ملاحقة في الظلال

ملاحقة في الظلال

84 0

وقفت لحظةً أطالع وجه إيناس المتهدّل على الوسادة؛ لم تكن مجرد ابنة عمة ، أو شقيقتي في هذا البيت، كانت عالِمًا صغيرًا من الأسرار التي لم تُحكى بعد. علمتُ أن الظلال لا تستطيع أخذي الآن — مكسبٌ غريب في ليلٍ كله خسارات — لكن هذا لم يخفف من وطأة المسئولية. إن تركتها هنا مع عمّتي يعني تسليمها ؛ وهكذا لا يزول الخوف، بل يتأخر وينابيع الندم ستتدفق.

التفتُّ إلى عمر الذي ينتظر عند الباب، وجهه في الضوء الخافت مقطّعٌ من حزْم وقلق. أمسك بيدي كما لو أن إمساكه بي يمنع الفراغ من بلعنا. همس: «هي لنخرج بسرعة، بعدها سأفكر ماذا نفعل لإبعادهم عنها بعد خروجك.» لكن كلماته لم تبرّد لظمأ قلبي.

«لن أتركها»، قلت بصوتٍ خانق، ورفعت إيناس بين ذراعي كما تُرفع قِداسًا هشًّا. حركتُ جسدها بحذرٍ، حاولت ألا أوقظ في عيونها الوميض الأسود الذي رأيته مراتٍ سابقة. عندما حملتها لم يكن أملاً فقط، كان تحديًا لطقسٍ لا يرحم.

خرجنا من الغرفة ببطءٍ، كل خشبة في الأرض تصرخ تحت أقدامنا. في الصالة، لمحت ظلًّا يلتف في الهواء كدخانٍ لا يطيق الفجر. لم يكن يهمّها أني لم أبلغ، لم تهمها حتى مَن تحمل بين يدي الآن؛ الظلال جاءت لأن طقوسهم بدأت تُحاك في هذا البيت، ولأن الإنسان يخون الإنسان بسهولةٍ أكبر من خيانة الطبيعة.

عمّتي خرجت فجأة على عتبة الباب، وجهها أبيض كقالب شمع. لم ترفع صوتها، لكن نظرتها كانت كقصاصٍ مُحضّر. «أين تظنّينين أنتما ذاهبتان؟» قالتها بلا لهجة، وكأنها تقرأ من كتابٍ قديم. في لحظة، ظلٌ واحد اقترب من كتف إيناس، لامس شعرها برفقٍ بارد. توقفت أنفاسي؛ الهمس بدأ يدخل في أذنيّ، يعدّ الأسماء.

عمر دفع بي من الجانب، وهو يهمس بصوتٍ يجرّ الخبث: «اركضي!»

ركضت. لم أفكّر في شيء سوى الخروج إلى الشارع، إلى الهواء الذي قد لا يكون من حريةٍ كاملة لكنه أقل وطأة من أنفاس هذه الجدران. أحسست بثقل الظلال يتلاحقنا، لكن كلما ابتعدنا كلما بدا الظلّ وكأنه يتلاشى ثم يعود، لا يلمسني مباشرة لأنني لم أبلغ، لكنه يلتصق بإيناس كأنفاسٍ لا تُفلت.

وصلنا إلى الباب الخارجي؛ الباب الحديدي كان مُشغَّلاً بقدمٍ خشبية من الخارج — عمّتي لم تترك فجوة. عمر ضرب بالمطرقة التي استعملها على الدوام في إصلاح الحاجز، وصرخة معدنية انفجرت، ثم صوت تحطّم. فتحنا الباب، والهواء الخارجيَ كان كصفحةٍ نقية.

خرجنا إلى الشارع في ليلٍ مبتلّ، أضواء القمر طافحة على الأسطح. لم تجرؤ الظلال أن تقفز إلى الضوء بقوةٍ كما تفعل داخل البيت؛ هي كائناتٌ تستظلُّ في الزوايا. لكني كنت أعلم أن الهرب ليس نهاية؛ إنه بداية شبكة من قرارات: علينا لبحث عن طريقة لفكّ اللعنة، لو وُجدت طريقة...

في اللحظة التي وَجهتُ فيها أنفسي نحو ظلامٍ أقل داخل المدينة لأختبئ عن أنظار العمّة، شعرت بيدٍ تمسك بكتفي. التفتُّ لأجد إيناس قد فتحت عينيها، عيونها ليست عيون فتاة محرومة الآن فقط؛ فيها شيء يشبه الاستكانة والخبرة. همست، بصوتٍ أتى من أقصى مكانٍ في صدرها: «اذهبي… احمي نفسك… إن استطعتِ أن تحميني الآن فافعلي، وإلا فاهربي لتعدّي لي أيامًا أخرى.»

لم يكن أمرًا واضحًا، كان طلَبًا بين التحدي والرحمة. إيناس التي كانت تتحدث عن موتي أضن أنها ليس هي نفسها التي تتحدث لأن . وبينما اختفت خطوات عمّتي بعيدًا في الخلف، أدركتُ أن الطريق الحقيقي أمامنا ليس في ثغرةٍ للهرب فقط، بل في معرفةٍ؛ معرفة لماذا تختار الظلال ابنةً من كل جيل، وكيف تُكسر هذه الدائرة.

لم ننتهِ بعد من الليلة؛ لكني حملت إيناس أكثر إحكامًا، وعمر يجرّنا نحو شارعٍ مضاء قليلاً. الظلال لا تأخذني الآن، هذا صحيح، لكن حبل المصير مربوطٌ بيننا جميعًا، وما حدث الليلة لم يخصم شيئًا من التزامي نحوها. إن كنا ننجو، فليس من أجل النجاة وحدها، بل لتفجير سرٍّ قديمٍ قد ينقذ بنات أجيالٍ لاحقة من أن يُقدّمن قربانًا في الظلام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وريثة الغسق

المؤلف lumara
2025/09/11 مكتملة
قائمة الفصول (18)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة