لم أكن أعلم أن الخطوة التي سنخطوها داخل البوابة ستكون بداية النهاية… أو ربما بداية الحكاية من جديد.
سِرنا خلف الرجل بخطوات مترددة، كأن الهواء من حولنا صار أثقل، وكأن البوابة لم تفتح لتكشف الحقيقة فقط، بل لتبتلعنا معها. كل شيء تغيّر فجأة: الجدران التي كانت حجريّة تحولت إلى ممرّ طويل تتدلّى من سقفه سلاسل نحاسية تصدر طنينًا خافتًا، كأنها تهمس .
كانت إيناس إلى جانبي، صامتة، لكن ملامحها كانت خليطًا من الخوف والفضول، وعمر كان يسير أمامنا بخطى سريعة، كأن الحقيقة أصبحت هدفه الوحيد، مهما كان الثمن.
وصلنا إلى قاعة واسعة، أرضها من الرخام الأسود، تتوسطها دائرة مضيئة كالشمس، تحيط بها رموز غريبة رأيتها من قبل… في النقش المضيء نفسه.
وقف الرجل وسط الدائرة، واستدار نحونا ببطء، كأنه يزن كل حركة، وكل نظرة.
قال بصوت عميق، لا هو صراخ ولا همس:
"من هذه اللحظة… لن تكونوا مجرد شهود، بل جزءًا من القصة التي بدأت قبل ولادتكم بسنوات طويلة. ما حدث في المنزل لم يكن لعنة فحسب، بل اتفاقًا… وخيانة."
تبادلت النظرات مع إيناس وعمر، وقلبي يخفق بعنف. لم يعد هناك طريق للعودة، فالبوابة خلفنا اختفت، وكأنها لم تكن أبدًا.
جلسنا في صمتٍ على المقاعد الحجرية التي ظهرت فجأة من بين الأرض، كأن المكان يعرف عددنا مسبقًا. جلس الرجل أمامنا داخل الدائرة المضيئة، ومن حوله أخذت الرموز على الأرض تتوهّج تدريجيًا، كأنها تُستدعى لتشهد ما سيقال.
رفع رأسه نحونا وقال بهدوء غريب:
"قبل أن تُولَدوا بسنوات… كانت هناك قرية تعيش في ظل عهد قديم، عهدٌ أُبرم بين البشر وأحد حرّاس البوابة. جدّتكم… لأولى… لم تكن امرأة عادية كما تتصوّرون."
ارتجفت إيناس، همست لي:
"جَدّتي؟ ماذا يقصد؟"
لكن الرجل استمر دون أن يلتفت إليها، كأن الحروف خرجت من ذاكرته القديمة لا من فمه:
"في إحدى ليالي الشتاء، تسلّلت إيلي جدة فاطمة، إلى هذه القاعة نفسها. كانت تحمل الكتاب، الكتاب الذي لا يُفتح إلا بدمٍ من السلالة المختارة. لم يكن هدفها أن تلعن أحدًا… بل أن تحمي قريتها من قوّة كانت تقترب. لكنها لم تكن تعرف أن فتح الكتاب يُلزم الدم بالعهد، ويجعل السلالة جزءًا من اللعنة إلى الأبد."
أخفض نظره للحظة، ثم أكمل بصوتٍ أثقل:
"الجد… لم يكن له أي علاقة بالأمر. بل كان أول من حاول إغلاق البوابة… لكنه فشل، لأن من يفتحها أول مرة هو وحده من يستطيع إنهاء العهد. ومنذ تلك الليلة… وُضِعت اللعنة على كل من يحمل دمها… أنتم."
ساد الصمت، لم أسمع إلا صوت تنفسي المتسارع.
عمر ضرب بيده على المقعد وقال بعصبية:
"ولماذا لم تقل لنا هذا من البداية؟ لماذا كل الأكاذيب والرؤى المكسورة؟"
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة، وقال:
"لو قلت الحقيقة منذ البداية… لما كنتم وصلتم إلى هنا. البوابة لا تُفتح إلا لمن يُظهر الشكّ… ومن يشكّ، يَستحق أن يعرف."
ثم نظر مباشرة إلى إيناس، بعينين تلمعان:
"وأنتِ… يا من وضعتِ يدك على النقش المضيء… أنتِ وريثة الدم المباشر لإيلي. أنتِ الوحيدة القادرة على كسر العهد… أو إكماله."
شهقت إيناس، وعيناها اتسعتا:
"أنا…؟ لكن كيف؟!"
أنا أيضا لم أفهم هذا التحول ، هل كل ما قالته جدتي فاطمة كذب ولماذا ستوهمنا وتخفي الحقيقة علينا ؟ولماذا حبستني العمة؟، لم أستطع كبح فضولي، وكان الجواب ،أنا هنا لأساعدكم على الحصول على الحل لا لإعادة لأجوبة، كانت طريقته مستفزة .
lumara