زائر

زائر

17 0

داخل السيارة...

_إذا ماذا جرى بالتفصيل؟  لم تتصل بي أمس أبدا!

_لم أتصل بأحد بالأمس يا ليلي، لذا لا تغضبي.

كانت نبرته هادئة لدرجة غريبة، فسألته شقيقته بقلق:

_أكل شيء بخير؟

_الآن نعم، لكن أظن أنه كدنا نشهد جريمة قتل نحن ضحاياها.

شهقت بصدمة فاسترسل يروي لها ما جرى:

_بعد مكالمتنا الأخيرة في الليلة التي تسبق الليلة الماضية، كنت متيقنا أن المجرم هو منافس الضحية، ولكن بعد أن ذهبنا صباح الأمس لمسرح الجريمة واستدعينا المشتبه بهم وتأكدنا من حجج الغياب، وجدنا أن الرئيس السابق ومنافس الضحية وكذلك المحقق ليث لا يملكون حجج غياب، بطريقة ما كنت واثقا أن المحقق ليث ليس القاتل.

قاطعته بصدمة:

_لا تقل أنه هو؟

_كلا، أخبرتك أنه الرئيس السابق.

_أوه صحيح... تابع.

_قام المفتش أحمد برفقة ليث برسم خطة كاذبة وهي التظاهر بوجود دليل، فهمت ذلك عندما ذهبت برفقة المحقق للغرفة التي من المفترض أن الدليل بها، فبعد أن خرجنا أخبرناهم بأن الدليل قد يكون في مكان سري لا يصل إليه القاتل، إلا أن الرئيس السابق قال بثقة (لن تجدوه)  حينها استدرجه المفتش أحمد بالكلام وسأله(ولم تبدو واثقا؟)  فأجابه بنبرة ساخرة (كيف سيعرف الضحية قاتله قبل أن يقتله؟ ثم أنه سيموت فور وصول السم لفمه) إثر كلماته تأكدنا يقينا أنه القاتل لكننا لم نملك دليلا ملموسا، وبسبب ذلك اضررت أنا والمحقق ليث والمفتشان أن نبقى للبحث عن الدليل.

صمت قليلا فحثته على المتابعة وقد وصلت لأعلى درجات تركيزها معه:

_تابع!

تنهد بضيق:

_ما إن وقفنا متوجهين نحو غرفة النوم حتى مرت رصاصة بسرعة خاطفة من جانبنا، التفتنا لصاحبها فإذا به الرئيس السابق، قال كلمات أشبه باعتراف على جريمته، استفزتني كلماته ورأيت وجهه الشيطاني الذي يخفيه تحت قناع الرزانة الكاذب، فوجهت مسدسي تجاهه وكنت الوحيد الذي يحمل مسدسا وقتها، لكنني لم أستطع الإطلاق في بادئ الأمر قبل أن أرى شخصا يقف في مقدمة المنزل ساكنا رابضا خلف المجرم موجها مسدسه تجاهه، لم يلحظه أحد غير أنا والمفتش أحمد، لم أستطع التعرف عليه لأنني لم أرى ملامحه جيدا بسبب الظلمة، في حين بدى المفتش قد عرفه تماما.

صمت قليلا يلتقط أنفاسه ثم نظر لها مبتسما وهو يفتح باب السيارة بعد أن أوقفها أمام سوق كبير:

_سأشتري قنينتي مياه وبعض الأشياء ثم أعود لأكمل سرد الأحداث لك.

زمت شفتيها بسخط لكنه لم يرى ذلك بالطبع بسبب النقاب الذي تضعه على وجهها، هزت رأسها موافقة ليذهب ويتركها تحلل الأحداث وتصنع تكملة لقصته بسبب حماسها.

لم يمضي سوى بضع دقائق قبل أن يجلس لادن في مقعد السائق ويغلق الباب بعد أن أعطى الأكياس لشقيقته ثم أخذ قنينة مياه ليشرب منها راويا ظمأه:

_السلام عليكم، هل تأخرت؟

_وعليكم السلام، كلا.

ابتسم بهدوء ووضع القنينة جانبه:

_حسنا سأكمل لك القصة... في تلك اللحظات استطعت رمي سلاحي عاليا مما شتت المجرم فشن عليه ليث هجوما وأسقط السلاح من يده لكن الآخر استطاع السيطرة على الموقف وركل ليث على معدته فسقط أرضا وكاد ينقض عليه لولا منافس الضحية الذي كان يراقب كل شيء بصمت متحينا اللحظة المناسبة ووجه فوهة مسدسه نحو المجرم معتقلا إياه.

كانت لين مذهولة مما سمعت، وكأنه يقص عليها أحداث رواية خيالية، لم تكن تتوقع أن يمر شقيقها بمثل هذه المواقف فهو لم يخبرها بالأخطار التي يواجهها عادة.

قرأ الذهول في عينيها فقال مبتسما:

_لقد مر كل شيء بلطف الله.

أومأت مؤكدة على كلماته قبل أن تساله باهتمام:

_ما جزاء الرئيس السابق؟

أجابها بنبرة هادئة جدية وهو يضغط الدواسات لينطلق بالسيارة مجددا:

_سُيقام عليه الحد، فقد قتل مسلما.

ابتلع ريقها بصعوبة وأردفت بصوت منخفض استطاع الآخر سماعه:

_لم يقتل وهو يعرف أن مصيره الموت كذلك؟

هز كتفيه:

_يظن أنه ذكي كفاية ليبعد الشبهات عنه ويحمي نفسه.

_لا أفهم ما يفكر به المجرمون!

_ليس بالضرورة أن تفهمي ذلك (خطف نظرة تجاهها وتابع ممازحا)  إلا إذا أردت أن تكوني مثلهم.

نهرته بغضب:

_اصمت!

ضحك بخفة على غضبها ثم حل بينهما صمت ثقيل لم يقطعه أي منهما فقد غرقا في بحرين عميقين من الأفكار؛ فبحر لين كان مليئا بالتساؤلات عن المجرمين وسبب إقدامهم على القتل؟ فهي لا ترى أن الأسباب مهما عظمت يستحيل أن تكون دافعا حقيقا؛ بينما امتلأ بحر لادن بالكثير من الأفكار، بين ماهية آخر التطورات مع المفتش أحمد والمحقق ليث، وبين قرار والده بشأن لين ورنيم، وبين رغبة ملحة في الحديث مع عمران فقد شعر وكأنها بالفعل صديقين كما أنه لاحظ جليا اهتمام عمران المفاجئ به.

بينما هما في طريق العودة...

تذكر لادن شيئا ما لم يخبر شقيقته به، فابتسم بهدوء وهو يفكر في ما سيقوله لتلاحظ الأخرى ذلك قائلة:

_ما بالك تبتسم؟

_حدث شيء لم أتوقعه قبل عودتي.

_وما هو؟

_تحدث معي المفتش أحمد

_عم؟

_اعتذر فقط وقال أن تصرفاته هذه هي عادته مع كل من يقابلهم في البداية.

أنهى كلامه بسخرية لتضحك لين بخفة ثم تسأله:

_هل غفرت له بعد اعتذاره؟ وليث كذلك؟

ابتسم ابتسامة ذات مغزى مجيبا:

_ربما، لكنني سأردها لهما يوما ما

من جهة أخرى...

عاد عمران لمنزله بعد غروب الشمس، ليجد أخته كالعادة تعد العشاء في المطبخ.

اتكأ على باب المطبخ فانتبهت له لتبتسم بهدوء وتحيه ثم عادت لعملها، مما جعله يسألها بنبرة تشي ببعض الحيرة وقد عقد حاجبيه في استغراب طفيف:

_رنيم، لم أراك دائما تعملين بين الطبخ والترتيب؟

ذهلت من سؤاله وأخذت تحملق فيه دون أن تجد إجابة لذلك قبل أن يلقي عليها بسؤال آخر:

_ألا تملكين هواية مثلا تقضين بها وقت فراغك؟

أجابت بهدوء وهي تغسل يديها جيدا بعد أن أنهت وضع كل شيء في القدر:

_كلا، الشيء الوحيد الذي أحب القيام به هو القراءة.

_القراءة؟

_نعم، إنها متنفسي، عالمي الخاص، أشعر أنني محاطة بالكثير من الأشخاص.

أنهت كلماتها بعفوية ولم تعي قولها إلا عندما لاحظت التعجب على ملامح شقيقها الذي باغتها بسؤال جديد، بنبرة هادئة وهو يقترب منها بضع خطوات وقد ركز على آخر كلماتها:

_هل تشعرين بالوحدة؟

تفاجأت من سؤاله، لم تفكر في ذلك من قبل، ربما هذا الشعور يسيطر عليها في كثير من الأوقات، لكنها لم تحدث نفسها يومها بأنها وحيدة، فقد كانت ترضى بالقليل، قنوعة لأبعد الحدود، ترضيها أبسط الأمور.

رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، وقالت بنبرة هادئة وهي تتجنب النظر في عينيه:

_ربما... أحيانا.

هز عمران رأسه بخفة كتعبير صامت لتفهمه مشاعر أخته، وقد عادت ملامحه الباردة لتكسو وجهه، ثم غادر لغرفة والدته متهربا من إكمال الحديث لعدم معرفته بالطريقة الأنسب لمواساتها، في حين تنهدت رنيم بضيق إثر ردة فعله التي تكرهها بشدة، وجلست تتأمل القدر الذي لم يبدأ الغليان.

أما عند عمران، فجلس قرب والدته بعد أن قبل جبينها ويدها بحنان ثم أردف بنبرة شاردة وهو يحدث أمه بصدق فهي الشخص الوحيد الذي لا يتردد من إخباره بما يجول في خاطره:

_أتعلمين؟ سأحاول أن أكون أخا جيدا لرنيم.

رمشت عدة مرات في محاولة استيعاب كلمات ابنها، كانت تحدق في وجهه البارد بصمت، وعلامات الذهول تغزو محياها، لم تتوفع منه قولا كهذا، فتقوس شفتيه قليلا معربا عن بعض التذمر الذي لم يناسب شخصيته البتة وأردف معاتبا:

_ما الأمر أمي؟

تفرقت شفتيها لتطلقا سراح ضحكة صغيرة أتبعتها بحنان وقد وضعت يدها على فخذ ابنها:

_لا شيء يا بني، فقط... أنا فخورة بك!

حدق فيها بشك فلم يفهم ما الرابط بين الأمرين؟ ما الذي فعله لتكون فخورة به لهذه الدرجة؟

أردفت بنبرة حنونة وهي تعانق عينيه بعينيها:

_بدأت تتغير يا بني.

ابتسم بخفة وقال شاردا:

_لـلادن الفضل بعد الله في ذلك.

تبسمت:

_أدام الله صُحبتكما.

اقترن حاجباه وقال بنبرة تشي بالتعجب:

_لسنا صديقين!

ضحكت بخفة:

_بل أنتما كذلك يا عمران، فالصديق هو الذي يكون معك في ضيقك ولادن لم يُقصر معك يوما، الصديق الذي يساندك، ويقف لجانبك، ويكون لك أخا ورفيقا.

استمع لكلامتها بتركيز لكنه اكتفى بالصمت، ولم يعلق، ليس لشيء غير كونه لم يجد ما يقوله...

في اليوم التالي...

في مركز الشرطة، تحديدا في غرفة الاجتماعات، جلس لادن مقابل والده جانب عمران الذي كان مقابل المفتش نبيه، في حين ترأس الطاولة رئيس مركز الشرطة.

كانوا يتحدثون حول القرار الذي سيتخذونه ليتحدث جهاد بنبرة رسمية دون أن تختفي الابتسامة الصغيرة التي ترافق شفتيه غالب الوقت:

_إذا سيدي الرئيس، أنت موافق على الأمر؟ لن يكونا فردين رسميين في الشرطة، ولكن سيكونان بمثابة مساعدين للادن وعمران.

هز الآخر رأسه بإيماءة صغيرة مبتسما فتابع جهاد:

_يمكننا مفاجأتهما اليوم؟

_نعم.

حل بينهم صمت قصير قبل أن يقطعه صوت طرقات على الباب أتبعه دخول شرطي بعد أن أذن له، نظر للادن وقال باحترام ورسمية:

_محقق لادن، لديك زائر.

في الحديقة الخلفية لمركز الشرطة، كان يقف شاب في مقتبل العمر، يرتدي قميصا أسودا مع بنطال بُني من الجينز، عيناه تتجولان في ما حوله حتى سمع صوت خطوات تقترب، فالتفت تجاهها فإذا به لادن وقد كساه الذهول بعد أن سلم عليه قائلا:

_محقق ليث؟ لم أتوقع قدومك!

ابتسم الآخر بهدوء وقال مترددا وعيناه تتجنبان الذي أمامه:

_في الحقيقة... أتيت للحديث معك (نظر له متابعا)  إذا سمحت طبعا.

هز لادن رأسه متعجبا وقال:

_لم لا؟

أشار للمبنى قائلا:

_هل تدخل؟

_كلا، أفضل أن نبقى على انفراد إذا سمحت... يمكننا البقاء هنا.

_حسنا...

لم يجد ما يقوله غير ذلك فلم يفهم بعد ما الذي أتى بالمحقق ليث من منطقته إلى هنا؟ ولم يريد لقاءه هو تحديدا؟

هبت نسمة هواء باردة كانت بمثابة صفعة صغيرة لكليهما ليكسرا هذا الصمت المزعج، وبالفعل؛ أردف ليث بهدوء ورزانة وكأنه شخص مختلف عن الذي التقاه لادن أول مرة:

_في الحقيقة... أود الاعتذار منك على أسلوب حديثي أن والمفتش أحمد معك في البداية، فلم يكن تصرفا رزينا البتة.

ضيق لادن عينيه بشك ثم أردف بهدوء وعيناه تتفرسان وجه من أمامه:

_لقد تحدث معي المفتش بالفعل، إذا... أهذا كل ما جئت لشأنه؟

_كلا... هناك شيء آخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف كان الفصل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عادة قتلت صاحبها

المؤلف البروء
2025/11/22 مكتملة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة