جلست جدتي أمامنا، ملامحها صلبة كالصخر، لكن عينيها كانتا تهربان من نظراتنا بخفة المرتاب. وضعت كفها على ركبتها، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها تتهيأ لحملٍ ثقيل لا يقوى عليه جسدها العجوز.
قالت بصوتٍ حادٍّ، تقطعه رعشة خفية:
– "اسمعوا جيدًا... ما سأقوله الليلة لم يُقال في بيتنا منذ زمن بعيد."
تبادلنا أنا وعمر النظرات القلقة، بينما كانت إيناس تشد على طرف ثوبها حتى أوشك أن يتمزق بين يديها المرتجفتين.
خفضت جدتي صوتها حتى صار أقرب إلى الهمس، لكنه تسلّل إلى أعماقنا كخنجرٍ بارد:
– "في عائلتنا... لا تمر البنات ببلوغٍ عادي. منذ أجيال طويلة، كل فتاة حين ترى دمها الأول... تفتح بابًا لا يجب أن يُفتح."
ارتجفت إيناس، ووضعت يدها على صدرها، وكأن الكلام موجَّه إليها مباشرة. تسارعت أنفاسي، وأحسست بثقل يطبق على صدري. أردت أن أوقفها، أن أصرخ، لكن عينيها الثابتتين كالجمر منعتني.
تنهدت، ثم تابعت بصوت غارق في الحزن:
– "جدتكن الأولى... أبرمت عهدًا مع الظلال. أو كما سماه جدكم الأكبر: القطرب. كان طمِعًا، أراد المال والنفوذ، فباع حرمة بيته، وباعنا جميعًا... نساء هذا النسل، إلى قاعٍ أسفل من الجحيم. ومنذ ذلك اليوم... لم يعد شيء بالمجان. الظلال تطالب بثمنها... وثمنها بنت من كل جيل."
ساد صمت خانق، كأن الجدران أطبقت علينا. لم نعد نسمع سوى دقات قلوبنا المتسارعة. تمتم عمر بصوتٍ مرتجف:
– "أي... أي ثمن؟!"
ابتسمت جدتي ابتسامة ميتة، ابتسامة من يذبح نفسه بكلماته:
– "الثمن... هو حياة داليا."
صرخ عمر مقاطعًا، بينما شهقت إيناس:
– "لكن... لكنني أنا أكبرها بلأشهر !؟
أطرقت جدتي برأسها، وقالت باستسلامٍ موجع:
– "الظلال لا تختار بالعمر. ستُطارد إيناس الكوابيس... ستسمع النداءات كل ليلة، أصوات تستدعيها إلى القبة الملعونة... قبة جدكم. قد تجرّها قدماها إليها قسرًا، وقد لا تعود إلا جثة هامدة. عليها أن تتحمل حتى تبلغ داليا. وعندما يحين وقتها... ستأخذها الظلال كما أخذت من قبلها."
ارتجف صوتي وأنا أتمتم:
– "ولماذا أنا؟! لماذا نحن؟!"
انكسرت عينا جدتي، وغامت نظراتها ببحرٍ من الذكريات الموجعة، ثم قالت بصوتٍ متقطع، متجنبة النظر إلينا:
– "كل ما في الأمر... أن أمك ماتت وهي تحاول مع والدك كسر هذا العهد. ماتت، وبقيت اللعنة... وظلالها تطاردنا جيلًا بعد جيل."
في تلك اللحظة، انطلقت صرخة مزلزلة من حنجرة إيناس، وهي تحدق نحو النافذة بعينين فزعتين. تبع الصرخة صرير باب يُفتح ببطء... تبادلنا النظرات المذعورة، وكلنا على يقين: الظلال سمعت اعتراف جدتي.صرخة إيناس فجّرت الصالة، صرخة لم تكن بشرية، أقرب لتمزّق روح منها لخوف عادي. جمدنا أماكننا، بينما كانت عيناها مسمّرتين على النافذة، شاخصتين كأنهما لا ترَياننا نحن، بل شيئًا آخر... شيئًا يقف خارج الزجاج.
همست بشفاه مرتجفة:
– "إنها هناك... تناديني..."
تبعنا نظراتها المرتجفة، لكن لم يكن هناك إلا العتمة. لا شيء. ومع ذلك، كنا نشعر جميعًا ببرودة تملأ المكان، كأن النافذة لم تعد مجرد نافذة، بل فمًا مفتوحًا على هوةٍ أخرى.
وفجأة... انفتح الباب الذي خرج منه عمي وجدي قبل قليل. دخلا مسرعين، وجهيهما يفضحان ما لم نكن نريد أن نصدقه. لم يسألا "ماذا يحدث؟" كما يفعل الجاهلون، بل وقفا متصلّبين، كأنهما شهدا هذا المشهد من قبل.
تبادل عمي النظر مع جدتي، نظرة قصيرة، لكنها مليئة بالاعتراف الملعون. ثم صرخ بصوتٍ مشروخ:
– "بدأت! الظلال ...
شهقت عمتي وقد لحقت بهما مذعورة، ووضعت يدها على فمها، بينما إيناس تراجعت للخلف حتى التصقت بالجدار، جسدها يهتز بعنف، وصرخت:
– "تمد أذرعها نحوي... إنها تبتسم لي... إنها تريدني أنا!"
كلمتها الأخيرة غرست فينا جميعًا رعبًا لا يُحتمل. لم نرَ شيئًا، لكننا أحسسنا به، كما يُحَس بالريح دون أن تُرى. الهواء أصبح ثقيلاً، الأنفاس متقطعة، والبرد يلسع عظامنا.
جدّي رفع عصاه، قبض عليها كمن يقاتل شبحًا يعرف أنه أقوى منه، وعيناه تتهربان من النافذة. أما جدتي فطأطأت رأسها، وأخذت تتمتم بأدعية قديمة، كلمات غريبة لم أفهمها، لكنها كانت تُلقى كأنها دروع عاجزة أمام جيشٍ لا يُهزم.
عمي كان يتصبب عرقًا رغم البرد، يخطو خطوة للأمام كمن يريد إبعاد إيناس عن النافذة، لكنه توقف فجأة، كأن قوة خفية كبّلته.
ثم حدث ما لم أتوقعه... عمتي أطلقت شهقة حادة، وضعت يدها على صدرها، واهتز جسدها قبل أن تسقط أرضًا بلا وعي، كدمية قُطع خيطها. عمر أسرع نحوها مذعورًا، يرفع رأسها محاولًا إيقاظها، لكن عينيه كانتا معلقتين على إيناس، التي استمرت تحدق في الظلام بعينين فارغتين، شفتيها تتمتمان بلا وعي:
– "القبة... القبة تناديني..."
جدران الصالة بدت وكأنها تضيق بنا، الضوء انكمش، والهواء صار أثقل. لم يعد أحد منا يجرؤ على الحركة. كنا نعلم جميعًا... أن الظلال قد دخلت بيتنا بالفعل، وإن لم نرها.
انطفأت الصرخة من حنجرة إيناس فجأة، لكن الصمت الذي أعقبها لم يكن هدوءًا… بل كان صمتًا يزحف كالأفعى فوق الأرض، يتسلل إلى قلوبنا، ويتركنا ننتظر لدغة قادمة.
أسرع عمي يحمل عمتي المغشي عليها، يساعده عمر، وسحبها نحو الغرفة المجاورة ليستعيد جسدها بعض هدوئه. بقيت أنا أحدق في إيناس، التي ما زالت تلتصق بالجدار، شفتيها تتمتمان بكلمات لا نفهمها، بينما عيناها غائبتان في عالمٍ آخر.
اقتربت منها، وضعت كفي على كتفها المرتجف، فارتعشت أكثر كأن لمستي نار. همست:
– "انتهى... لا شيء هنا يا إيناس..."
لكنها التفتت إليّ ببطء، بعينين يملؤهما السواد، وصوتها خرج غريبًا، أعمق من صوتها المعتاد:
– "لم تذهب... لم تذهب بعد..."
شعرت ببرودة تخترق صدري، قبل أن يقطع الصمت صوت جدتي. كانت جالسة، تسبّح بأنامل ترتجف، ثم رفعت رأسها وقالت:
– "دعوها. ما رأته الليلة... ما هو إلا بداية."
جلسنا حولها من جديد. جدّي بقي واقفًا، يضغط على عصاه بيد مرتجفة رغم محاولته إخفاء ذلك. كأن خوفه أكبر من خوفنا جميعًا.
تنهدت جدتي، ثم تابعت بنبرة أثقل من الرصاص:
– "لم أخبركم الحقيقة كاملة... أمك لم تمت موتة عادية كما قيل لكي."
تسمرت عيوننا فيها، بينما إيناس أغمضت عينيها كأنها تسمع القصة من داخل رأسها لا من فم جدتنا.
بعد، أخذ الظلال إبنتي الكبرى تاليا، قاطعها
– "ماتت أثناء ولادتك. صرخت، ثم خمد صوتها، والدم سال حتى غمر سريرها. لم يكن في مقدور أحد إنقاذها... فقد أخذتها الظلال وهي تضع طفلتها."
سكتت، تنهدت ببطء، ثم أكملت:
– "أما والدك... فقد كان رجلاً ضعيفًا أمام هذا كله. رأى الموت يخطف زوجته أمام عينيه، ورأى كيف تركت الظلال بصمتها في البيت. ومنذ تلك الليلة لم يعرف للراحة طريقًا. كلما غربت الشمس، كان يسمع صراخها من جديد. كلما أغلق عينيه، رآها تناديه من القبة. لم يحتمل... فهرب."
ارتجف صوتها فجأة، كأنها ترى المشهد من جديد:
– "لم يهرب خوفًا على نفسه فحسب... بل لأنه صار مطاردًا. الظلال لاحقته في نومه ويقظته، تذكره بما فشل فيه، تذكره بأنه عجز عن إنقاذها. ظن أنه لو ابتعد عن البيت، سيبعد اللعنة عنكم. لكنه ترككم للقدر... وترك الطفلة لتعيش بين أحضان عمتها، لا بين يدي أمها."
ساد صمت ثقيل، أثقل من أي خوف سابق. حتى أنفاسنا خفتت.
انحنت جدتي، وأغمضت عينيها كمن ينهار أخيرًا تحت ثقل ما كتمه لسنوات.
وفجأة... عاد الصوت من الباب. خدش بطيء، طويل، كأن شيئًا ما يمرر أظافره على الخشب من الخارج. ارتجف عمر وهو يلتفت. أنا جمدت في مكاني. أما إيناس... فقد ابتسمت.
ابتسامة لم أرَ مثلها في حياتي.
lumara