كان صوت الأقدام يضرب الأرضية الخشبية بسرعة متصاعدة، يتردد صداه في الممرات الهادئة كطبول تنذر بقدوم شيء جلل.
أنفاس متلاحقة، ثقيلة، تكاد تسمع بوضوح في قلب السكون، ويد ترتجف من العجلة تدفع الباب بقوة—
بوووم!
انفتح الباب بعنف، وارتد صداه كصفعة داخل القاعة.
صرخ الصوت القادم من الخارج:
"ساسوك—!"
لكنه لم يكمل.
سكنت الكلمات في حلقه فجأة، حين التقت عيناه بنظرة بايك تشيون.
تلك النظرة الحادة التي لا تنطق، ولكنها تحمل أمراً صارماً لا يقبل النقاش: اصمت.
خفض جوغول رأسه على الفور، والتقط أنفاسه، بينما أشار بايك تشيون بعينيه إلى سوسو ويوي سول، النائمتين بعمق بجوار تشيونغ ميونغ، ثم أومأ لجوغول أن يتبعه إلى الخارج بهدوء.
بمجرد أن ابتعدا، همس بايك تشيون دون أن يغير ملامحه:
"ما الأمر"
رد جوغول بصوت منخفض مليء بالتوتر:
"ساسوك الآن...عند زعيم الطائفة...إنه هناك"
حدق فيه بايك تشيون بعدم فهم:
"من هو؟"
"الدالاي لاما... أتى إلى هنا بحثاً عن تشيونغ ميونغ."
اتسعت عينا بايك تشيون في صدمة، وارتفع صوته دون وعي:
"ماذا؟!"
رد جوغول بسرعة:
"قال زعيم الطائفة أن أناديك فوراً، أسرع، يا ساسوك."
"حسناً"
قالها، ولكن عينيه لم تعودا تركزان على جوغول. بل شردت لحظة... لحظة واحدة فقط، ثم مال برأسه قليلاً إلى الجانب وكأنه يحاول أن يفهم شيئاً لم يقل.
كأن وقع الاسم "الدالاي لاما" قد استدعى داخله ذكرى قديمة أو نذيرًا غامضًا.
ذلك المشهد...
مشهد بكاء تشيونغ ميونغ، لم يمح من الأذهان، كان صامتًا، ثم متقطعًا، ثم فجأة... ضحك.
ضحكٌ مفاجئ، عالٍ، أجوف.
ومن بعيد، جلس جين يراقبه دون أن ينبس ببنت شفة. عيناه اتسعتا قليلًا، وجسده تحجر، ثم تمتم في نفسه:
'هل جن أخيرً؟'
رفع حاجبيه بشك، ثم أومأ برأسه وكأن الإجابة أكيدة:
'نعم... هذا ليس انهيارًا، بل مستوى جديد من الجنون.'
"ساهيونغ هل أنت بخير؟"
راح يسأل بحذر شديد.
"أجل... إنها مجرد هلوسة فحسب"
"ما الذي تتحدث عنه؟"
كان جين عاجزاً عن إدراك شيء، كما لم يرغب بذلك.
التفت جين نحو التلاميذ في الساحة من جديد، الذين قد تجمدوا في أماكنهم.
وقفوا في ساحة التدريب كأن الزمن توقف عندهم، حدقاتهم متسمرة على الشيخ تشيونغ ميونغ، غير قادرين على الحركة، لا تمارين، لا أصوات، فقط صمت ثقيل يكاد يسمع من ثقله.
لذا كان لابد من إنهاء هذا.
تنفس جين بعمق، واقترب من تشيونغ ميونغ بخطوات حذرة، ثم رفع إصبعه بتردد...
ونكزه.
ثم تراجع بخفة إلى الخلف، رافعًا يديه أمامه، مستعدًا لتلقي الضرب، الركل، أي شيء.
لكن... لا شيء أتى.
توقف.
فتح إحدى عينيه ببطء، ثم الأخرى، ليجد تشيونغ ميونغ ما زال في مكانه، وجهه مائل قليلاً، عيناه نصف مغمضتين، وكأنه لا يراه، أو يرى شيئًا آخر في مكانٍ آخر.
ازداد جين ثقةً... وخوفًا.
تقدم بخطوة، لكنه أبقى يديه مرفوعتين.
"ساهيونغ...؟"
همس بها، وكأن الصوت العالي قد يفسد شيئًا ما.
لكن تشيونغ ميونغ لم يرد.
"ساهيونغ!!"
بمجرد صراخ جين تراجع بسرعة نحو الخلف، وهو يراقب تصرفات تشيونغ ميونغ الذي التفت إليه مع ابتسامة مشرقة على وجهه.
راح يربت على كتفيه بلطف، ونبرة صوته هادئة ولطيفة.
"ههههه لا شيء هذا ليس مهما.... اوه؟ "
توقف تشيونغ ميونغ للحظات في لحظة من الإدراك، وبشكل خفيف ارتعشت زوايا فمه ويداه.
" ساهيونغ؟ "
" لحظة إذا كنت هنا الآن... فهذا يعني... ساهيونغ أيضا؟"
"ساهيونغ؟"
بعد لحظات عاد للتمتمة بصوت أكثر وضوحاً، بدا ممسوساً بشيء ما، هذه التقلبات المزاجية والتغيرات المختلفة تكاد تصيب جين بالجنون.
إذا كنت هنا.... إذا... إذا ساهيونغ... ساهيونغ هو"
في هذا المكان شخص واحد فقط من يناديه تشيونغ ميونغ ساهيونغ بهذا الاحترام.
"أتتحدث عن زعيم الطائفة؟ إنه في غرفته الآن، لكن -"
قبل أن يكمل كلامه، وفي لحظة واحدة اختفى تشيونغ ميونغ من أمام تشيونغ جين.
" ساهيونغ!!...."
اليد التي مدت قد التقطت الفراغ وعادت مقبوضة لصاحبها، أهو الغضب؟ أم الانزعاج؟
كيف يمكن لهذا الإنسان أن يتسبب بكل هذه المشاكل بلحظات قصيرة فقط، هذه أيضا موهبة خالصة.
تسارعت خطوات تشيونغ ميونغ تسابق الرياح، إلى حيث سبقه قلبه، لم يعد يبالي بماهية هذا المكان.
لا، لقد نسي ذلك منذ وقت طويل، الآن، كل ما كان يشغل باله شيء واحد فقط.
"ساهيونغ"
"جانغ مون إن ساهيونغ"
فتح بايك تشيون باب غرفة زعيم الطائفة ووضع قبضتيه أمام صدره منحنياً باحترام.
"التلميذ بايك تشيون يحيي زعيم الطائفة"
" فلترحب بالضيف الذي أتانا"
نظر بايك تشيون إلى جوار هيون جونغ حيث وجد طفلا يحتسي الشاي بكل وقار.
انحنى بايك تشيون للراهب الصغير بينما تحدث العجوز المهيب خلفه.
"نريد مقابلة التلميذ تشيونغ ميونغ أرشدنا إليه رجاءً"
"هذا."
تردد بايك تشيون بالإجابة قليلاً،واتجه ببصره نحو هيون جونغ الذي أومأ برأسه بصمت.
"فهمت اتبعني من فضلك"
أخذ بايك تشيون الراهبان نحو غرفة تشيونغ ميونغ، ومن خلفه جوغول بينما كان جميع التلاميذ يرمقونهم بنظرات فضولية.
بعد لحظات وصلوا للغرفة، فتح بايك تشيون الباب وسمح لهما بالدخول.
كان تشيونغ نائما بينما يضخ له يون جونغ الطاقة الداخلية.
اقترب الراهب الصغير منه بهدوء وسرعان ما سالت من عينيه الدموع.
"يا له من مصير قاس كيف يمكن لهذا أن يحدث"
عند سماع ذلك فزع جوغول وسأل الراهب بسرعة:
"ما الذي تتحدث عنه، أتعني أنه لن يستيقظ؟"
"جوغول اصمت"
"ولكن ساهيونغ"
تجاهل بايك تشيون صراخ جوغول ونظر للراهب وانحنى باحترام، سائلا إياه:
"ان كنت تعلم ما الخطب به أرجو أن تخبرنا بذلك"
لكن الراهب لم يجب، هو فقط اكتفى بالصمت مثير بذلك القلق في نفوس الجميع، كما لم يكن أي منهم قادراً على كسر هذا الجمود.
إلى أن عاد الراهب الصغير لفتح فمه من جديد.
"يمكن معالجته"
تلك الكلمات القليلة بثت الأمل في نفوسهم من جديد ورسمت الابتسامة على محياهم.
ليصرخ جوغول بحماس:
"حقاً!، أرجوك أخبرنا ما الذي يجب فعله"
"إنه قاس"
"مهما كان الأمر صعبا يمكننا فعله أخبرنا أرجوك"
هز الراهب الصغير رأسه بتعبيرٍ مرير ونظر لتشيونغ ميونغ بشفقة
"علاجه قاس وتركه قاس"
" ماذا؟ "
" ربما من الأفضل تركه هكذا قد يكون هذا ما يريده هو"
"ما الذي تتحدث عنه الآن"
" لكن...بغض النظر عن رغبة سيجو لا زال لديه دور لتأديته"
ما زال لديه دور، لا أحد يعلم ما هو بعد، أو ما الذي سيحل بتشيونغ ميونغ بعد تأديته، لكنهم كانوا متأكدين من شيء واحد فقط:
"جبل هوا بلا تشيونغ ميونغ ليس جبل هوا، بغض النظر عن أي شيء علينا إعادته."
أومأ الجميع برؤوسهم عاقدين العزم، في تلك اللحظة لم يعلموا ما الذي سيواجههم، هناك أشياء في هذا العالم يفضل أن تبقى مخفية.
لكن بمجرد أن يسدل الستار عنها، حينها لابد أن تتخذ القرار، سواء أحببت أم لا.
وضع الراهب الصغير يديه على رأس تشيونغ ميونغ، وبدأ يتلو كلمات غير مفهومة.
كان السيوف الخمس من خلفه يترقبون بقلق.
الطاقة التي خرجت من أيدي الراهب كانت تتسرب نحو تشيونغ ميونغ، الذي كان يتصبب عرقاً يئن مما زاد التوتر في المكان.
وبعد لحظات بدأت تظهر على جبينه علامة غريبة، شكل تمنوا لو أنهم لم يعرفوه حتى.
بلون أحمر قاتم يميل نحو السواد، وعروق بارزة تتدفق فيها الدماء....
"زهرة الشيطان"
التفت الجميع نحو يوي سول التي استيقظت لتوها، كانت وجهها الخالي من التعبير عادة متصلبا في تلك اللحظة.
العلامة المألوفة التي لا يسعهم إلا أن يذكروها، تلك التي تخلفها هجمات الطائفة الشيطانية، ولو أنها بدت مختلفةً قليلاً.
في تلك اللحظة صاح جوغول بقوة:
"إذا أفعل ذلك الأسقف المجنون شيئا له؟ "
" ربما كانت إصابته أشد مما نعتقد "
"لا"
هزت سوسو برأسها وهي ترفض الأمر.
"لقد تفحصت ساهيونغ جيدا، جسده بخير باستثناء الإصابات من معركته مع جانغ إلسو"
"إذا ما الأمر؟"
"لعنة"
"لعنة؟"
نظر الجميع بذهول نحو الراهب الصغير الذي كان لازال يبكي وهو يحدق بتشيونغ ميونغ.
" كيف له؟... كيف بإمكانه احتمال هذا المصير القاس"
بدت وجوه الجميع متصلبة في تلك اللحظة.
'مصير قاس'
كلمات قليلة لكنها قد تعني الكثير.
ومرة أخرى يلقي لهم بكلمات مبهمة تثير القلق.
كررها عدة مرات على مسامعهم، دون أي تفسير.
فما هو المصير القاسي بحق؟ هل إحياء جبل هوا مصير قاس بالنسبة له؟ أم أن هناك شيئا نجهله؟
هذا الغموض غير المبرر جعل بايك تشيون يسأله:
"هل يمكنك أن توضح الأمر يا سيدي؟"
نظر الراهب الصغير إليهم.
نظرات مشفقة، وعيون مغطاة بالدموع تثير القلق في نفوسهم.
"إنها لعنة"
"لعنة؟"
"أجل"
أومأ الراهب الصغير برأسه وراح يتمتم بكلمات غير مفهومة قبل أن يتابع شرحه.
"الروح والجسد لا يمكن أن ينفصلا، إذا ما مرض أحدهما تداعى الآخر لأجله ألما، لكن ماذا إذا ما أصيب كل منهما؟"
حل صمت رهيب بالمكان، وكتمت الأنفاس برهبة للحظات.
"إنها لعنة خبيثة، تحفر في دواخل المرء حتى تصل إلى الأعماق"
رغم محاولتهم الإنصات بهدوء إلا أن أحدهم لم يستطع البقاء ساكناً كالعادة.
"ما الذي تعنيه بالأعماق؟ عم تتحدث؟"
"جوغول"
"لكن ساهيونغ، أنا لا أفهم شيئاً!"
وضع بايك تشيون يده على رأسه بقليل من اليأس.
"كان سيشرح، لذا ابقى ساكنا"
عبس جوغول وأدار وجهه معتقداً أنه قد ظلم كالعادة، بينما ابتسم الراهب بلطف، ثم بدأ يشرح بهدوء.
"لكل منا شيء يود إخفائه، حتى عن نفسه أحياناً"
"أتقصد ذكرى؟"
"ربما، لا أحد يعلم إلا سيجو، لكن المؤكد أنه شيء لم يكن ليريد مواجهته، لذا الآن وقد اضطر لذلك لا بد له أن ينتصر للخروج"
تحدث جوغول باستغراب.
"إذا ألن يخرج بنفسه؟ أعني إنه تشيونغ ميونغ أليس كذلك؟ "
بالنسبة له لم يبدو تشيونغ ميونغ من النوع الذي يتعلق بالماضي، كان واثقا دوماً، ورغم النظرة التي يبديها أحيانا إلا أنه لم يهتز من قبل.
لكن الكلمات التي نطق بها كانت رجاءً أكثر منها يقيناً، أراد أن يصدق أن تشيونغ ميونغ الذي يعرفه لن يسمح لشيء كهذا بإعاقته، لكن كلمات الدايلاما التالية لم تترك له المجال لتلك الثقة.
" ماذا إذا لم يرد الخروج؟ "
"هاه؟ ما الذي تعنيه؟"
"هل كنت ستود الرحيل لو كنت مكانه؟"
"حسنا بالطبع أليس كذلك؟ مهما كان الماضي أليس المهم الحاضر؟"
"ههه أحسد سيجو على عقله البسيط"
بدا جوغول عابساً عند السخرية المفاجئة لكنه لم يستطع أن يجادل، بينما استعاد الراهب وجهه الجاد وعاد للتكلم بهدوء.
"لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للجميع، مهما حاولت لا يمكن للإنسان أن يتملص أو ينكر ماضيه كل شيء متصل"
" الماضي؟ تشيونغ ميونغ؟"
هم يعلمون، لا يسعهم إلا ذلك، كل ما يعلموه عن تشيونغ ميونغ هو شيء قليل اختار إظهاره.
هم فضوليين، كيف يعرف كل ذلك؟ ما علاقته بجبل هوا؟
بالنسبة له كان جبل هوا كل شيء، وكل شيء لأجله، فأي ماضٍ هذا الذي يتوق إليه قبل مجيئه لجبل هوا؟
على الرغم من الحيرة التي بدت على وجوههم استعاد شخص واحد من بينهم رباطة جأشه وحدق بالراهب الصغير بحزم.
"أخبرنا أرجوك ما الذي يجب أن نفعله لإخراجه من هناك"
"يبدو أن سيجو قد اتخذ قراره، لكن ما الذي ستفعله لو أنه لم يرد الخروج؟"
"لا يهم سواء أراد البقاء أو لا سأجره للخارج لو اضطررت لذلك"
كانت إجابة بايك تشيون مرضية للراهب الصغير لذا ابتسم برفق وهو يتلو صلاته، ثم مد يده إلى داخل رداءه.
بعد لحظات خرج ببضع أوراق فارغة صفراء اللون.
'أوراق؟'
بينما كان السيوف الخمس و هاي يون يحدقون بحيرة وتساءل فيه.
'ماذا ينوي أن يفعل؟ '
hind