستثناء لين، يبدو أن هذه القضية استهلكت طاقته حقا.
لاحظ المحقق شرود الرجل أمامه لكنه التزم الصمت ولم يعلق، فقد كان عقله مشوشا أيضا، شعر برغبة في معرفة ما جرى مع لادن، نوع من الاهتمام تملكه، وربما القلق، قد لا يكون قلقا جما لكن شيء ما يطلب منه الاطمئنان على زميله، على الشخص الذي أثر فيه كثيرا دون أن يشعر، على الشاب الذي كان له فضل بعد الله في كسر الحاجز بينه وبين أخته.
قد يكون رافضا لإطلاق كلمة «صديق» عليه لكنه حقا يعده أكثر من زميل، فقد كان معه دائما، وقف لجانبه عندما ارتج قلبه لقتل حاتم¹، وحماه ودافع عنه عندما كاد القاتل المتسلسل أن يبطش به²، وحاول كثيرا التقرب منه عندما اشتد عليه الألم بسبب ذكرياته³، كان دائما معه، فلا غرو أن يكن له احتراما، أن يهتم لأمره.
أما من جهة أخرى، في سيارة المفتش نبيه...
_لم أغلقت الخط عليه يا لادن؟
أجاب بشرود وعيناه تراقبان الطريق من النافذة:
_لا رغبة لي في الحديث مع أحد.
لم يزحزح المفتش نظره عن الطريق أمامه وسأل باهتمام:
_ما الحديث الذي جرى بينك وبين المفتش أحمد؟ منذ حديثك معه وقد تجهمت ملامحك واكفهر وجهك يا بني.
أجاب بهدوء:
_لا شيء مهما، لا علاقة لحديثنا بما أنا عليه.
_إذا ما بك؟
اكتفى الآخر بالصمت ولم يجب، فتنهد المفتش نبيه وتابع القيادة دون الإلحاح على الآخر بالبوح بما يضيق به صدره... فيبدو أن هذه القضية سرقت من سعادته الكثير.
كان الطريق مزدحما، فقد قاربت الشمس أن تودع الناس لتعطي للقمر مكانها ليضيء الأفق، تأمل لادن القمر وقد رُسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه عندما تذكر طفولته كيف يصرخ بالقمر ألا يتبعه، ربما هذه الذكرى انتشلته قليلا من مستنقع حزنه الذي طغى عليه قبل أن يعود ليجلس فيه بإرادته مجددا.
كان غاضبا من نفسه لسوء ظنه بالمفتش، أو كما قال المفتش نبيه «لاتباعه عاطفته» فقد شك فيه فقط بسبب معاملته له، لكنه كان يخبر نفسه ويبرر سبب شكه بكونه أول من عثر على جثة الضحية.
تساءل في نفسه عن كثير من الأشياء التي لا زالت معلقة دون إجابة، منها:«لماذا قتل الرئيس السابق الضحية؟»، «كيف عرف عمران المجرم فقط من التسجيلات؟ وهل كان يعرف أنه الرئيس السابق أم ظنه شخص آخر؟»، «ماذا عن دخول المجرم لمنزل الضحية؟»، «ولم رفض المفتش أحمد أن يقرأ أحد مذكرات الضحية عدا تلميذه ليث؟ أتحمل أسرارا من نوع خاص؟»
لا زال في جعبته الكثير من الأسئلة لكن توقف السيارة أيقظه من شروده لينظر للمكان الذي توقفوا عنده فإذا به مركز الشرطة، لم يعجب هذا الأمر لادن لكنه التزم الصمت ونزل مع المفتش نبيه متوجهين نحو المبنى الكبير.
دلفا للداخل فأخذ رجال الشرطة يرحبون بعودتهما بحرارة، كان لادن يغتصب ابتسامات كاذبة يقابل بها زملاءه دون أن ينبس ببنت شفه، فلا طاقة له للحديث، كان يسير بتلقائية نحو غرفة الاجتماعات وقبل أن يدخل أتاه صوت بارد من خلفه:
_ما الذي جرى معك؟
رسم ابتسامة صغيرة كانت مصطنعة بشكل يمكن لأي شخص ملاحظته:
_لا شيء مهما عمران، متعب قليلا.
رمقه الآخر ببرود ثم أمسكه من شعره وجذبه إليه ليتأوه لادن ألما ثم يرمش بصدمة عدة مرات وهو ينظر لعمران الذي أبعد يده وقد اعتلته ابتسامة هادئة:
_أحقا أنت عمران؟
أجابه الآخر بسؤال بنبرة ساخرة:
_وأنت لادن حقا؟ أم أن جنا قد لبسك؟
أطرق لادن رأسه بأسى والتزم الصمت فوضع عمران كفه على كتف زميله قائلا بنبرته الهادئة:
_المفتش جهاد قلق عليك، بُح له بما يزعجك.
ابتسم لادن بلطف وهز رأسه متفهما ثم دخل غرفة الاجتماعات ليجد والده جالسا شارد الذهن فلما رأى ابنه ابتسم بحنان واقترب منه وعانقه عناقا قصيرا ثم ابتعد وسأله باهتمام:
_ما بك؟ قال عمران أنك لم تبدُ بخير في مكالمتك الأخيرة.
تنهد لادن قائلا بهدوء:
_ليس بالخطب الجلل، فقط لا زلت في ضلالي القديم، أسيء الظن بالشخص لأنه تصرف معي بأسلوب فظ مثلا، أو لأجل أمر تافه.
_أهذا كل شيء؟
تردد لادن قبل أن يجيب:
_عرفنا القاتل، وكدنا نكون ضحية له لولا حماية الله لنا.
تابع بغصة:
_كل ما جرى في كفة وغضب ليلي مني في كفة أخرى.
أماله والده برأسه مستغربا:
_لين؟ لكنها ليست غاضبة منك يا لادن!
_حقا؟
ضحك والده بخفة:
_نعم، حتى أنها تنتظرك بفارغ الصبر وعندما سألتها عن السبب قالت أنكما ستخرجان معا بالسيارة.
تذكر لادن أمرا فنظر لوالده وقال بجدية:
_بالمناسبة يا أبي، هل من جديد على اقتراحكم؟ هل وافق الرئيس؟
ابتسم والده وهو يسحب الكرسي قليلا ليجلس عليه:
_نعم، حصلنا على إذنه، نخطط غدا لإخبارهما.
_هل وافق عمران على الفكرة؟
_لا يبدو أنها أعجبته، لكنني أثق أنها الأفضل لكما ولهما كذلك.
هز كتفيه وقال:
_ربما، لكن ليلي متهورة في تصرافتها
قهقه والده معلقا:
_ستكون في عداد الموتى إن سمعتك تقول هذا... على كل حال، اذهب الآن للمنزل واخرج مع لين وأرح عقلك من كل شيء.
أومأ بهدوء ثم قبل رأس والده وخرج من المركز متجها نحو سيارته، وبينما كان يسير خارجا التقى بعمران فهز رأسه بابتسامة صغيرة وكأنه يخبره أن كل شيء على ما يرام فبادله عمران بابتسامة هادئة ثم عاد لبروده مجددا.
ركب لادن سيارته فقد أتى بها والده للمركز، ثم توجه نحو منزله، شعر أن بعض الحمل قد انزاح على صدره بعد حديثه مع والده، فقد كانت منزلته منه ليست كمنزلة الأب فقط، بل حتى الصديق الذي يفضي له بما يحويه قلبه من هموم.
أوقف السيارة أمام المنزل ثم نزل منها ليأخذ نفسها عميقا أتبعه بزفير طويل وكأنه يخرج كل الطاقة السلبية ليقابل شقيقته بالابتسامات والمشاعر الإيجابية.
دلف داخل المنزل وما لبث أن ألقى السلام حتى أتاه صوت أقادمها تلاه احتضانها له والدموع تسابقها، لف ذراعيه حولها ليمدها بدفئه ويشعرها بالأمان.
أمضت في حضنه بضع دقائق صامتة لم يكسرها سوى قدوم والدتهما التي كانت تعلو محياها ابتسامة حنون، فلما اقتربت من ابنها ابتعدت لين باحترام لتترك لأمها فرصة معانقة لادن.
احتضنها بذراعيه وسمع صوت مناجتها لله وهي تحمده على سلامة ابنها، فخلال اليومين الذين غاب فيهما عن ناظريها شعرت وكأن روحها تغادرها ببطء، فهي شديدة التعلق بابنيها جدا وتخشى عليهما وخز إبرة، ولو كان الأمر بيدها لمنعت ابنها وزوجها من دخول الشرطة.
ابتعد عنها بلطف مقبلا جبينها، فأقبلت عليه شقيقته تسأله بلهفة:
_إذا هل حللت القضية؟ هل كان منافس الضحية هو المجرم؟
تحدث بهدوء وابتسامة صغيرة كي لا يثير قلق والدته:
_لم يكن هو، بل كان الرئيس السابق.
تفاجأت لين وسألته بتعجب:
_لم قتله؟ ألم تقل أنه تنازل للضحية بالرئاسة بمحض إرادته؟
_لا أعلم السبب بعد، المفتش أحمد سيواصل البحث في القضية.
تابع بابتسامة صغيرة:
_ليلي، لم يتبقَ سوى ساعة ونصف على غروب الشمس، ارتدي حجابك لنخرج.
شقت الابتسامة وجهها وهي تهز رأسها موافقة ثم انطلقت لغرفتها فضحك هو بخفة.
التفت لوالدته فوجدها شاردة في أفكارها لذا سألها باهتمام:
_أكل شيء على ما يرام؟
أومأت بهدوء ثم قالت بنبرة تحمل بعض القلق:
_لست مطمئنة كثيرا لقرار والدك بشأن لين... لم لا يتكر الأمور كمل هي فقط؟
ربت على كتفها وقال بثقة ربما كانت أقرب للتمثيل منها للحقيقة:
_سيكون كل شيء بخير، لا تقلقي أمي...
تابع ممازحا بنبرة واثقة:
_أنا معها لا تنسي!
هزت رأسها بصمت ثم رسمت ابتسامة صغيرة واستأذنته لتذهب وتقرأ وردها.
جلس على الأريكة شاردا بأفكاره بعيدا، يتأمل الحائط أمامه حتى حال كل شيء إلى سواد عندما شعر بيديها تضغطان على عينه برفق، فقال بلطف:
_ما شاء الله، سريعة جدا.
أبعدت يديها عنه وقالت بسعادة:
_الحماس وما يفعل بي!
ضحك بخفة ثم أشار لها وخرجا من المنزل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١: الجزء الثاني من السلسة «في الضوء»
٢: الجزء الثالث من السلسلة «حين ينكسر الصمت»
٣: الجزء الرابع من السلسلة «أسير الذكريات»
...
..
.
انتهى الفصللل
ما رأيكم؟
البروء