يا دكتور، زوجي لِسه ما فاقش ليه؟ أرجوك فهّمني. أجابها الطبيب بشفقة وقلب يملؤه الأسى: زوج حضرتك دخل في غيبوبة. أردفت مها بصدمةٍ عميقة وهي ترتقب أن يكون ذلك الأمر مجرد حلمٍ وسراب، قائلة: إيه!، إزّاي وهيفوق منها إمتى؟ أجاب الطبيب بهدوء محاولًا تهدئتها: للأسف محدش عارف هو هيفوق إمتى والظاهر إن.. الغيبوبة طويلة. شعرت "مها" بألمٍ شديد يمزّق قلبها، فكيف يمكن لزوجها أن يتركها وحيدة، حياتها بدونه صعبة..ليست صعبة.. بل مستحيلة! إنّه كالهواء؛ لا حياة لها بدونه. حاصرت انتباهها دخول ابنتها "حور" قائلة بحزن وتساؤل: ماما، هو بابا هيصحى إمتى، أنا عايزة أقعد معاه ونلعب مع بعض. أجابتها الأم بقلب يتألم ووجه يحاول أن يظهرالقوة: بابا تعبان شوية يا حبيبتي ولازم يرتاح. كانت "مها" تتعامل مع ابنتيها بتفرقةٍ قليلًا في بداية الأمر. فكانت تميل إلى حور على حسابِ وعد، معتقدة أن وعد هي السبب وراء الحادِثة، دون أن تكون على علمٍ بالحقيقة. بقِيَت وفيّة ومُخلصة، تزور زوجها يوميًا بلا ملل أو كلل، رغم باء الأمر.. استمرت الأمور على ما هي عليه لفترة طويلة، حتى فقد الأطبّاء الأمل في شفائه. _________________________ بعد مرور بضعة أشهر. : يعني يا دكتور مفيش أي حاجة جديدة؟ أجابها الطبيب بشفقةٍ: للأسف لأ يا مدام مها، زوج حضرتك مفيش أي جديد في حالته، والدكاترة إللي معايا المسؤولين عن حالته فاقدين الأمل في إنه يفوق، بس الله أعلم ممكن يفوق في أي وقت. غرقت مها في بحر اليأس مجددًا، تواجه كل التحديات بدونه، فلا يمكنها إظهار قوتها، بل تبدو ضعيفة وهَشّة، لا تستطيع الصمود أكثر، فقد سُلبت منها روحها. مرت فترة طويلة على هذا الحال المُحزن، حتى بدأت تفقد الأمل في استعادة زوجها! هل سيستمر كل شيء على هذا النحو البائس؟ أم أنه سيحدث تغيير مفاجئ وتعود الأمور إلى مجراها؟ قالت مها بحزنٍ تكافح لإخفائه تحت قناع الجمود: إحنا هنسافر. الفتاتان تبديان عجزهما عن فهم أقوال والدتهما، فكيف يمكن لهما أن يغادرا ووالدهما غائب؟ ولكنهما يدركان أنهن لا يجب أن ينطقن بكلمة واحدة، خوفًا من العقاب. بعد أن تأكدت "مها" أن كل شيء جاهز كانت تتحدث في الهاتف قائلة: لو سمحت احجز 3 تَذاكِر لأمريكا. جاءها الرد من الشخص الذي تتحدث معه: تمام، ميعاد الطيارة هيبقى بعد 48 ساعة. بعد مضي يومين كاملين. حُبها لزوجها يشبه الجذور العميقة في التربة، على الرُغم من قسوة الفراق، تُحاول الابتعاد عنه، ولكنها تدرك أنها مُرغمة على ذلك لتستعيد نفسها. بعد وصولهم لأمريكا. قالت وعد بتساؤل وما زالت شتى التساؤلات تتداول في رأسها كالدوامة بلا إجابة: إحنا هنقعد فين يا ماما؟ أجابتها والدتها بجمود كعادتها: أنا أجّرت بيت صغيّر هِنا. وصل جميعهم إلى المنزل، حيث انغمست مها في تنظيم كل شيء، وابنتاها بدأتا في استكشاف أرجاء المنزل. أثناء ترتيبها للبيت، شاهدت "مها" صورتها مع زوجها "إبراهيم". فاستوقفتها الذكريات، وجلست تتذكر لحظاتهم معًا، كان يعشقها ويحرص على تحقيق أمانيها، بينما هي تتركه وحيدًا. هل هذا كل ما يستحقه منها؟ لم تكن تتخيل يومًا أن الأمر سيأخذ هذا الاتجاه، كانت تشعر باليأس وكأن البُعد يبتلعها، هل كانت تجهل حقًا مدى حبه لها؟ كانت تعرف أنها يجب أن تكون إلى جانبه، ولكنها شعرت بالإعياء، فقدت الأمل في شفائه، ورغم أملها المتبقي، إلا أنها ترى أن العلاج قد يكون بعيد المنال. لم تنسى وجهه الذي يضيء يومها، وكلماته الدافئة كالشمس في يوم شتاء بارد، وشعورها بالحب الذي يملأ قلبها. لم تجد السكينة إلا في وجوده، وجدت الفرح بقُربه، واكتشفت الدفء في حضوره، وعثرت على السعادة في حبه. انقطعت شرودها بصوت ابنتها "حور" الباكية، فتوجهت "مها" نحوها لتجدها ملقاة على الأرض، وسألتها بقلق وهي تُراقبها بعينين مليئتين بالقلق، قائلة : حور!، إيه إللي حصل يا حبيبتي وإيه إللي وقّعك كدا؟ ردت "حور" بدموع مصطنعة: وعد، وعد وقّعتني يا ماما وقالت إنها بتكرهني. أصابت "مها" صدمة عميقة بسبب ما سمعته، كيف يمكن لفتاة صغيرة لم تتجاوز سن العاشرة أن تنطق بتلك العبارات، وتوجهها لأختها! ذهبت "مها" إلى وعد وهي تشتعل غضبًا وتنطق بشدة: أنتِ إزاي تقولي لأختك كدا، ليه توقعيها على الأرض، أنتِ هتفضلي كدا لحد إمتى أنا اتخنقت منك يا وعد! أصبحت وعد في حيرة تامة، تتساءل عن سبب كلمات والدتها تلك، وهي تجهل الموقف، فانهمرت دموعها بكثافة، قائلة من بين شهقاتها: أنا معملتش حاجة والله يا ماما. زادت مها من تصاعد الغضب داخلها، كموجات قوية تتلاطم في بحرها الهادر، وأردفت دون أن تفكر لثانية فيما ستقول: كل ده ومعملتيش حاجة، أنتِ السبب في إن أبوكِ دخل في غيبوبة بسبب خناقِك مع اختك في العربية، أنتِ السبب في كل حاجة وحشة حصلت وبتحصل في حياتنا يا وعد. مها وجدت نفسها تتحدث مع وعد بكلماتٍ لم تكن تتوقع أن تنطق بها، ولكنها شعرت بحاجة ملحة لتحرير غضبها الذي كان يتدفق كالنهر الجاري بداخلها. قالت وعد بأسىً عميقٍ ودموعٍ تغمر عينيها: بس أنا معملتش حاجة يا ماما، و وقت الحادثة أنا معملتش حاجة، حور هي إللي زعقتلي وقالت إنها بتكرهني، والله أنا معملتش حاجة. تدخّلت حور في الحديث قائلة: لا أنتِ السبب، أنا معملتش حاجة. لم تعد مها تستطيع التمييز بين الصدق والكذب، وتراكمت الأفكار في عقلها حتى قالت بصوتٍ مُرتفع يملؤه الغضب: اسكتوا بقى، مش عايزة أسمع صوت حد فيكم، وأنتِ يا وعد، كفاية إللي بتعمليه لحد هِنا، علشان أنا تعبت منّك! على الرُغم من صِغَر سِن وعد إلا أنها تأثرت بكلام والدتها، كيف يمكن لأم أن تنطق بهذا القدر من الكراهية تجاه ابنتها؟ ولكن...لماذا؟ هل كان هذا بسبب يوم الحادثة؟ أم كانت الكراهية تعود منذ مجيء وعد في الحياة؟ حياة تجاوزت الصعوبة، كيف يمكن لفتاة صغيرة أن تحمل كل هذا؟ ظلت "وعد" ووالدتها على هذا ا
Menna hany