وصل تشيونغ ميونغ أخيراً نحو مسعاه، بقلب ينبض بقوة، وأنفاس متقطعة، وآلاف الأفكار تضرب ذهنه.
توقف فجأة أمام الممر المؤدي إلى الغرفة، بضع خطوات فقط كانت تفصله عن الباب، لكنه لم يتحرك فوراً.
وقف هناك، في مكانه، كأن الأرض قد تثبّتت تحت قدميه.
رفع بصره ببطء نحو الباب الخشبي القديم، تفاصيله مألوفة بشكل مؤلم—الزخرفة البسيطة في جانبه، المقبض المعتّق الذي لطالما رآه بيدٍ واحدة دون غيرها.
مرت لحظة.
ثم خطا خطوة.
ثم ثانية.
خطواته كانت بطيئة، خفيفة، كما لو أن الأرض تحت قدميه قد صارت هشة، تخشى أن تصدر صوتاً فيوُقَظ من حلم غابت ذكراه منذ زمن بعيد.
كلما اقترب أكثر، كانت رائحة شاي البرقوق تتسلل بخفة إلى أنفه—الرائحة التي ما زالت تسكن ذاكرته منذ آخر مرة جلس فيها مع ساهيونغ في هذه الغرفة.
رغم مضي مئة عام إلا أنها لا تزال حية في ذهنه وكأنها أمس لم يتبدد.
تلك الرائحة لم تكن فقط عبقاً؛ كانت زمناً.
كانت ذكرى.
كانت وجهاً مبتسماً بعينين دافئتين.
وفي لحظة، لمعت صورة أخيه في ذهنه كما تلمع النجوم البعيدة فجأة في سماء داكنة.
توقفت يده الممتدة نحو المقبض.
أصابعه كانت قريبة من ملامسته، لكن الحركة تجمدت. وكأن تلك الرائحة أيقظت ألماً كان قد دفنه طويلاً، أو لعله كان ينتظر هذه اللحظة ليعود بقوة.
'قد يكون حلماً.'
'ربما هو سراب.'
'أو لربما... لعنة.'
أيها هو الحقيقة؟ وهل يهم الآن؟ خلف هذا الباب... ربما يجده، جالساً بهدوء، بين كومة من الأوراق، يحتسي شاي البرقوق الذي يحبه.
"ساهيونغ..."
همس بالكلمة في صدره، كأنها دعاء.
أغمض عينيه للحظة، واستجمع أنفاسه التي هربت منه، وشد قبضته حول المقبض الخشبي.
ارتجفت أصابعه للحظة، لكنه ثبتها بقوة، ثم... فتح الباب.
"ساهيونغ... سأدخل."
كانت الغرفة كما في ذاكرته تماماً—مرتبة بعناية مفرطة، أوراق مصفوفة بدقة على الطاولة.
ورائحة البرقوق... كانت أكثر دفئاً هنا.
في وسط الغرفة جلس تشيونغ مون، منحنياً فوق الأوراق، يقلبها بهدوء، وكأنه لم يغادر هذا المكان يوماً.
"تشيونغ ميونغ؟ هل استيقظت؟"
نفس الصوت الهادئ.
نفس النبرة التي طالما ارتاحت لها روحه.
"هذا جيد، تعال إلى هنا، هناك أمر أريد أخذ رأيك به."
الابتسامة على وجهه كانت كالسهم—لا تخترق الجسد، بل القلب.
"........."
تشيونغ ميونغ لم يستطع قول شيء.
الكلمات التي عاش يحفظها، يراجعها، ويعيد صياغتها كل ليلة... تبعثرت فجأة.
لم يخرج أي حرف.
فقط النظر إليه كان كافياً ليملأ جوفه بمرارة لا توصف، مرارة الشوق، مرارة الندم، مرارة الخسارة التي لا تشفى.
"تشيونغ ميونغ؟"
"........."
صمته لم يكن جهلاً بما يقول، بل خوفاً من أن ينهار كل شيء.
أن يتكلم، فيتبدد الحلم.
أن يتنفس، فيستفيق.
"ميونغ آه؟"
أخيراً، وبصوت أجبره على التماسك، قال:
"أجل، ساهيونغ."
ابتسامة مشرقة ارتسمت على وجهه، ابتسامة حملت بين طياتها كل الفصول التي مرّت منذ آخر لقاء.
اقترب بخطى هادئة، كما لو أنه يسير في حقل من الذكريات، وجلس في مكانه المعتاد أمامه، كما كان يفعل في الماضي.
تشيونغ مون انحنى قليلاً، وبحث بين الأوراق، ثم التفت إليه وهو يناوله بعضها.
"انظر هنا."
أخذ تشيونغ ميونغ الأوراق، حدق بها قليلاً—كانت مألوفة، بل محفورة في عقله.
"هذه التقنية تركها الأسلاف، ولكن أعتقد أنها تضر بنمو التلاميذ... لا أظن أنني أستطيع التخلص منها."
عند سماع هذا، تملّك تشيونغ ميونغ يقين قاطع:
'آه... إنه حلم.'
ساهيونغ الذي أمامه، هذا المشهد، هذا الحوار... لا يمكن أن يكون إلا نسج الحنين، صورة صنعها الشوق.
لذا هو ...لم يستطع إخفاء الخيبة التي مرت في عينيه، خيبة العارف، الذي يتمنى أن يكون ما يعرفه غير صحيح.
"تشيونغ ميونغ؟ هل هناك مشكلة؟"
أعاد صوته تشيونغ ميونغ من وهمه، فتماسك، وابتلع مرارته، وأجاب:
"لا، ساهيونغ. كنت فقط أفكر بالأمر."
"فهمت، إذاً ما رأيك؟"
"لا أعتقد أن هناك مشكلة في التخلص منها، وإذا كان الأمر يزعجك... يمكننا وضعها في مكان لن تصل إليه أيدي التلاميذ."
قالها تشيونغ ميونغ بصوت ثابت، بتلك النبرة التي ظلت محفوظة في ذاكرته لسنوات، بنفس التعابير التي استخدمها من قبل.
وكأنه يحتضن اللحظة، يطبعها في قلبه للمرة الأخيرة. لكن، وبشكل لم ينتبه له، بدا الأمر مختلفاً قليلاً... خافتاً كما لو أن ظلاً شفافاً يغلف الكلمات.
"فهمت، هذه فكرة جيدة... هاه؟"
ارتفع حاجب تشيونغ مون فجأة، ثم انثنى فمه في ابتسامة خفيفة.
"ساهيونغ؟"
"من النادر رؤيتك تستمتع بالشاي هكذا... هذا يجعلني سعيداً."
"هاه؟"
تشيونغ ميونغ رمق كوب الشاي بين يديه بدهشة، كأن أحدهم وضعه هناك دون أن يدري.
لم يكن في نظره أكثر من ماء ساخن فيه بعض الأعشاب، لكن الآن... كان مختلفاً.
دافئاً على نحوٍ خاص، عبيره يتسلل إلى قلبه مباشرة، يوقظ فيه شيئاً قديماً، مألوفاً حد الألم.
لهذا، وبدون وعي، كان يشربه كأنه كنز.
ضحك بخفة وهو يقول:
"ههه، أنت محق... هذا غريب."
سكنت الغرفة قليلاً، حتى صار الصمت فيها كأنه صوت آخر.
ثم، بدأ تشيونغ ميونغ بالكلام.
كان صوته خافتاً، مكسواً بالهدوء، لكنه في داخله كان عاصفة.
كل كلمة خرجت منه كانت تحترق قبل أن تتشكل على لسانه.
"ساهيونغ..."
"أجل؟"
"أنا سعيد... برؤيتك. وسعيد... بعودتي."
تشوّهت ملامح وجهه لحظة، كأن الكلمات ثقيلة جداً، أكبر من أن تُقال.
"........."
تشيونغ مون لم يُجب، لم يكن عليه أن يفهم كل شيء، كان يكفيه أن يستمع. كما اعتاد دائماً.
"لكن أعتقد... أنه يجدر بي الذهاب."
"هاه؟"
"أخشى... إن بقيت معك أكثر، إن تحدثت معك أكثر... لن أستطيع العودة. لا... لن أرغب بذلك. لكن... يجب أن أعود."
"إلى أين؟"
"إلى المكان الذي ينتظرونني فيه... إلى جبل هوا."
صمت للحظة، وعيناه لا تفارقان وجه أخيه.
'جبل هوا لا يوجد فيه ساهيونغ...'
"ألست في جبل هوا الآن؟"
أجاب تشيونغ ميونغ وهو يهز رأسه ببطء، بعينين تغمرهما خيبة حزينة:
"أجل... إنه جبل هوا... لكنه لم يعد كذلك."
'جبل هوا الذي أعرفه مات معك، ولم يتبقَ منه سوى أطلال تتنفس في ذاكرتي.'
"........."
"هناك... ما يجب علي فعله."
"شيء يجب عليك فعله؟"
"أجل."
"هل هو مهم جداً؟"
"جداً."
تشيونغ مون أومأ بصمت.
ثم رفع نظره إليه مجدداً.
"فهمت."
ارتعشت شفاه تشيونغ ميونغ قليلاً، ثم قال:
"لذا، ساهيونغ..."
"أجل؟"
"عندما... ينتهي كل شيء. حين يعود كل شيء إلى مكانه... هل يمكنك إعداد فنجان من الشاي كهذا... واستقبالي بابتسامة دافئة؟"
ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه تشيونغ مون، وقال ببساطة:
"أجل."
"شكراً لك، ساهيونغ."
أخيراً، وقف تشيونغ ميونغ، خطا إلى الخلف بخطوات وئيدة، وكأن كل خطوة تخلّف وراءها جزءاً من روحه. التفت مرة أخيرة نحو أخيه الجالس هناك، ملامحه ساكنة كلوحة دافئة، وابتسم.
ثم... خرج.
وترك فؤاده هناك، في الغرفة التي تحتفظ بكل شيء، حتى تلك الأحاديث التي لم تُقال.
........................
في تلك الأثناء....
'أوراق؟'
تشارك السيوف الخمس وهاي يون نظراتٍ حائرة، تتساءل في صمت:
'ما الذي يخطط له؟'
'أوراق؟'
كانت الأوراق عاديةً في مظهرها، خالية من الكتابة، لكنّها حملت في صمتها ثقلاً غامضاً.
لم تكن مجرّد أوراق—بل كانت مفتاحاً، أو ربما جسراً، إلى حيث لا يجرؤ أحدٌ على الذهاب.
أدار الراهب الصغير الأوراق بين أصابعه، ثمّ سلّمها إلى الراهب العجوز الجالس القرفصاء بجانبه.
لم تكن بينهما كلمات—فكلٌّ منهما يعرف دوره.
بدأ العجوز في الكتابة بحبرٍ أسودَ كثيف، بينما تدفّقت طاقته الداخلية عبر الفرشاة، وكأنه يسكب روحه في كلّ حرف.
لم تكد الخطوط الحمراء تكتمل على الأوراق الصفراء حتى بدأت تتوهج بنور خافت، لون أحمر قاني، كأنها تنبض بالحياة.
في صمت الغرفة، رفرفَت الأوراق بين أصابع الراهب العجوز ثم....
انطلقت فجأة.
ارتفعت في الهواء كأنما تحمل بيد خفية، تدور ببطء في البداية ثم أسرع فأسرع، حتى لم يعد يُرى سوى دوامة ضبابية من الضوء الأحمر.
ثم توقفت فجأة.
علقَت الأوراق في منتصف الهواء للحظة، ثم انقسمت كقطع شطرنج.
اتجهت كل ورقة نحو أحد الحاضرين، تلتصق بجباههم بلطف.
"لا تقاوموها."
همس الراهب الصغير بصوتٍ يبدو بعيداً رغم قربه.
"ما هذا الذي...."
لم يكمل أي منهم كلماته.
شعر الجميع بدفء غريب ينساب من نقطة الالتصاق، ينتشر في أجسادهم كالنار في الهشيم.
الألوان حولهم بدأت تبهت، الحوائط تذوب، الأرض ترتجف تحت أقدامهم..
الهواء نفسه أصبح ثقيلاً، كل نفس يأخذونه يُشعرهم وكأنهم يغرقون في قاع محيط.
في تلك اللحظة:
-يون جونغ حاول أن يصرخ، لكن الماء - أو ما يشبه الماء - دخل إلى رئتيه.
جوغول مد يده ليتمسك بأي شيء، لكن أصابعه لم تجد سوى الفراغ.
و بايك تشيون الذي حاول أن يسبح نحو السطح، لكن...
أي سطح؟ أين هو السطح؟
أين نحن؟
إلى أين نذهب؟
"تذكروا..."
كان صوت الراهب الصغير يأتيهم من بعيد، كصدى في نفق طويل.
"ما ترونه قد يكون الحقيقة... أو قد يكون فخاً."
ثم انقطع كل شيء.
الظلام.
الصمت.
الفراغ.
حتى الهواء توقف عن الحركة في رئاتهم.
حتى الأفكار توقفت عن الجريان.
حتى الزمن نفسه....
توقف.
ثم....
الضوء.
لم يكن انفجاراً، بل أكثر مثل شمعة تُضاء في غرفة مظلمة منذ قرون.
ضوء خافت يكشف أنهم....
لم يعودوا في الغرفة.
لم يعودوا في جبل هوا.
لم يعودوا حتى في عالمهم.
كانوا في مكان لا يعرفونه، في زمن لا يستطيعون تحديده، في ذكريات....
ليست ذكرياتهم.
hind