الشمس والقمر، كالروح والجسد، كالنغمة واللحن، مختلفان ولكن يتحدان في تناغمٍ ساحر، يتبادلان الحضور والغياب ليرويا قصة حُبٍّ أبدية، كذلك أنا وأنتِ. منة الله هاني. _________________________________________ ابتعد قاسم عن مجلسه وكان سيتحرك إلى غرفةٍ ما، لكنه توقف حين سَمِع إبراهيم يقول: بس على فكرة أنا لسه مش مصدّق إنك أخويا هـا. نظر إليه قاسم بسخطٍ، وهو يشعر أنه سيفقد عقله، وقبل أن يتحدث، وصل إلى مسامعه صوت طَرقٍ على بابِ المنزل بشدّة. ذهب قاسم نحو الباب وقام بفتحه، وصُدِمَ مما رآه، قائلًا: مها! أجابته "مها" بجمودٍ وغضب: اه مها، مها اللي أنتَ ضحكت عليها ومفهّمها إنك برّا مصر، أكيد إبراهيم هِنا. دلَفت للمنزل وكانت ستتحرك لكن أوقفها قاسم بقوْله: إبراهيم مش هِنا يا مها. ضحكت الأخرى بسخريةٍ وأردفت: فاكرني هصدقّك؟ في ذلك الوقت كان إبراهيم يستمع إلى حديثهم وكان سيخرج، لكنه فهِم من حديث قاسم أنه يجب ألّا يظهرَ لها فظلّ في الغرفةِ. وصل إلى مسامعه صوت قاسم الذي قال: أنا كمان بدوّر عليه ومش لاقيه، يمكن.. مات. في ذلك الوقت قال إبراهيم إلى نفسهِ بخفوتٍ: بعد الشر عليَّ يـا عم. استأنف قاسم حديثه قائلًا: يلّا إمشي يا مها أنا عندي شغل. نظرت إليه مها وهي تستشيطُ غضبًا، وقبل أن ترحل قالت بتحذير: أنا همشي، بس لو عرفت إنه عندك يا قاسم مش هرحمَك! أنهت حديثها وغادرت، حينها تنفّس قاسم بهدوءٍ وأغلق الباب. ظلّ إبراهيم وقاسم يتحدثان لوقتٍ طويل حتى قال إبراهيم: قاسم.. أنا عايز أشوف بناتي. _________________________________________ نغم، ممكن أسألك سؤال؟ تفوّهت وعد بتلك الكلمات فأجابتها نغم: طبعًا يا وَعّودة. ضحِكت وعد على ما نادتها به نغم وقالت متسائلة: فين مامتك وباباكِ، من أول ما جيت ومش بشوفهم وكمان أنتِ متكلمتيش عنهم أبدًا قبل كدا. شَعرت نغم بالحُزنِ عندما تذكّرت ما كانت تُعاني منه والدتها من قبلِ، وأردفت بحزنٍ تحاول ألّا تُظهره: ماما في غيبوبة بسبب بابا ومن ساعتها وهو مُختفي. تنهدت بحزنٍ وأكملت وهي على وَشكِ البُكاء: ماما كانت بتحاول إنها تحافظ على علاقتهم بس.. بابا لأ، كانوا متخانقين وماما حاولت تصالحه بس.. اكتشفت هو اتجوز صاحبتها. ماما اخدتنا وعيشنا عند أهلها لحد ما في يوم ماما مصحيِتش ولما ودّيناها المستشفى، اكتشفنا إنها في غيبوبة، ولحد دلوقتي مافاقتش منها. ماما هِنا يا وعد.. بس في أوضة ممنوع حد يدخلها غير الممرضة اللي بتيجي تطّمن على حالتها وأنا وعُدي. اغرورقت عيناها بالدموعِ فعانقتها وعد بحزنٍ على حالتها. بعد مرورِ القليلِ من الوقتِ. كانت وعد جالسةً على الأريكة مع نغم يتحدثان معًا عن الماضي الخاص بكلتاهما. أثناء حديثهما دقّ باب المنزلِ بشدّة فظنّت نغم أنه عُدي وذهبت لتفتحه. صُدمت عندما رأت "مها" والدة التي دلفت للمنزل بسرعة وجذبت وعد مش خصلاتها بقوةٍ، قائلة بغضبٍ: أنتِ فاكراني مش هعرف مكانك يعني؟ أنهت حديثها وظلّت تَضرِب ابنتها وعد بشدّة حتى سَال الدم من أنفها وفَمها، حاوَلت نغم أن تُبعدها لكن دون جدوى. ذهبت نغم مُسرعة إلى شقّة يزن حتى تُعلِم عُدي بما يحدث. دقّت باب المنزل بسرعة حتى قام يزن بفتحِ الباب. صُدم عندما رآها بدون نِقابها التي كانت دائمًا ترتديه فحاول أن يغُضّ بصره عنها وسألها بقلقٍ، واضعًا عيناهُ باتجاه الأرض: مالِك يا نغم، فيه حاجة؟ أردفت نغم ببُكاءٍ؛ لخوفِها على وعد: فين عُدي، أم وعد تحت وهتموتها يا يزن! ذهب يزن مُسرعًا لغرفة عُدي يوقظه من نومه فاستيقظ وعندما عَلِم بما يحدث ذهب وحاول أن يُبعد مها التي كانت تضرِب وعد بكُل كُرهٍ. كيف يُمكنُ لأُمٍ أن تفعل ذلك بابنتها!، من أين لها بتلك القَسوة! سيبيها!، أنتِ إيه يا شيخة.. في أم تعمل كدا في بنتها! تفوّه عُدي بتلك الكلمات عندما استطاع هو ويزن أن يُبعدا "مها" عن "وعد" فقالت مها وهي تستشيطُ غضبًا: هو أنتِ فاكرة إن حد هيحبك يا وعد؟ مستحيل يا وعد.. أنتِ متستاهليش الحُب أنا بكرهك يا وعد، بكرهك! أنهت حديثها وغادرت المكان بأكمله، ابتعدت وتركت ابنتها تائهة. تائهة بلا ملجأ، تشعر وكأنها تسمع صوتَ قلبها وهو يُكسر للمرة التي لا تعلم عددها. _________________________________________ مالِك يا سلمى، بقالك فترة متغيّرة إيه اللي مزعّلك يا حبيبتي؟ ذلك ما تفوّهت به سيّدة جميلة.. لا يبدو على ملامحها الكِبَر، هادئة الملامِح وخفيفة الظِل. أردفت ابنتها سلمى بتعبٍ وارهاق تُخفيه تحت قِناع ابتسامتها الهادئة: مَفيش يا ست الحبايب، تعبت من الشغل بس. أردفت والدتها "هبة" بحُبٍّ وابتسامتها تُزيّن ثغرها: طيب قومي يلّا ساعديني علشان هنعمل محشي ورق العنب اللي بتحبيه. كانت "سلمى" ستتحدث لكن قاطعتها أختها "فرقان" بحديثها حين دلفت للغرفة وقالت وهي تتصنّع الحُزن: خيـانة!.. بقى كدا، يعني بتعملي الأكل إللي سلمى بتحبُه ونسيتيني يا. أردفت والدتها "هِبة" وهي تضحكُ على حديث ابنتها: مقدرش انساكِ يا فيرو، عملتلِك مكرونة بالبشاميل اللي أنتِ بتحبيها. عانقها الفتاتان بحُبٍ فأتى والدهما "عبد الله" من عملهِ وقاطع تلك اللحظات اللّطيفة بقوْله: خيـانة، و.. كان سيُكمل حديثه لكن قاطعته "هبة" قائلة: كفايـة بقـى! _________________________________________ تَرك عُديّ المنزل وذهب للتمشيَةِ قليلًا، وقفَ أمام مكانٍ يحتوي على العديدِ من الأشجار والزهور، مكان من مُجردِ رؤيته يُشعركَ بالرّاحة! تذكّر ما حدث منذ قَليل وشَعر للمرّة الثانية أنه رأى "وعد" من قبل لكنه لم يصدّق ذلك الشعور حتى رأي والدتها "مها". يشعر أنها ليست غريبة عنه. منذ رؤيته لـ "وعد" من الوهلةِ الأولى راودهُ شعور غريب، لم يشعر به من قبل. عِدّة مشاعر مختلطة، شعورٌ بالحُزن والأسى على حالتها، وشعورٌ آخر بالخوفِ عليها. لكن.. لماذا هي؟، بحُكمِ عمله كضابط شرطة فهو مرّ بالعديدِ والعديدِ من المُشكلات والقضايا الأكبر مما تمُر به وعد، لماذا شَعر بأنه يودُّ أن يساعدها؟ ظلّ واقفًا أمام ذلك المكان المُشابه للحديقة، يستعيدُ ذكرياته البائسة والمُحزنة. Flash back. تذكّر عندما كان يَدرس في جامعته وأُعجبَ بفتاةٍ كان يراها كُل يومٍ بالقرب من الجامعةِ التي يدرس بِها. كان لديه صديقٌ مقرّب له بشدة، كانا معًا دائمًا ولا يبعدهما غير النوم، حتى أنهما كانا في سكنٍ واحدٍ أثناء دراستهما لإن الجامعة كانت بعيدةً عن منزل كلًّا منهما. وفي يومٍ شعرَ عُدي أنه حان الوقت لإفصاحه عن مشاعره لها. مش قادر اسكُت أكتر من كدا يا فارس، عايز اعترفلها بـ حُبي بس خايف.. خايف تكون مابتحبنيش. تفوّه عُديّ بتلك الكلمات الممزوجة ببعضِ الحُزن والخوف فأردف صديقه "فارس": يا عَم متخافش، بس من رأيي إنك تستنى شوية علشان تتأكد من مشاعرك وبالمرّة تعرف هي بتحبّك ولا لأ، بعدين رهف دي مش مطّمن لها علشان كدا بقولك اتأكد الأول. كان عُدي يثق في صديقه فارس، كما يُقال.. ثقة عمياء كان يعلم أن فارس دائمًا على حق، فكان قبل أن يفعل أي شيء يَعلم آراءه وفي يومٍ.. كان عُدي جالسًا في الجامعة يُفكر في تلك الفتاة التي سحرت قلبه وعقله! قاطع شروده صوت صديقه "فارس" عندما قال بسعادة: مش تبارِكلي يا عُدي. أردف "عُدي" بإبتسامة كبيرة لرؤيته لـ"فارس" سعيدًا لتلك الدرجة: ألف مبروك يا حَبيب أخوك، هـا على إيه بقى. أجابه فارس وابتسامةً تعلو وجهه: خطوبتي أنا ورهف يوم الخميس الجاي. نظر لهُ عُديّ وهو يظُن أنه يكذب ويُمازحه لكنه صُدِم عندما رأى رهف آتية لمكان جلوسهم، اقتربت من فارس وتُريهِ بعض الصور لعدّة فساتين وقالت: هـا يا حبيبي، أختار أنهي لون لفستان الخطوبة؟ في تلك الأثناء لم يستطِع عُدي أن يتفوّه بحرفٍ واحد. كُلّ الكلماتِ لن تستطِع أن تصِف شعوره في تلك اللحظة. استقامَ وقبل أن يبتعد قال بحزنٍ أخفاه خلف قِناع الابتسامة: مبروك يا صاحبي.. Back.. عادَ عُدي لواقعه الأليم، شَعر بدمعةٍ فرّت من عينه فمسحَها بكفّه وتنهّد بحزنٍ نابعٍ من قلبه. ما أصعب الخذلان، خاصةً أن يكون من المُقرّبين إليك. صعد لسيّارته وعادَ للمنزل. عندما وصَل إلى المبنى، صعَد الدرج ودقّ باب الشقّة الخاصّة بـ "يزن" ولم يجد ردًا. قام بفتح البابِ بالمفاتيحِ الخاصةِ به، التي أعطاها إليه يزن من قبل، ودلف للداخل، وجدَ يزن جالسًا في إحدى الغُرف ودقّ عُدي باب الغرفة بخفّة؛ لظنّه بأنّ يزن نائم. وبالفعل عندما فتح الباب وجده نائمًا فخرج من الغرفة وذهب ليستريح في غرفته. جلس للقليلِ من الوقت يتصفّح في هاتفه حتى سمِع نداء المؤذن للصلاة فذهب ليوقظ يزن وذهبا للمسجد معًا لأداء الصلاة. عندما عادا من المسجد شَعرَ يزن بأن شيئًا ما يُحزن عُدي فذهب لغرفته وقبل أن يدقّ باب الغرفة سمِعه يقرأ القُرآن فعاد لغرفته وتركه يُكمل. كان عُدي جالسًا على فِراشهِ يقرأ القُرآن وجذبته آية وهو يقرأ: "فَقُلتُ استَغفِروا رَبَّكُم إِنَّهُ كانَ غَفّارًا" ظلّ ينظر لتلك الآية ويتدبّرها، تذكّر ذنوبه، تذكّر تكاسله عن الصلاة، تذّكر أنه لوْلَا فضلُ الله عليه لَكان في عِلاقة لا تُرضي الله ونهايتها لن تُرضيه هُو! سُبحان الله.. الله يشعُر بِنا ويعلم ما نمُر به ويُشفي جروحنا بآياتٍ لو قرأها وتدبّرها كلّ إنسانٍ لن يحزن أبدًا..وسيرضى بما قسمَه الله لَه. انتهى عُديّ من قراءة القرآن وذهب ليجلس مع يزن ظلّا يتحدثان معًا ويضحكانِ حتى قال يزن بقلقٍ وتلعثم: عُديّ، أنا.. بحب نغم وبِما إنك أخوها وكدا يعني.. فـ أنا بطلب إيد نغم منّك يا صديقي العزيز. ________________________________________ منة الله هاني: وَتين
Menna hany