حين يبتسم الماضي

حين يبتسم الماضي

25 0

المشهد يتسع داخل الفقاعة الشفافة، وكأنها كرة بلورية تلتقط تفاصيلً حيةً تنبض بالحنين.

عينان دائريتان، واسعتان كبدرين صغيرين، تلمعان ببراءة، لونهما وردي غامق، يتناقضان مع سواد شعره القصير الذي يبدو كقطعة من الليل مُعلَّقة فوق جبينه الصغير. 

1

يداه الممتلئتان، القصيرتان، ترتفعان وتنخفضان بلا هدف واضح.

و غطاء بسيط مُلفَّق حول جسده الهش، يبدو أكبر منه حجماً.

حول الفقاعة، يصمت العالم.

الهواء ثقيل، مشحون بدهشة لا تُقال.

أعين السيوف تتسع، تلتقط كل تفصيل، كل ومضة من تلك الصورة التي تذوب فيها الحدود بين الواقع والذكرى.

انعكاسات الضوء على سطح الفقاعة ترسم خطوطاً ذهبية عابرة، كأنها تحاول أن تُحيط بذلك الطفل في إطارٍ من الزمن المُعلَّق. 

"أليس هذا.... تشيونغ ميونغ؟"

"هاه؟"

عندما نطق بايك تشيون بتلك الكلمات نظر إليه الجميع بحدة جعلته يتراجع قليلا للخلف بقلق.

" ساهيونغ! كيف يمكنك قول ذلك؟"

"أتشبه هذا الكائن اللطيف بتشيونغ ميونغ؟"

"سيجو أليس لديك ضمير؟"

بايك تشيون الذي تمت مهاجمته من كل الجهات، لم يسعه إلا الشعور بالارتباك والظلم ليصرخ مبرراً نفسه.

" انظر هاتان العينان الورديتان، والشعر الأسود من غيره إذا؟"

"أهو الوحيد بشعر أسود؟ ساهيونغ بحقك هذا ليس جيداً!."

"ماذا فعلت أنا حتى؟"

" سيجو...ألا ترى أنه من الظلم تشبيه هذا الطفل البريء بذلك الشيطان؟"

عندما نطق هايون بهذه الكلمات حدق الجميع بلحظة صمت مستحضرين نفس الصورة في أذهانهم.

تشيونغ ميونغ بملامحه الشيطانية المعتادة، عيناه تضيئان بشرر الغضب، وذراعاه المفتولتان ترفعان سيف التدريب ببراعة قاتلة.

تذكروا بوضوح مؤلم صوت الهواء وهو يصفير عند كل ضربة موجعة، وصرخاتهم المحبطة عندما كان يلاحقهم في ساحة التدريب كشبح منتقم.

شعروا جميعاً بقشعريرة باردة تزحف على ظهورهم.

حتى جوغول - الذي عادةً ما يكون جريئاً - وجد يده ترتعش لا إرادياً، بينما قام يونغ جونغ بفرك ظهره كما لو كان يحاول إزالة ذكرى الألم.

أما هاي يون، فقد وجد عينيه تتسعان بينما يبتلع ريقه بصعوبة.

"هذا مستحيل ههههههه...ههههه...ههه"

هز الجميع رؤوسهم بحركة متزامنة، رافضين هذه الفكرة.

"لا يمكنك فعل هذا!"

"هذا يتجاوز كل حدود الأخلاق!"

"إنه انتهاك صارخ للطفولة!"

لكن ورغم قولهم بذلك إلا أن أعينهم لم تستطع أن تفارق الصورة المنعكسة في الفقاعة.

كان الطفل الصغير يضحك بإشراق بين يدي عجوز، ويداه الصغيرتان تتحركان بمرح صعودا وهبوطا.

"أجل، لا يمكن أن يكون هذا تشيونغ ميونغ"

لكن... لم يمضِ أكثر من بضع ثوانٍ على يقينهم البريء، حتى... حدث ما قلب الموازين رأساً على عقب.

تلك الأيدي الصغيرة الوردية التي كانت تبدو بريئة للتو، انقبضت فجأة كالمخالب على لحية العجوز الطويلة.

الأصابع الناعمة تشبثت بالشعر الأبيض بقوة مدهشة، تسحبه بعنف إلى الأسفل.

ارتفع ضحك الطفل الناعم في نبرة أعلى، متحولاً تدريجياً إلى تلك القهقهة المألوفة التي تعرفها آذانهم جيدا رغم اختلافها بعض الشيء.

"آآه!"

صرخ العجوز المذهول من الألم، بينما استمر الطفل في شد لحيته بكل قوته، ضاحكاً بلا توقف.

تلك الضحكة... تلك النظرة... تلك الحركة العدوانية المميزة...

في تلك اللحظة بالضبط، كما لو أن ستاراً قد مزق فجأة، رأوا الحقيقة عارية أمامهم.

لم تعد هناك حاجة للشك أو التساؤل.

"إنه... إنه حقاً هو..."

"لا شك في ذلك!"

"آه... هذا هو تشيونغ ميونغ الحقيقي!"

"نعم، بالتأكيد!"

"هذا هو عزيزنا تشيونغ ميونغ!"

"من غير تشيونغ ميونغ يمكن أن يفعل ذلك؟"

وفجأة، كما لو أن الفقاعة استجابت لأفكارهم، بدأت المشاهد تتغير ببطء.

انعكست صورة جديدة على السطح البلوري،

طفل صغير يركض حاملا في يديه زجاجتين من الكحول أكبر من رأسه، عيناه تضيئان بشرر ماكر بينما يلتفت خلفه هارباً وابتسامة عريضة تزين وجهه.

ثم تلاشت الصورة لتحل محلها أخرى:

فتى في ريعان الشباب يبارز خصماً أكبر منه بسنين، سيفه يلمع في الهواء بحركات متقنة لا تخطئها العين.

ثم مشهد ثالث لرجل وسيم قوي البنية، وقفته الممشوقة وتعبيرات وجهه الواثقة تكشف عن شخصية لا تقهر.

"إذاً..."

قال يون جونغ بصوت خافت، عيناه تتسعان مع كل مشهد جديد.

"هل هذه الفقاعات هي حقاً ذكريات تشيونغ ميونغ؟"

كانت الذكريات تنبض بالحياة أمام أعينهم، كل فقاعة تكشف طبقة جديدة من لغز تشيونغ ميونغ الغامض.

الأضواء الزرقاء تموجت بشكل أكثر حيوية، وكأنها تستجيب لدهشتهم، تظهر تفاصيل جديدة في كل مشهد - طريقة حمل السيف، نظرة العيون، حتى تعابير الوجه.

"لكن ساهيونغ..."

تردد جوغول، حاجباه يعقدان في حيرة.

"ماذا الآن؟"

أجاب بايك تشيون بنفور واضح.

"ألا تبدو هذه الذكرى غريبة؟"

أشار بإصبعها نحو الفقاعة حيث ظهر تشيونغ ميونغ كرجل ناضج.

"بأي طريقة؟"

"انظروا، إنه يبدو أكبر سناً وأطول قامة."

أضاف يون جونغ.

"كأنه..."

"أجل!!!"

قاطعه جوغول بحماس.

"إنه يبدو مختلفاً تماماً، لكن..."

سكت جوغول قليلاً، في حين كان الجميع ينصت له، ويون جونغ يستعد لضربه بمجرد التفوه بشيء غبي.

"ربما هذه هي الطريقة التي يرى فيها نفسه!"

قال جوغول بضحكة مجلجلة، والثقة تعلو وجهه.

"........"

ساد صمت ثقيل، نظراتهم تنتقل بين جوغول والفقاعات، هذا الجو جعله يشعر بالتوتر قليلاً.

"ماذا؟ هل قلت شيئاً خاطئاً مرة أخرى؟"

"كلا، وهذه هي المشكلة"

"ماذا تقصد؟"

"لقد قلت الشيء الصحيح اليوم"

"ها؟....ااااا بحق.. "

"على أي حال، هذا لا يهم الآن."

قطع بايك تشيون تذمر جوغول حتى قبل أن يبدأ، ليترك الآخر عابساً.

"تباً"

....................

في غرفة زعيم طائفة جبل هوا:

كان تشيونغ مون جالساً في غرفته، ورائحة الشاي تتخلل المكان.

بيده بعض الأوراق ينظمها كعادته، ويجلس أمامه جين الذي كان يساعده قليلاً.

في حين كان مون منهمكاً بما يفعله، كان جين متشتتاً يلقي نظرة خاطفة عبر النافذة، ثم يعود إلى الأوراق في حركة متكررة.

لاحظ مون هذه التصرفات ووضع الأوراق جانباً وحدق به للحظات قبل أن يسأل:

"ما المشكلة؟"

تردد جين للحظات قبل أن يجيب:

"جانغ مون إن ألا يبدو تشيونغ ميونغ غريبا هذه الأيام؟"

أومأ مون برأسه وقد فهم

" أنت محق"

" إنه يقف ويحدق بي بصمت لوقت طويل أتعلم كم هذا مخيف؟ "

"أنت أيضا؟"

" هاه؟ وزعيم الطائفة"

" أجل؟ "

" لا لما يفعل هذا بحق ألا يمكنك سؤاله؟ "

" لقد فعلت"

" فعلت؟"

"أجل وكانت إجابته : من المدهش مشاهدتك أمامي "

" هاه؟ "

خرجت تنهيدة طويلة من فم تشيونغ مون، وقد تلاشت الكلمات من لسانه.

كان تشيونغ ميونغ صداعا متحركا بالنسبة له سواء أبقي أمامه أم تجول متسبباً المشاكل.

ولكن إن كان عليه الاختيار بين بقاءه هادئاً ومطيعاً وبين الآخر فسيختار بلا ريب الآخر.

.................

"ما هذا حقاً؟"

"لِمَ بحق الإله يحدث هذا؟!"

جلس تشيونغ ميونغ على حافة سطح مسكن تشيونغ مون.

فوق فراغ مكسو بالضباب المتسلل من الوادي السفلي.

السماء فوقه ملبدة بسحب خفيفة، والريح تداعب خصلات شعره الداكن، لكنها لا تُشعره بأي نسمة راحة.

كان ينظر إلى جبل هوا الممتد أمامه، مهيبًا كما عهد، شامخًا بلا اكتراث كأنه يراقب تقلبات البشر بسخرية قديمة.

زفر تشيونغ ميونغ تنهيدة ثقيلة، وراح صداها يتردد في صدره قبل أن يتبدد في الفضاء المفتوح.

"متى سينتهي هذا الحلم اللعين؟"

رمى بنظره إلى جانبه، حيث تستقر زجاجة كحول خزفية، مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار كأنها تشاركه الغربة.

رفعها ببطء إلى مستوى نظره، تأملها للحظة، ثم أنزلها دون أن يشرب.

لم يكن هذا عادته.

كانت الزجاجة دافئة، بشكل غير مريح.

حرارتها لا تشبه دفء الحياة بل تشبه تلك الأحلام التي تحاكي الواقع حتى يكاد يخدعك ملمسها... حتى تبدأ تتفكك كغبار بين يديك.

"حتى لو كان حلماً... لماذا يبدو هذا واقعياً بهذا الشكل؟"

أخفض رأسه قليلًا، وراح يراقب انعكاس وجهه الباهت على سطح الزجاجة.

لم يكن يبدو كما اعتاد أن يرى نفسه. بدا أكبر قليلاً... أو ربما أكثر إنهاكًا.

مرّت لحظة صمت، سوى من صوت أوراق الأشجار وهي تتراقص تحت نسمة باردة، وصوت خافت يصدر من داخل المبنى، ربما أحد التلاميذ يسعل أو يتقلب في نومه.

"إذا استمر هذا إذن.... هل يفترض بي البقاء هنا؟"

قالها بصوت منخفض، كأنه يخاطب الجبل نفسه أو السماء الرمادية فوقه.

مدّ ساقيه أكثر، ومال بجسده قليلاً إلى الأمام كما لو أنه يفكر بالقفز، ليس ليموت، بل ليتأكد أن الأرض تحته حقيقية.

"لا... هذا لن ينفع..."

رفع رأسه فجأة، نظرة تصميم بدأت تتشكل خلف عينيه.

كان هناك شيء لا يستقيم، شيء لا يُقنعه.

قد تكون الذكريات، أو تلك الوجوه التي رآها...

"يجب أن أتأكد من ذلك."

تشيونغ ميونغ مدّ يده إلى الزجاجة مجددًا، رفعها بشيء من التردد، ثم شرب منها رشفة سريعة.

......................

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

صدى الماضي المفقود

المؤلف hind
2025/07/10 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة