تجمدت كلماتي في حلقي، لكن النار اشتعلت في داخلي. كلمات إيناس لم تكن مجرد نبوءة، بل طعنة باردة أعادت إليّ موت أمي وهروب أبي . صمتها بعد الجملة كان أشد قسوة من الكلام نفسه، كأنها تركتني أواجه مصيري وحدي. لم يعد الخوف وحده ما يملأني؛ بل غضب صامت، عنيد، يتسلل إلى أعماقي. أدركت أن النجاة لن تأتي بالصمت أو الانتظار، بل بالفعل.
إيناس كانت مستلقية على سريرها، ملامحها متجمدة ببرودٍ غريب، وابتسامتها لا تفارقها. كانت وحدها ترى ما لا نراه نحن، وحدها تسمع همسات الظلال وهي تدعوها نحو القُبّة. عمّتي حبستنا معًا لتمنعها من الذهاب، كأنها تظن أن وجودي قربها سيكبح اللعنة. لكني كنت أعلم أن الحبس لن يمنع شيئًا.
اقتربت من الباب بهدوء، وضعت أذني على الخشب. سمعت وقع خطوات مترددة، ثم همسًا ذكّرني بعمر. ناديت بصوتٍ خافت:
ـ «عمر… هل هذا أنت؟»
سكن الصوت لحظة، ثم أجاب من خلف الباب:
ـ «نعم… افتحي لي طريقة، سأخرجكِ قبل أن تعود أمي.»
ارتجف قلبي، لم أكن أتوقع أن يقف إلى جانبي. وضعت يدي على القفل البارد، لم يتحرك. ردّ عمر من الخارج:
ـ «اصبري، سأكسر القفل… لكن عليكِ أن تسرعي حين أنجح.»
بينما كنت أرتقب، سمعت إيناس تهمس وهي ما تزال مغمضة العينين:
ـ «لا فائدة… الظلال تنتظرني. لن تتركني…»
شعرت ببرودة كلماتها، كأنها تستسلم لمصير لم تختَره. لكنني لم أستسلم. ضرب عمر القفل بقوة، ارتجّ الباب حتى انفتح فجأة، وصوت ارتطامه بالجدار شطر الصمت. تسللت رائحة الحرية، ممتزجة برائحة غريبة من الرطوبة والعطن.
أمسك عمر بيدي وسحبني بسرعة:
ـ «هيا، قبل أن تكتشف ما فعلناه!»
ترددت للحظة وأنا أنظر إلى إيناس، ما تزال غافية على سريرها، ملامحها جامدة. لم أكن أعلم هل أتركها لمصيرها، أم أجرّها معي رغمًا عنها… لكني كنت أعرف شيئًا واحدًا: أن هذه الليلة لن تنتهي إلا بالهرب، أو بالموت.
lumara