كلما اتسعت الهوة بين ما تعرفه عن نفسك وما تراه في المرآة، كلما شعرت أنك تسقط في فراغ لا قاع له.
تلك الهوة السحيقة بين ما تحمله ذاكرته من ماضٍ عريق تتدفق في عروقه كدماء، وما يراه العالم من جسد صغير ضعيف... جعلت منه غريباً حتى عن جلده الذي صار سجناً من لحم ودم.
العقل يعرف، لكن الجسد ينكر.
تعرف يداه القديمتان وزن السيف وكيفية إمساكه، لكن الأصابع الصغيرة الآن ترتعش.
الروح تتذكر كل تفاصيل المعارك، لكن الأوصال تخون عند أول حركة قتالية.
كل عضلة، كل عصب في هذا الجسد الغريب يصرخ في وجهه... شبحٌ حبيسٌ بجسد طفل.
وهو بين هذا وذاك، كشجرةٍ جذورها في سماء الماضي وأغصانها في أرض الحاضر، لا تدرك أين تنتمي حقاً.
يرى ماضيه كحلم بعيد، ثم يوقظ فجأة على كابوس حاضر باهت.
كل رائحة، كل صوت، كل لمسة هنا تذكره بما فقد، وتؤكد له ما لن يسترد.
لكن الأكثر قسوة... حينما يتراءى له هذا الماضي البعيد حقيقة لا لبس فيها.
قدماه تجولان المكان بثقة من عرف كل حجر فيه، وعيناه تتفقدان كل زاوية.
رائحة البرقوق في الهواء، صوت التدريب المنتظم، حتى نسيج أردية التلاميذ — كلها تفاصيل يعرفها كما يعرف أنفاسه.
رغم أنه لم يرد أن يصدق، أن يقع في فخ هذا الوهم، لكن كل شيء كان حقيقياً أكثر من اللازم...
أصعب من أن يستطيع إنكاره.
حرارة الشمس على جلده، مرارة الشاي على لسانه، المباني الفخمة المزينة بالرخام الأبيض والخشب المنحوت بدقة،
مختلفة كل الاختلاف عن الأبنية الرثة في جبل هوا الحالي.
وصوت التلاميذ الهادئ المنظم في أدائهم... لا يشبه ضجيج أولئك الأشقياء الشبيهين بقطاع طرق الذين يملؤون الجبل الآن.
كل شيء ها هنا... حقيقي بشكل مؤلم.
حاول أن يشك، حاول أن يجد ثغرة في هذه الواقعية المفرطة، لكن الحقيقة ضربته كالسياط:
إنه بلا شك جبل هوا، الذي أحبه، الذي تاق إليه، الجبل الذي خسره بسبب حماقته.
كان شارداً، غارقاً حتى أذنيه في دوامات الذاكرة، حين التقطت عيناه شيئاً مختلفاً يتحرك على الهامش.
رمش ببطء، كما لو كان يوقظ نفسه من غفوة طويلة، ثم حدق مجددًا.
هناك، على بعد خطوات، كان جسد مألوف يقف مستقيمًا وسط ضوء الشمس، يحمل بين يديه شيئًا ويكتب.
تشيونغ جين.
وقف للحظات يتأمله من بعيد، كأنما يرى طيفًا لم يُلاحظ من قبل.
ربما لم يسبق له أن رأى ظهره هكذا، بكل هذا التركيز.
لم يكن يدرك من قبل... كم يتطلب هذا العمل من جهد.
كان تشيونغ جين يراقب التلاميذ بعينين دقيقتين، والفرشاة في يده تتحرك كأنها تسجل التاريخ،
و الكلمات التي يخطها الآن ستكون يوماً ما الأساس الذي يسير عليه أحفاد جبل هوا.
تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتي تشيونغ ميونغ، ابتسامة خفيفة بطعم الحنين، وهو يخطو نحوه بخفة.
ثم — وبدون إنذار — وضع يده حول رقبة جين من الخلف صارخًا:
"ساهيونغ! ما-!"
تفجرت ردة فعل جين كمن لسعته الكهرباء، قفز في مكانه مفزوعة أطرافه، وصرخة مكتومة على حنجرته.
لكن ضحكة تشيونغ ميونغ العالية طغت على كل شيء، ضحكة تحمل كل مشاغبته القديمة.
وقبل أن يلتقط جين أنفاسه، كانت يد تشيونغ ميونغ تخطف الأوراق من بين أصابعه بخفة،
رفعها عاليًا بينما الآخر يحاول استعادتها، لكن تشيونغ ميونغ كان أسرع.
"أعدها!"
"دعني أرى ما هذا."
طوى جين ذراعيه بيأس، وهو يهمس لنفسه وهو يرمقه بنظرة مستسلمة:
سيبدأ بالتذمر، بلا نهاية…
بينما كان تشيونغ ميونغ ينقر لسانه بضيق مصطنع، راح يقلب الأوراق بعناية، عيناه تنتقلان من سطر لآخر،
وتشيونغ جين خلفه يراقبه بتوتر متزايد.
"هممم..."
في عيني تشيونغ جين، قد يكون هذا أغرب مشهد في حياته:
الرجل الذي كان يسخر من كل شيء، الآن يدرس تلك الأوراق بتمعنٍ غريب، كأنها كنز دفين.
"إنها جيدة، ولكن..."
"ماذا؟"
التفت تشيونغ ميونغ نحو جين، دون أن يرفع عينيه عن الورق.
مال بها قليلاً نحوه وأشار بأصبعه إلى أحد الأسطر.
"قد تكون صعبة بعض الشيء عليهم، انظر هنا..."
أدى بيده حركة معقدة، التف معصمه، ثم رفعها فجأة، ليعطي بذلك القوة للسيف الوهمي في يده.
قد أدى تلك الحركة برشاقة حتى يكاد يخيل للمرء أنها سهلة، لكن..
"ليس الجميع قادراً على هذا."
وفي اللحظة ذاتها، اتسعت عينا جين بدهشة... فمه تحرك، ثم توقف، ثم انفجر فجأة بالكلام:
"أجل! أعلم! ولهذا كنت أحاول إيجاد طريقة تجعلها أسهل عليهم، كنت أظن أنه ربما لو خففنا الضغط في— هاه؟"
توقف فجأة.
"ما الأمر؟"
سأله ميونغ، دون أن يرفع عينيه.
"ساهيونغ... أقلت إنها صعبة؟ ليست شيئًا بسيطًا؟"
أومأ تشيونغ ميونغ بهدوء.
"أجل."
"ساهيونغ؟"
حدق جين فيه كما لو فقد صوابه، كأن دماغه يحاول معالجة جملة مستحيلة.
لكن تشيونغ ميونغ كان قد غاص بالفعل في دفتره، يهمهم ويعدّل، ويخربش دون توقف.
"ربما تصبح أقوى بهذه الطريقة."
سحب الفرشاة من يد جين، وراح يمحو جزءًا من الرسم، يعدّله، يعيد تخطيطه.
دهشة جين نمت على وجهه، بينما وقف هناك، عاجزًا حتى عن الكلام.
"هكذا ستكون أفضل..."
تمتم بها تشيونغ ميونغ وهو يضيف خطوطًا جديدة.
"لا... لا يزال صعباً عليهم أداؤها."
توقف لبرهة، فكّر، ثم خربش من جديد.
"آه، هكذا أفضل."
وحين انتهى، ارتسمت على وجهه ابتسامة رضا هادئة،
ورمى بالأوراق نحو جين، الذي تلقاها كمن يتلقى شحنة كهرباء خفية.
ظل جين واقفًا في مكانه، يتنقل بنظره بين الأوراق التي في يده، وظهر تشيونغ ميونغ الذي ابتعد بهدوء.
اختفى من المكان، تاركًا جين واقفًا وحده، بين الدهشة والذهول.
هو يعرف أن تشيونغ ميونغ عبقري، لا أحد يشك في ذلك.
لكن أن يكون قادراً على الشرح؟ أن يشرح دون أن يبدأ بلعن "غباء" من أمامه؟
هذه معجزة.
الشرح الذي أضافه كان مذهلًا.
زاد من حدة التقنية، وحافظ على بساطتها في ذات الوقت، كأنما رسم خطاً بين المستحيل والممكن.
لم يسعه إلا أن ينهمك في قراءة التعديلات،
والحماس بدأ يتفجر في داخله.
......
استيقظ السيوف الخمس وهاي يون في ظلامٍ مطلق لا يُرى فيه شيء، لا أرض تحت الأقدام ولا سقف فوق الرؤوس
. كان الظلام ثقيلاً وكثيفاً، يلفهم من كل جانب كغطاء سميك لا يُنفذ.
برودة قارسة تسللت إلى عظامهم، تجمدت أنفاسهم في الهواء البارد قبل أن تتبدد.
لم يكن هناك صوت سوى دقات قلوبهم التي بدت صاخبة بشكل غير طبيعي في ذلك الصمت القاتل.
حاولوا تحريك أيديهم أمام وجوههم، لكنهم لم يروا شيئاً.
حتى أصابعهم التي لامست بعضها لم تكن مرئية في ذلك الظلام الحالك.
الهواء راكد وثقيل، يحمل رائحة غريبة تشبه رائحة الأرض الرطبة بعد قرون من العزلة.
"أين نحن؟"
همس أحدهم بصوت خافت.
لكن ما عاد إليه ما كان إلا صدى صوته الخافت يتردد في المكان.
ثم... بدأت تظهر نقاط ضوء زرقاء باهتة في البعيد.
كانت في البداية خافتة كشموع على وشك الانطفاء، لكنها ازدادت سطوعاً تدريجياً.
الأضواء الزرقاء تمايلت في الهواء ببطء، تنشر حولها هالة دافئة تخفف من برودة الظلام.
الحرارة الخفيفة التي انبعثت منها كانت كافية لجعل الهواء أقل قسوة، كأن شخصاً ما فتح نافذة في غرفة مغلقة منذ زمن طويل.
بدأت النقاط الزرقاء تتكاثر، تتحرك في أنماط غير منتظمة لكن هذا لم يبدد جمالها.
الضوء الأزرق الناعم أضاء ملامح وجوههم شيئاً فشيئاً، كشف عن تعابير الدهشة في عيونهم.
لم يكن الضوء ساطعاً بما يكفي ليكشف عن معالم المكان، لكنه كان كافياً ليريهم بعضهم البعض، وليرسم مساراً في الظلام الدامس.
الدفيء الذي حملته تلك الأضواء كان غريباً، مختلفاً عن دفء النار أو الشمس.
كان كأنه حرارة حية، تنبض بنبض خفي.
تحركت الأضواء الآن بشكل أكثر تنظيماً، بدأت تتجمع لتشكل ممراً مضيئاً في قلب ذلك الظلام الأبدي.
كل خطوة نحو الأضواء جعلت البرودة تخف، جعلت الظلام يتراجع قليلاً.
بدأت أنفاسهم تظهر مرة أخرى في الهواء، لكنها الآن كانت محاطة بهالة زرقاء خفيفة.
أصابعهم التي امتدت لتمس الأضواء شعرت بدفء لطيف.
"إنه جميل..."
انساب التعجب من شفاه يونغ جونغ بلا إرادة.
"هذا رائع!"
أضاف جوغول وهو يمد يده لمحاولة لمس أحد الأضواء.
"متلألئ..."
قالت سوسو بانبهار.
بينما كان هاي يون يتأمل المشهد بتعجب:
"أهذا حقاً عقل سيجو؟"
"مذهل..."
اكتملت الجملة على شفاه بايك تشيون.
بخطوات مترددة في البداية، ثم بثقة متزايدة، بدأوا بالسير في الممر الضوئي.
كانت أقدامهم لا تصدر أي صوت على السطح غير المرئي، وكأنهم يمشون على ضباب.
كل خطوة تزيد الأضواء سطوعاً، وكأنها تستجيب لوجودهم.
يوي سول كانت تلمس الجدار الضوئي بحذر، لتشعر بنبض خافت كحياةٍ تنبض تحت أصابعها. "إنه حقيقي..."
همست لنفسها.
"إلى أين سنذهب؟"
سأل أحدهم بصوت خافت، مكتوماً بالرهبة.
"لا أعلم"
أجاب آخر، وعيناه تتابعان الأضواء المتلألئة.
"ذلك الراهب المزعج، لماذا لم يخبرنا بأي شيء؟"
تذمر ثالث بغضب.
"توقفوا عن التذمر!"
انفجر بايك تشيون بصوت عالٍ، مقطّعاً جدالهم.
وبينما كانوا منشغلين بشجارهم كان الممر يتسع تدريجياً، والأضواء تزداد كثافة، وكأنهم يسيرون داخل مجرة مصغرة.
"لسبب ما، أصبحت أكثر اقتناعاً أننا داخل عقله"
قال جوغول بتأمل.
"ماذا؟"
"لا شيء هنا منطقي"
أجاب جوغول سؤال يون جونغ بهزّة كتف.
تابع جوغول كلامه وهو يلمس إحدى الفقاعات التي سرعان ما تلاشت إثر لمسته، كان المشهد مثيرا للدهشة بلا ريب، لكن الأكثر دهشة هو....
"أنت محق"
"هاه؟"
التفت جوغول نحو بايك تشيون ويداه ترتعشان ووجه متصلب في ذهول.
"ما الأمر الآن؟"
سألت بتوتر.
حدق به جوغول بعينين دامعتين ووجه مثير للشفقة:
"لا، هذا... إنها المرة الأولى التي تقول فيها إنني محق".
لكن فرحته تلك لم تدم طويلا.
"وستكون الأخيرة"
وبعد لحظات.
"ساهيونغ! ساهيونغ!"
صرخ جوغول فجأة بحماس.
"ماذا الآن؟"
التفت يونغ جونغ نحوه بتعبير غاضب.
لكن غضبه سرعان ما تحوّل إلى صراع مع ضحك مكبوت عندما رأى جوغول يقف خلف إحدى الفقاعات الضوئية، حيث تشوّهت ملامح وجهه عبر السطح المنحني لتبدو مضخمة ومضحكة بشكل غير طبيعي.
"بفت... هاهاها! ما الذي تفعله بحق الله؟"
انفجر يونغ جونغ ضاحكاً.
كما انضم الآخرون للضحك بينما كان جوغول يقلّب تعابير وجهه خلف الفقاعة، مستغلاً تشوّه الانعكاس لصنع وجوه مضحكة.
باندفاع طفولي، مدّ جوغول يده نحو الفقاعة القريبة، محاولاً سحبها أو الإمساك بها لمتابعة لعبه. لكن لحظة ملامسة أصابعه للسطح المتوهج، حدث شيء غير متوقع....
فجأة، انعكس في عينيه عوضا عن الفقاعة صورة واضحة لرأس هاي يون الأصلع، متخذة لوناً أحمر زاهيا.
"سيجو..."
"......"
"هذا رأسي!"
تراجع جوغول فجأة وكأنه لمس جمراً، واتجه بسرعة خلف يونغ جونغ محاولاً التظاهر بعدم المسؤولية.
"هذا... أسف أيها الراهب، لكن رأسك كان يعكس الضوء الأزرق بطريقة غريبة.... لذا...أنا...هههه"
"أنت...!"
ازداد احمرار وجه هاي يون، وقد برزت عروق غاضبة على جبينه، ورفع قبضته مستعداً للانقضاض.
لكن صوتاً عالياً قطع الموقف فجأة:
"ما الذي تفعلونه الآن؟!"
جفل الجميع عند سماع صوت بايك تشيون الغاضب من أمامهم.
"لم نأت إلى هنا للعب!"
"أسف ساهيونغ...."
راح كل من جوغول وهاي يون يعتذران بحرج.
"ألا تذكرون سبب وجودنا هنا؟"
سألهم بنبرة حادة.
"البحث عن تشيونغ ميونغ"
أجابوا بصوت واحد.
وبعد لحظات قطع تساءل من جوغول حدة الموقف.
"ولكن كيف؟"
"أليس من المفترض أن ندخل إلى ذكرياته؟"
أضافت سوسو.
"بالضبط. ولكن أين هي تلك الذكريات؟"
تساءل يونغ جونغ.
"هنا."
أجابت يوي سول بهدوء، وهي تحدق بإحدى الفقاعات الكبيرة، بدا على وجهها تعبير لطيف غير معتاد دفع الجميع بالإسراع نحوها.
....وحين باتوا على مقربة من الفقاعة، تجمدت خطواتهم.
كان السطح المتلألئ لا يزال يشع بهدوء، لكن ما عكسته هذه الفقاعة لم يكن كالبقية.
ظهرت صورة باهتة في عمقها، تتقلب كأنها تُسحب من أعماق هاوية لا قرار لها.
.....في البداية بدت مجرد ظلال... ثم خطوط ضبابية...ثم
hind