بوابة الجبل

بوابة الجبل

75 0

لم يكن الظلام داخل الممر مثل أي ظلام عرفته من قبل. كان أثقل، كأنه مادة ملموسة تلتف حول صدري وتمنعني من التنفس. الجدران الصخرية تقترب منّا، يلمع سطحها بوميض أحمر خافت، كأنها تنزف من قلب الجبل ذاته.

إيناس سارت أمامنا بخطوات بطيئة، لكنها ثابتة، عيناها تشعان بضوءٍ غريب يرشدنا إلى الأمام. لم تعد هي الطفلة التي كنا نحاول حمايتها قبل ساعات... شيء ما كان يتحدث من خلالها، شيء لا ينتمي للعالم الذي تركناه خلفنا.

همس عمر بصوت منخفض وهو يقترب من أذني:

"تذكري، مهما حدث، لا تنظري خلفك. الممر هذا يختبرنا، وكل التفاتة قد تفتح بابًا لا نريد دخوله."

ارتعش قلبي عند كلماته، لكن قدماي واصلتا السير. ومع كل خطوة، كانت الأصوات خلفنا — تلك الظلال التي أُغلِق عليها الباب — لا تختفي، بل تتكاثر. لم تعد مجرد صرخات، بل صارت كلمات متقطعة، تنادينا بأسمائنا...

في أعماقي، شعرت أننا لم نخطُ بعد إلا عتبة أولى من رحلة ستكشف أكثر مما نحتمل.

ابتسم عمر بخفة رغم التوتر، وقال وكأنه يحاول طمأنتي:

"اقتربي من إيناس... الدم هو الدليل، لكننا نحن الحُماة."

تقدّمتُ خطوة إلى جانبها، وعندها أحسست بحرارة غريبة تتسرب من يدها الصغيرة إلى أصابعي. كانت حرارتها مختلفة، ليست دفئًا بشريًا، بل أشبه بتيار يختلط فيه الألم بالنور.

مع كل متر نخطوه، بدأ الممر يتسع ببطء. الصخر صار أكثر نعومة، وكأن أيادٍ بشرية صقلته منذ قرون. على الجدران نُقوش غامضة — دوائر متشابكة، عيون مفتوحة، وأشكال تشبه مفاتيح معلّقة في الهواء.

1

أشرت إليها هامسة:

"هل تظن أن هذه رسائل من الساحر؟"

عمر لم يلتفت، لكنه قال بثبات:

"بل آثار الذين مرّوا قبلنا... ولم يخرجوا."

تسارعت أنفاسي، لكن قبل أن أرد، توقفت إيناس فجأة. وضعت كفها على إحدى النقوش، فانفتحت الأرض أمامنا لتكشف عن ساحة هائلة في قلب الجبل، يضيئها نور أزرق يتدفق من شقوق السقف العالية.

في وسط الساحة، ارتفع باب حجري ضخم، تحيط به鎖 من حديد أسود، يتماوج كأنه حيّ. الباب لم يكن مجرد حجر... كان كيانًا يتنفس.

1

إيناس استدارت إلينا، وعيناها تتوهجان أكثر:

"هذه هي البوابة... وراءها الساحر."

ارتجف صوتي حين سألتها:

"لكن... هل ينتظرنا لينقذنا؟ أم ليأخذ ما تبقّى من دمك؟"

ضحك الباب — نعم، الباب نفسه — صدى عميق اخترق العظام، ثم بدأ鎖 الحديد بالارتجاف... كأنه يستعد للانفتاح.

إيناس وضعت يدها على鎖 الحديد، وفجأة سكن كل شيء. الصدى اختفى، والهواء الثقيل تلاشى، حتى الظلال التي كانت تطاردنا بدت وكأنها انحبست خلف الجدار.

بصوت لم يكن يشبه صوت طفلة، همست:

"هذا ليس باب الساحر... إنه باب الحقيقة. من يفتحه يرى أصل اللعنة."

تقدّم عمر بحذر، عيناه تتفحصان النقوش على الباب: دوائر تتشابك حتى تشكّل شكلاً أقرب لشجرة، جذورها تتفرع في كل الاتجاهات. مدّ يده على النقش، وفجأة تَوهّجت الشجرة بنور أزرق، وانبثق منها مشهد كأن الجدار صار مرآة.

رأيتُ قريةً تشبه قريتنا، لكن مختلفة. البيوت أوسع، وفي قلب الساحة القديمة، كان هناك رجل مسنّ بلحية بيضاء، يحمل كتابًا أسود.

إيناس شهقت:

"هذا... الساحر."

لكن الرجل لم يكن كما وصفته توقعة. لم يكن شريرًا، بل كان يقف بين الناس بابتسامة، يرفع الكتاب كأنه يحميهم. فجأة ظهرت امرأة شابة، ملامحها مألوفة بطريقة غريبة. اقتربت من الرجل، انتزعت الكتاب، وصرخت بكلمات حادة... ومن لحظتها بدأ النور في القرية يخبو، والأرض تتصدّع.

1

تراجعتُ خطوة، قلبي يخفق:

"انتظري... هذه المرأة... تشبه الجدة!"

أدار عمر رأسه إليّ، عيناه تتسعان بدهشة، ثم قال بصوت متهدج:

"إذن... ربما اللعنة لم تكن من صنع الساحر... بل من صنعها هي."

الصور على الباب اهتزت بعنف، وكأنها ترفض أن نعرف أكثر، وبدأت鎖 الحديد تتحرك من جديد، هذه المرة ببطء، نحو الانفتاح.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وريثة الغسق

المؤلف lumara
2025/09/11 مكتملة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة