أنا خايفة أوي يا نغم، خايفة مَتقبلش في كليّة الطب، دي حِلمي اللي بتمنّاه من زمان. تفوّهت "وعد" بذلكَ الحديث، وهي تشعر بالقلقِ، فأردفت "نغم" وهي تُحاولُ أن تُطمئنها: متخافيش يا وعد، أنتِ تعبتِ وتعبِك مش هيضيع أبدًا، دا نصيب لو هيّ خير ليكِ فـ أكيد ربنا هيوفقك. أنهت حديثها، واقتربت من "وعد" وعانقتها بشدّة حتى شعرت وعد بالاطمئنانِ. بعد مرور القليل من الوقت جلست وعد على الأريكة، ونظرت إلى "نغم" وكأنّها تودّ التحدّث عن شيءٍ ما. فقالت "نغم" بتساؤلٍ واهتمام: عايزة تقولي إيه يا وعد؟ أجابتها وعد بقلقٍ وتلعثم: هـا، بصراحة أنا.. عايزة أشوف ماما يا نغم، خايفة من إنها تزعل مِني. صمتت قليلًا واكملَت بحزنٍ: وكمان.. وَحَشِتني. اقتربت نغم منها وعانقتها بحبٍ ويزداد بداخلها الشعور بالحزن على حالة صديقتها، فقالت بعدما هدأت وعد من البكاء: بس أنا خايفة عليكِ يا وعد، ممكن تزعّلك تاني بس.. لو هترتاحي لما تشوفيها فـ أنا موافقة. نظرت لها وعد بامتنانٍ وشكرتها وذهبت لتُبدّل ملابسها. انتهت وعد وودّعت نغم وخرجَت من المنزل. _________________________________________ في منزلِ مَها. هـا يا حور أنتِ كل دا لسّه مختارتيش الجامعة إللي هتدخليها؟ أجابتها حور بلا اكتراث: معرفش يا ماما.. شوفي أنتِ أي جامعة وخلاص. تغمر مها غضبًا بسبب تدليلها المفرط لابنتها، لكن.. انتابتها مشاعر الحزن فجأةً عندما تذكرت ابنتها الأُخرى "وعد"، تتذكر كل فعلٍ قاسٍ قامت به تجاهها تغمرها مشاعر الأسى والحزن بسبب أفعالها. قامت بالنهوض من مقعدها وسارت بخطواتٍ هادئة نحو غرفة ما، دلفت للغرفة وبدأت في النظر إلى اللوحات المُعلّقة بها. كانت اللوحات تنبض بذكرياتها الجميلة كأنها قصة حب مكتوبة بألوانها الزاهية، تذكرت كيف كان زوجها يبدع في رسمها، وكيف كان يعلم ابنتيهما فن الرسم، لكن حور لم تكن تحبّه، فكانت تهوى رقص البالِيه.. كانت تتمنى منذ نعومةِ أظافرها أن تقف على خشبةِ المسرح وتؤدّي عرضًا بفستانها الورديّ الذي لطالما أحبَّته، لكنها لم تسعَ لذلك، ظلّت تتكاسل كثيرًا حتى نَست حُلمها! بعد مرور القليلِ من الوَقت. سمِعَت "مها" صوت دقّاتٍ هادئة على بابِ المنزل. سارَت بخطواتٍ منمقة نحو الباب وقامَت بفتحه فتفاجَأت وقالت بصدمةٍ وذهول: وَعد! شعرت وعد بالخوفِ قليلًا؛ لكنّها جمّعت شجاعتها واقتربت من مَها واحتضنتها! وبعد مرور بضعةِ ثوانٍ وجدت وعد من يُبعدها عن احضان والدتها، أمسكَت بها حور وحاولت بشتّى الطرق أن تبعدهما حتى نجحت في ذلك. شعرت حور بالغيرةِ وازدادت الكراهية داخلها فقالت بغضبٍ وهي تُحاول أن تُزيد مشاعر الغضب والكراهية بداخل مها: أنتِ إيه إللي جابِك تاني، مش اختارتِ صاحبِتك وسيبتِ أُمِّك. كان غصب عني، وكمان لو كنت فضلت هنا.. أكيد مش هتحبّي وُجودي يا حور. اقتربت وعد من والدتها مها وأكملت بحزنٍ: سامحيني يا ماما، أنا آسفة. تدخّلت حور مرة أخرى وقالت: آسفة بعد إيه، مش كفاية إنك السبب في موت أبوكِ! نطقت بتلكَ الكلمات التي كانت كالسِهامِ، تخترق قلب "وعد". بعد أن كانت مها تشعر بالحزن تجاه وعد، أزدادت بداخلها مشاعر الكراهيةِ فقالت بغضبٍ: اطلعي برّا يا وعد، ومش عايزة أشوفِك هِنا تاني. تَركتها وابتعدت عن مكانِ وقوفها، فاقتربت "حور" من "وعد" وجذبتها من ذراعها بشدة وتحرّكت باتّجاهِ الباب، حتى أصبحت وعد أمام البابِ مباشرة فأمسكت حور بالباب وقبل أن تقوم باغلاقه قالت بسخريةٍ: أنتِ فاكرة إن حد هيحبّك؟ صمَتت قليلًا وأكملت بابتسامةٍ ساخرة: مستحيل يا وعد. أنهت حديثها واغلقت البابَ بشدّة. نظرت للباب بحزنٍ وتعمّقت في ماضيها المؤلِم، ابتعدت عن المنزل وظلّت تمشي وهي لا تعلم إلى أين تذهب لكن كُل ما تعلمه أنها تريد أن تبكي بشدّة. وأثناء تحرّكها وجدت رجُلًا يُناديها من بعيد، فاقت من شرودها ووجدت سيّارةً ستصدمها لكنها ابتعدت بسرعةٍ. ذهب لها ذلك الرّجل وسألها بخوفٍ: أنتِ كويّسة يا بنتي؟ أجابته وعد ولازالت ترتجف من الخوف: هـا.. اه أنا كويسة، الحمد لله. إبراهيم، أنتَ.. أنتَ كويس؟، أنا كُنت بدوّر عليك من زمان. تفوّه قاسم بذلك الحديث بقلقٍ فطمأنه إبراهيم. جلست وعد على مقعدٍ بالقرب منهما فنظر إليها قاسم وشَعرَ بأنّه يعرِفُها وأنها ليست مُجرّد فتاة غريبة. _________________________________________ في قِسم الشُرطة. في مكتبِ عُديّ، يجلس عُديّ على مقعده الخاص في مكتبه مُمسكًا بعدّةِ ورقاتٍ، يقرأ المُدوَّن بها بتمعُّنٍ واهتمام. فقد تركيزه حين سمع صوت الباب وهو يُفتح فجأة وبسُرعةٍ كالعاصفة، دلفَ "يزن" وجلسَ على مقعدٍ بالقربِ من مقعدِ عُديّ، ظلّ هادئًا كالسكون دون أن ينطق ببنت شفة، على خلاف عادته. عندما وجده "عُدَيّ" متفاجئًا وعبير الدهشة يعلو وجهه، فَوَجّه إليه سؤالًا مليئًا بالفضولِ والاهتمام: مالَك يا يزن؟، إيه إللي حصل؟ أجابه يزن ولازالت تعبيرات الدهشة تعلو وجهه: مارتن، القاتِل اللي كُنا بندَوّر عليه. صمتَ قليلًا ثم واصل بصدمةٍ: اتقَتل، لقينا جثّته. صُدِم عُديّ وازدادت أفكاره تداخلًا في رأسه، فقال بتفكير: إيه.. إزّاي، دا إحنا كُنّا قرّبنا نوصل لمكانُه! أردف يزن بحزنٍ: مش عارف يا عُديّ، حتى مفيش أي حاجة تعرّفنا اسم القاتِل، كدا مُهمّتنا أصعب من الأول. ساد الصمت في المكتبِ حتى قال عُديّ وهو غارقٌ في أفكاره: مهما كانت المُهمّة.. فـ إحنا هنقدر عليها. ظلّ يفكّر في القاتلِ المجهول وقال بتساؤلٍ: يزن، عايز عنوان المكان إللي أنتَ لقيت فيه جثّة مارتن. _________________________________________ جلست "مها" على الأريكة وشعرت بتأنيبِ الضّمير تجاه وعد، فبدّلت ملابسها واتبعت قلبها لتذهب وتعتذر لها. وقبل أن تخرُج من المنزل أوقفتها حور قائلة: ماما، أنتِ رايحة فين؟ لم تُجِبها مها وأكملت السَير وهي تبحث بعينيها عن وعد، ظلّت تمشي كثيرًا حتى رأتها جالسةً على أحد المقاعِد. ذهبت إليها ووجدتها تُخفي وجهها الباكي بيديها الصغيرتين كما كانت تفعل في صِغرها، ربتت مها على كتفها بحنانٍ فرفعت وعد وجهها وصُدِمَت عندما رأتها. جلست مها بجانبها واحتضنتها بشدّة، فَلَم تستطع وعد الصمود، ظلّت تبكي بحزنٍ نابع من قلبها، دموعها كالمطر في الليالي الرَعدية. هدأَت قليلًا وابتعدت عن مها وقالت بحزنٍ: أنا آسفة يا ماما، و.. كانت ستُكمل لكن قاطعتها مها بقوْلها وهي تمسح دموع وعد المنهمرة على وجنتيها: أنا اللي آسفة يا وعد، سامحيني يا بنتي. سمِعتَ مها صوتًا تعرفه جيدًا، صوت شخص تبحث عنه منذ زمنٍ طويل. : اتفضّلي يا بنتي. تفوّه إبراهيم بتلك الكلماتِ وهو مُمسكٌ بقارورةِ الماء. فأخذتها وعد وشكرته وذلك تحت أنظار مها التي صُدمت للتو، فقالت بصدمةٍ وذهول: إبراهيم! _________________________________________ منة الله هاني: وَتين..♡
Menna hany