هدوء ما قبل العاصفة

هدوء ما قبل العاصفة

25 0

الفصل السادس : هدوء ما قبل العاصفة

"لا تخافوا علي، اقلقوا على الشخص الذي سيواجه أجله بمواجهتي ."

لم يكن يعلم بنتيجة أفعاله ، اعتقد أنها طُعم سهل لإلقائه تصرّفه وتفكيره كان دون حسبان العواقب

اردف بصوت أجش يقطر قسوة، تحمل كم ثقلت عليه المطاردة، يرمقها بنظرة ثاقبة، وكأنه يقرأ نهايتها بالملامح :

"جيّد، أخيرًا استطعنا إلقاء القبض عليها ."

اردفت بنبرة مرتفعة، يغلفها كبرياء جريح، صوتها كان ثابتًا، لم تهزه أي قيود، ولا نظرات من أمامها، كان يحمل رنين فولاذ يقسم بالانتقام :

" هذا اللقاء سيكلفك الكثير، وربما ستندم ."

يسأل، وكأنه يستمع لفتاة صغيرة تحاول أن تجعل قلبه يرتعش، مع ابتسامة باردة :"مثل ماذا؟"

مسكت السكين وطعنته بهدوء، قاتل دون أن ترمش حتى، خرجت الكلمات منها كطلقة رصاص أصابت كبريائه :"روحك."

في هذه الأثناء ارتفعت الأسلحة عليها، ورغم الألم الذي يشعر به، إلا أنه طلب منهم عدم فعل هذا

يضغط جاسر بيده المرتجفة على جرحه وينظر بذهول الى الدماء الدافئة التي بدات تغطي كفه وتتسرب بين اصابعه يصوب نظره نحوها ، ثم يطلق ضحكة قصيرة ، جافة مؤلمة كأنها تنعي خطته التي فشلت، قبل ان يردف بصوت يخرج من بين انفاسه المتقاطعه :

"تعلمين عواقب فعلتك، أليس كذلك؟"

تقف اليف امام عواصفه بهدوء يرعب نبرة صوتها مستقره لا تهتز عيناها مصوبان نحوه لا ترمشان ، وكأنها هي من تملك زمام الامور جسدها ثابت لا تراجع فيه لا خوف تردف ببرود تام لا مبالاة وكأنها لا تتحدث عن مصيرها بل عن حالة طقس عابرة :

"ربما السجن أو الموت.."

تصمت قليلاً تاركةً الكلمات ان تحفر مجراها في عقل جاسر ثم تكمل بصوتها الرخيم الذي لم يعرف الارتعاش يوماً :

" لكن.. لا يهمني ."

تقترب منه خطوه تكسر فيها حواجز الخوف وتهمس له بصوت حاد كشفرة تجرح كل صمته :

" لا أحد يستطيع إيذاء أحبّائي ."

تعدل وقفتها، ثم تنظر لعينه مباشرة، دون أن يرف لها أي جفن، وترتسم على شفتيها ابتسامة باهتة لا تصل لعينيها، تردف بنبرة مستفزة :

"ماذا اعتقدتَ بفعلك هذا؟ أنني سأتوسل لكَ لكي تتركها؟"

تأخذ نفساً هادئاً، وتكمل ببرود قد يجمد الدماء في عروقه:

"مع الأسف، عرفتني بشكل خاطئ، إذا كنت لا تريد معاقبتي، فأفضل أن أذهب."

يشتعل الحقد في عيني جاسر، ثم يشد على جرحه ويهمس بانين مكتوم:

"ستدفعين ثمن هذا غاليًا، لكن اذهبي الآن، وكوني مستعدّة، فلن أتركك تنجين هكذا، ضعي هذا في عقلك."

تستدير اليف لكي ترحل، لكنها تتوقف فجأة، وتلتفت إليه برأسها فقط ، تنظر إلى جراحه التي تزيد نزيفاً حاداً، ثم تقول ببرود مرعب :

"أولًا، عليك الذهاب للمشفى."

.......

في داخله يشعر بفرحة لأن خطته نجحت، لكن من ناحية أخرى خائف عليها

​يدخلُ آسر الغرفة، يرى أركان غارقاً في أفكاره، يقفُ بجانبه، ينظرُ إليه ويضعُ يده على كتفه برفق، ثم يقولُ بنبرةٍ هادئة:

​"أخي، هل تريدُ شيئاً ما؟"

رفعُ أركان رأسَهُ ببطء، يثبّتُ نظراتِهِ الحادةَ في عينيّ آسر، ثم يقولُ بنبرةٍ رخيمةٍ، لكنها مثقلةٌ بالجدية:

​"هل علمتم شيئاً عن التهمةِ الملفقة؟"

​ينزلُ آسر يدَهُ عن كتفِ أركان، يأخذُ نفساً عميقاً وهو يُجيلُ نظرَهُ مفكراً، ثم يردفُ بنبرةٍ تملؤُها الشكُّ والهدوء :

​"بعضُ الأشياء، لكن يوجدُ شيءٌ غريبٌ بالأمر خروجُ الشخصِ المتهمِ ببراءةٍ ودخولُه، أشكُّ أنَّ الشخصَ الذي اتهمَهُ هو وراءَ الأمر. أعتقدُ أنهُ يوجدُ شخصٌ أكبرُ من المتهمينَ نفسِهم.. لكن مَنْ؟"

​يضيقُ أركانُ عينيهِ، وتتحولُ نظرتُهُ إلى بركانٍ هامِدٍ يوشكُ على الانفجارِ، يتمتمُ بصوتٍ منخفضٍ وكأنَّهُ يحادثُ نفسَهُ:

​" غريبٌ.. كيفَ لرجلٍ يتمُّ اتهامُهُ أنْ يخرجَ بهذِهِ البساطةِ؟ الأمرُ ليسَ بيدِ المتهمينَ أنفسِهمْ.. هناكَ يدٌ خفيةٌ، شخصٌ مساعدٌ.. أوْ ربما.. شخصٌ لهُ علاقةٌ بأليف.. مهووسٌ بها؟"

​يُجيلُ أركانُ نظرَهُ، يشبكُ أصابعَ يديهِ فوقَ المكتبِ ببرودٍ، ثمَّ يقولُ بنبرةٍ رخيمةٍ يغلفُها منطقٌ صارمٌ:

​" أنا أعتقدُ أنَّهُ سيكونُ منَ السخيفِ كونهُ هذا منْ سيكونُ عدوّاً لهذِهِ الفتاةِ.. وأيضاً كوني لمْ أكنْ بعالمِها وقتَها، هذا لا يتعلّقُ بي.. غيرُ هذا، مَنْ سينقذُ عمَّها إما أنْ يكونَ شخصاً يعرفُها، أوْ مهووساً ما.. وهذا مستبعدٌ، لكنْ.. إنْ كانَ كذلكَ، فجهِّزْ جنازتَهُ فوراً."

يصمتُ آسرُ لثانيةٍ، يراقبُ ملامحَ أخيهِ المشدودةَ، وقبضةَ يدهِ القويةَ على المكتبِ، ثمَّ يبدأُ بتحريكِ أنفهِ كأنَّهُ يشمُّ رائحةً غريبةً في الغرفةِ، يبتعدُ قليلاً وهوَ يضيقُ عينيهِ بخبثٍ، ثمَّ يردفُ بنبرةٍ ماكرةٍ ساخرةٍ:

​" أشعرُ أنَّ هناكَ شيئاً يحترقُ.. رائحةُ اشتعالٍ.. يا تُرى ماذا؟"

يرنو أركانُ نحو آسرَ بنظرةٍ هادئةٍ، تمتلئُ بالتقديرِ والثقةِ، ثم يقولُ بصوتٍ رخيمٍ، يحملُ وراءَهُ ثقلاً وصدقاً : ​" لكنْ.. ابحثْ أكثرَ عن هذا الأمرِ، هل فهمتَ؟ والذي يشتعلُ هوَ فضولُكَ الكثيرُ.. كمْ أنكَ حقاً يجبُ عليكَ تغييرَ عادتِكَ هذهِ.. سخيفٌ!"

يتوقفُ قليلاً ثمَّ يعودُ لجدّيَّتِهِ.. يقتربُ آسرُ خطوةً، يميلُ رأسَهُ قليلاً، يلمحُ الإرهاقَ في عينيّ أركانَ، ثمَّ يهمسُ بنبرةٍ دافئةٍ تحملُ القلقَ : ​" أخي.. أشعرُ أنَّكَ متعبٌ قليلاً.. بماذا تفكّرُ؟"

يسندُ أركان ظهرهُ إلى الوراء ببطء، يشبكُ يديهِ خلفَ رأسِهِ، ينظرُ للسقفِ بشرودٍ، ثم يتمتمُ بنبرةٍ غامضةٍ، تمتزجُ بها لذةُ الانتصارِ بالحذر:

​"عليَّ الفرحُ لأنَّ الخطةَ نجحتْ، لكن خائفٌ أكثر لأني أعتقدُ أنهُ سيستخدمُها ضدي، هو يعلمُ كيف يقلبُ أوراقَ الربحِ لمصلحتِه، لنْ أسمحَ لهُ بالفوز."

.......

عادت إلى البيت مسرعة، حينما رأتها هكذا

تندفعُ نور نحو أختها بتلهف، تمسكُ كفيها بقلقٍ واضح، تتفحصُ وجهها بعينيها الزائغتين، ثم تسألُ بنبرةٍ متقطعةٍ يملؤُها الخوف:

​"أليف.. هل حصلَ لكِ شيء؟"

ترتسمُ على ثغرِها ابتسامةٌ باهتةٌ، تحاولُ أليف أنْ تُخفيَ انكسارَها، تشدُّ على يدِ نور برفقٍ، وتجيبُ بنبرةٍ خافتةٍ، تسعى أنْ تكونَ أختُها مطمئنة:

"لا، أنا بخير."

تتنهدُ نور بصوتٍ مسموعٍ، وكأنَّ جبلاً انزاحَ من على صدرِها، تُرخي قبضتَها عن يدِ أختِها، ثم تقولُ بنبرةٍ مرتعشةٍ، ممزوجةٍ بعتابٍ مغلفٍ بالدموع :

​"قلقتُ.. من أن يكونوا فعلوا لكِ شيئاً."

​ترفعُ أليف رأسَها بكبرياءٍ مفاجئٍ لأختِها، تمسحُ بطرفِ أناملِها دمعةً فرّت من أعينِ نور، ثم تطلقُ ضحكةً خافتةً تمتزجُ بالثقةِ، وتجيبُها بنبرةٍ جريئة:

​"لا تقلقي عليّ يجبُ عليكِ السؤال: ماذا فعلتُ أنا لهم؟"

تتراجعُ نور خطوةً للوراء من ذهولِها، تفتحُ عينيها على وسعِهما وهي تحدقُ في وجهِ أختِها غيرَ مصدقةٍ، ثم تسألُ بنبرةٍ مرتعشةٍ، مغلفةٍ بالفزع :

​"ماذا تقصدين؟.. لم تفعلي الشيءَ الذي بعقلي، أليسَ كذلك؟"

​تكتفُ أليف يديها ببرودٍ تام، ترفعُ حاجبَها بتحدٍّ، ثم تجيبُ بصوتٍ هادئٍ ومستقر، لا يحملُ أيَّ ذرةِ ندم :

​"فعلتُه يجبُ أن يعرفوا عواقبَ فعلتِهم، تركوني.. لكني أُخمّنُ سببَ هذا قليلاً."

تنظرُ نور إلى كفّي أختِها بذهولٍ تام، تهزُّ رأسَها يميناً ويساراً بإنكار، ثم تقولُ بصوتٍ مخنوقٍ، يمتلئُ بالعتابِ والمرارة:

​"ماذا تشعرينَ الآن؟ هل كانَ عليكِ أنْ تكوني قاتلة؟ لم يكن المفروض أنْ تسيري بهذا الطريق."

تقتربُ أليف من أختِها بهدوءٍ مخيف، تصوبُ نظراتِها الحادةَ إلى عينيّ نور، ثم تقولُ بنبرةٍ صلبةٍ ومستقرة، تجردُ فيها الحقيقةَ بأكملِها من كلِّ تجميل:

​"اطمئني.. لم يمت، لم أصبح.. غير هذا، أنا لستُ ناصعةَ البياض، ففي داخلِ كلِّ شخصٍ سوءٌ وخيرٌ أيضاً، لا تنسي هذا أبداً، وأيضاً لم أندم على هذا أبداً، أعتقدُ أني فعلتُ الشيءَ الصحيح بدافعِ خوفي عليكِ"

لم تطعنه لأنها شريرة...

بل طعنته لأن الحياة وضعتها في زاويةٍ ضيّقة، وأغلقت كل الأبواب أمامها.

لأنها تعلّمت بالطريقة الأصعب أن الثقة قد تكون خنجرًا، وأنّ الطيب لا ينجو دائمًا.

إليف لم تولد قاسية

لكن التجارب صفعتها مرارًا حتى نسيت ملامحها الأولى.

كل خطوةٍ أُجبرت عليها، كل خذلانٍ ابتلعته بصمت،

كل رجاءٍ سقط في العدم،

كان يبني في داخلها شيئًا لا يُرى،

حتى حانت اللحظة، وانفجر كل شيء في طعنةٍ واحدة.

........

كانت الأضواء خافتة، يعالجه بهدوء.

يتقدمُ التابعُ ( رجل جاسر ) بخطواتٍ متعثرةٍ، يبتلعُ ريقه بصعوبةٍ وهو يرى الدماءَ، أو أثرَ الغضبِ على وجهِ سيده، ثم همسَ بصوتٍ خافتٍ، يرتجفُ حذراً:

​"سيدي.. هل كانَ علينا.. الذهابُ للمشفى؟"

​يغمضُ جاسرُ عينيهِ بقوةٍ، تبرزُ عروقُ رقبتِه وهو يشعرُ ببرودةِ الأدواتِ الطبيةِ فوقَ الجرحِ لديه، ثم ينطقُ بصوتٍ حادٍّ، يخرجُ من بينِ أسنانِه المطبقةِ، وهو يوجهُ كلامَهُ للرجلِ الذي يعملُ لديه:

​"هل أنتَ غبي؟.. كنا سنلفتُ النظر، وسيتدخلُ القانون، وأسئلتُهم المعتادة : من فعلَ هذا بك؟"

​يبلعُ الرجلُ ريقَهُ، محاولاً أن يستجمعَ شجاعتَهُ لتقديمِ ما يعتقدُ أنهُ حلٌ ذكيٌ، فيهمسُ بنبرةٍ تملؤها حذرٌ، ممزوجٌ ببلاهة:

​"حسنًا يا سيدي.. ولكن، يمكنكَ أن تشتكيَ على الفتاةِ، وهكذا.. وهكذا تعاقبُها."

يصوبُ جاسرُ عينيهِ إليهِ، لو كانت رصاصةً لأردت بهِ قتيلاً، يتحدثُ بنبرةٍ تقطرُ سخريةً لاذعةً، قبل أن يلتفتَ للطبيبِ بحدةٍ، وينهي كلامَهُ بصوتٍ مليءٍ بالوعيد:

​"هل تظنُّ أنني لم أفكر بهذا؟.. لا أريدُ معاقبتَها هكذا، لديَّ خطةٌ أفضل. وأنتَ أيها الطبيب، أنهِ عملَكَ بسرعة! وأيضًا.. استعدوا لنزورَ أركان صباحًا.. لقد اشتقتُ له."

........

كان الصباح مشرقًا لدرجة جعلته يفكر أن شيئًا سيئًا على وشك أن يصيبه، وكان محقًا بهذا عندما التفت وراءه ووجده امام عينيه

​يرسمُ جاسرُ على وجههِ ابتسامةً باردةً ومستفزةً لمن أمامهُ، يميلُ برأسِهِ للجانبِ وكأنهُ يخاطبُ صديقاً لا عدواً، ثم ينطقُ ببرودٍ ناعمٍ، يملؤهُ تهكم:

​"عزيزي أركان.. اشتقتُ لك، لقد أهملتُكَ هذهِ الأيام."

يعدلُ أركانُ وضعيةَ جلوسهِ بكلِّ راحةٍ، ويرمقُ جاسرَ بنظرةٍ باردةٍ، تخفي خلفَها سخريةً لاذعةً، ثم ينطقُ بصوتٍ هادئٍ، رزينٍ، يقطرُ استهزاءً:

​"وأنا قلتُ.. هل أضاعَ طريقَهُ كونهُ هادئاً كثيراً؟ ماذا حصل؟ هل أعداؤكَ استيقظوا.. وأرادوا إعطاءَكَ درساً؟"

​يميلُ جاسرُ بجسدِهِ قليلاً، ثم يضيقُ عينيهِ بمكرٍ وهو يراقبُ ملامحَ أركان، ثم يهمسُ بصوتٍ منخفضٍ، يقطرُ خبثاً ولؤماً:

​"أنتَ تعلمُ أنني ليسَ لي عدوٌ غيرُك.. لكن، من فعلَ هذا شخصٌ قريبٌ منك احزر.. لنرى مَن؟"

تتسعُ ابتسامةُ أركان ببرودٍ، مستفزاً مَن أمامهُ، وتلمعُ عيناهُ بوميضٍ قصيرٍ، ثم يطلقُ ضحكةً خافتةً قصيرةً، قبل أن يردَّ بنبرةٍ هادئةٍ، يملؤها زهو:

​"سلمتْ يداها.. وأنا أردتُ فعلَ هذا كثيراً، لكن أتاها النصيبُ، ماذا نفعل؟"

يقفُ جاسرُ بثباتٍ، ثم يضيقُ عينيهِ بشدةٍ، يصوبُ نظرهُ على أركان، ثم يخرجُ صوتهُ منخفضاً، ونبرتُهُ عميقةً، بطيئةً، وكأنهُ يهمسُ بوعيدٍ قادم :

​"أعتقدُ أنكَ مرتاحٌ كثيراً أيها السيد.. صوتٌ بداخلي يقولُ لي، أنكَ وراءَ هذا الأمر."

​يرفعُ أركانُ حاجبيهِ بدهشةٍ مصطنعةٍ، وترتسمُ على ثغرهِ ابتسامةٌ ساخرةٌ، مليئةٌ بالتعجبِ، ثم ينطقُ بنبرةٍ متهكمةٍ، وكأنهُ يستنكرُ غباءَ الاتهامِ الذي تمَّ وضعُهُ عليه : ​"هل تعتقدُ أنني غبيٌّ.. لأتركَها أمامَك، وأنا أعلمُ خططَكَ ضدي؟"

​يطلقُ جاسرُ ضحكةً خفيفةً، وهو يهزُّ رأسَهُ وكأنَّهُ استسلمَ لحقيقةِ مكرِ أركان، ثم يتقدمُ خطوةً إلى الأمامِ، وينطقُ بنبرةٍ تملؤُها تحدٍ وتقدير:

​"لا تنكرْ هذا.. أنا أعلمُ أنَّ لكَ علاقةً، لكن لن أغضبَ طالما أعجبتني مواجهةُ شخصٍ مثلك؛ لأنَّ مواجهةَ الضعفاءِ لا تكونُ ممتعةً.. تعلمُ، أليسَ كذلك؟"

​يعدلُ أركانُ وضعيةَ الجلوسِ لديهِ بجديةٍ تامةٍ، ويشبكُ نظرهُ بنظرِ جاسرٍ في صمتٍ حادٍ لثوانٍ، ثم ينطقُ بصوتٍ رزينٍ وقاطعٍ، يضعُ حداً فيهِ للمراوغة:

​"وأنا أيضاً أعتقدُ أنَّ هذا الصراعَ طالَ كثيراً.. اختصرِ الموضوعَ؛ ماذا تريدُ، ولماذا أنتَ هنا؟

يتقدمُ جاسرُ ويجلسُ إلى المقعدِ أمامَ أركان، يرتكزُ بظهرهِ للخلفِ، ويرسمُ على وجهِهِ قناعاً من الهدوءِ المستفز، ثم يتابعُ كلامَهُ بنبرةٍ باردةٍ ومدروسة:

​"هذهِ الفتاةُ لن تنجوَ لعلمِك.. لكن، يمكنني أن أعطيَكَ فرصة. أستطيعُ مسامحتَها وإنهاءَ هذا بدونِ ضرر، لكن بالتأكيدِ.. سيكونُ هناكَ مقابلٌ لهذا."

يميلُ أركانُ برأسِهِ قليلاً، تلمعُ في عينيهِ نظرةٌ باردةٌ تخترقُ ثقةَ جاسرٍ الكبيرةَ، ثم يطلقُ زفيراً هادئاً، وينطقُ بصوتٍ يقطرُ كبرياءً وسخرية:

​"هل أنتَ مدركٌ مَن تهدد؟ وهل تظنُّ أنني سأخضعُ لك؟.. لكن هيّا قُل، أريدُ أن أسمع."

​يميلُ جاسرُ بجسدِهِ نحوَ أركان، وتلمعُ في عينيهِ خباثةٌ لا تخطئُها العينُ، ثم ينطقُ بوقاحةٍ شديدةٍ، وهو يشددُ على مخارجِ حروفِهِ، وكأنَّهُ يغرسُ نصلاً في صدرِ الخصم:

​"ابتعادُكَ عن هنا، وعدمُ عودتِك.. يمكنكَ إيجادُ عملٍ قانوني، هذا لا يهمني، لكن لا أريدُكَ أن تكونَ هنا.. وإلا، ستعيشُ فتاتُكَ بالسجن؛ أنتَ تعلمُ ما هي عقوبةُ تهمةِ محاولةِ القتل، أو لديَّ خيارٌ آخر: الموت.. أيهما أفضلُ لك؟"

يطلقُ أركانُ زفيراً، وتسترخي ملامحُهُ كأنَّ ثقلَ التهديدِ لم يمسَّهُ، ثم يرمقُ جاسرَ بنظرةِ احتقارٍ باردةٍ، وينطقُ بنبرةِ تهكمٍ للغاية:

​"هل تعتقدُ أنهم سيصدقونَ مجرماً مثلك؟"

يعدلُ جاسرُ ياقةَ قميصِهِ ببطءٍ وثقةٍ مفرطةٍ، وتتسعُ ابتسامتُهُ الجانبيةُ لتكشفَ عن شماتةٍ واضحةٍ، ثم يردُّ بصوتٍ واثقٍ يملؤُهُ استعلاءٌ واضح:

​"وأنا سأسألُكَ أيضاً.. هل تعتقدُ أنهم سيصدقونَ فتاةً ليسَ لديها أحدٌ وفقيرة، أم سيصدقونَ شخصاً مثلي؟"

​يتقدمُ أركانُ بجسدِهِ حتى تصبحَ المسافةُ بينَهُ وبينَ جاسر معدومةً، ويثبتُ نظراتِهِ القاتلةَ في عينيّ الآخرِ دونَ أن يرمشَ، ثم ينطقُ بصوتٍ منخفضٍ هادئٍ، لكنَّهُ يحملُ في طياتِهِ موتاً محققاً :

انظرْ ليَّ تماماً.. أنا لن أخضعَ لك، وأيضاً افعلْ ما شئتَ، لكن اعلمْ شيئاً واحداً: أنتَ لم ترَ غضبي عندما يتعرضُ قريبٌ مني للأذى.. فاحذرْ."

يطلقُ جاسرُ تنهيدةً مستمتعةً، ويميلُ رأسَهُ وهو يرمقُ أركانَ بنظرةِ تهكمٍ، ثم يبتعدُ عنهُ خطوةً وهو يرتدي قناعَ شفقةٍ زائفٍ، وينطقُ ببرودٍ يستفزُّ الذي أمامَهُ:

​"آه، هل أصبحَ جيداً هكذا؟ ألم أقل لكَ إنَّ الضعفَ لا مكانَ لهُ هنا؟ أنا رحيم، لا أطلبُ منكَ شيئاً صعباً، لكن مغادرتَكَ صعبة، أعتقدُ لأنكَ اعتدتَ، لكن عليكَ هذا، وداعاً عزيزي ، وأعتقدُ أنَّ قتلَها فكرةٌ أفضلُ من السجن."

.......

كانت تكمل دراستها ولا تأبه بما سيحدث

تقتربُ نورُ من أختِها، وتمسكُ كفيّها برعشةٍ، ثم تنطقُ بصوتٍ ممتلئٍ بالقلقِ والخوفِ الشديد:

​"أختي، هذا غريبٌ عليكِ القلق.. الرجلُ الآنَ يبحثُ عن فرصةٍ لقتلك، وهذا سينفعُهُ، وأيضاً إذا اشتكى عليكِ لن يصدقَكِ أحد.. أرجوكِ قولي شيئاً، هدوؤُكِ يقلقُني."

​تثبتُ أليفُ نظراتِها في الفراغِ لثانيةٍ، ثم تعيدُها نحو أختِها بهدوءٍ يبعثُ قشعريرةً، وتنطقُ بصوتٍ لا يرتجف:

​"أنا قلتُ لهُ لا يهمني الموتُ أو السجن، فعلتُ هذا وأنا على علمٍ بالعواقب، وأعتقدُ أنهُ يريدُ فقط تهديدَ أركان، وأيضاً أعلمُ أنهُ سيحميني رغمَ عدمِ إرادتي بهذا، أنا جاهزةٌ لتحملِ العواقبِ مهما كانت."

تضيقُ نورُ أعينَها بألمٍ، وتشددُ قبضتَها على يدِ أختِها، تنطقُ بصوتٍ منخفضٍ يرتجفُ بمرارةِ الواقعِ أمامَها:

​"أظنُ أنهُ حانَ وقتُ الابتعادِ عنه، هو خطيرٌ وسيؤذيكِ في النهاية، هل تفهمينني؟"

تغمرُ أليفُ أناملَ أختِها بكفيّها في محاولةِ أن تهدئَها، وترتسمُ على ثغرِها ابتسامةٌ باهتةٌ وواثقةٌ، ثم تنطقُ بصوتٍ يمتلئُ يقين:

​"نعم أعلمُ ما تفكرينَ بحقِّهِ، ولكني أعتذرُ عما سأقولُهُ، لكِ ليسَ كما تعتقدين، نعم مجرم، لكنَّهُ إنسان، لا يؤذي الأشخاصَ الأبرياء، لا يؤذي الأطفالَ والناس، نعم لديهِ طرفٌ سيء، ولكن يوجدُ بداخلِهِ خيرٌ أيضاً، لهذا لستُ معكِ بنفسِ الرأي، هو لا يجرحُني، أثقُ بنفسي بهذا الموضوعِ كثيراً."

​تهزُّ نورُ رأسَها بنفيٍ حزينٍ، وتقتربُ أكثرَ لتسندَ جبينَها على جبينِ أختِها بضعفٍ، وتنطقُ بصوتٍ مرتجفٍ كخريفٍ يخشى عاصفةً قادمةً:

​"لا تفهميني خطأ، فقط أخافُ من أجلك، ربما ليسَ منه، لكن من أعدائه، نعم قوية، لكنكِ لا تعلمينَ هذا العالمَ بقدرِه، لا يمكنكِ البقاءُ على قيدِ الحياةِ بداخلِه، فقط أريدُكِ أن تعطيني وعداً بالابتعادِ عن أركان، هل يمكنكِ فعلُ هذا من أجلي؟"

تغمضُ أليفُ عينيها ثانيةً وكأنَّها تستجمعُ شتاتَ روحِها، ثمَّ تهمسُ بكلماتٍ تخرجُ منْ أعماقِ قلبِها المرهقِ، بنبرةٍ تمزجُ ما بينَ الاعترافِ وبينَ التحدي:

​" صعبٌ كثيراً.. لأولِ مرةٍ أشعرُ بهذا الشعورِ.. أثقُ بأحدٍ، تعلمينَ، الثقةُ لديَّ أمرٌ صعبٌ.. وأعلمُ أيضاً أننا مختلفانِ بقدرِ اختلافِ الشمسِ عنِ القمرِ، بقدرِ اختلافِ الأبيضِ والأسودِ.. أنا أبيضٌ وهوَ أسودٌ، لا يمكننا أنْ نكونَ معاً لأنَّ الأسودَ يبتلعُ الأبيضَ دوماً.. هكذا كنتُ أفكرُ، لكنني لمْ أعدْ خائفةً.. أريدُ أنْ أحاربَ، وأيضاً أنا تسببتُ بهذا، لا أريدُ معاقبةَ شخصٍ آخرَ على أفعالي، وأنا محقةٌ.. كنتُ خائفةً أنْ أفقدَكم، أرْهقتُ منْ معاناةِ ألمِ الفقدانِ باستمرارٍ."

تتنفسُ نورُ الصعداءَ بضيقٍ تحاولُ إخفاءَهُ، ثم تمسحُ طرفَ عينيها بكفةِ يديها، وتنطقُ بصوتٍ يملؤُهُ الحنانُ ورضا مجبور :

​"أفهمُ هذا، لن أضغطَ عليكِ أبداً، الأهمُ أن تكوني سعيدة."

......

يجلسُ أركانُ في عتمةِ مكتبِهِ، ملامحُهُ جامدةٌ كصخرٍ، قبلَ أن يقطعَ آسرُ صمتَهُ بسؤالِهِ :

"أخي، ماذا ستفعلُ؟"

​يستديرُ أركانُ ببطءٍ، وعيناهُ تلمعانِ ببريقٍ يرعبُ وهو ينطقُ:

"أتعلمُ، عندما تضربُ يجبُ أن تكونَ للضربةِ آثارٌ خلفَها، ليسَ أيُّ أثرٍ، بل دمارٌ كاملٌ."

​يتبادلُ آسرُ وجسارُ نظراتٍ، ثم يتقدمُ جسارُ قليلاً، وملامحُهُ تعلو عليها حيرةٌ :

"أعتقدُ أنَّ لديكَ خطةً، لكنني لم أخمنْ ما هي، هل تقصدُ أنكَ تفكرُ بدمارٍ كاملٍ من ضربةٍ واحدةٍ؟"

​يرتسمُ طيفُ ابتسامةٍ غامضةٍ على ملامحِ أركان، وينطقُ بكبرياءٍ:

"لقد اقتربتَ، وهذا بحدِّ ذاتِهِ فخرٌ لي."

........

عندما انتهت من كل شيء وكانت على وشك الخروج، رأته أمامها يزن صديق طفولتها

تتوسعُ أعينُ أليفَ ما إن لمحت وجهَهُ المألوفَ، هدأَ صراعُها الداخليُّ ثانيةً، ثم نطقت بصوتٍ يملؤُهُ التعجبُ الممزوجُ بالإرهاقِ:

​"ماذا حصلَ لتأتي في هذهِ الساعةِ؟"

يتقدمُ يزنُ خطوةً مقلصَ المسافةِ بينهم، تلمعُ عينُهُ بجديةٍ نادرةٍ وهو يصوبُ نظراتِهِ على وجهِها الشاحبِ، ثم نطقَ بكلماتٍ كأنَّها جرسُ إنذارٍ في حضرةِ صمتِ الليلِ :​"أتيتُ لأطمئنَّ عليكِ، وأيضاً أعتقدُ أنكِ تخاطرينَ بنفسكِ، هؤلاءِ الرجالُ لا مزحَ لديهم، ينهونَكِ في نفسِ اللحظةِ."

تضيقُ أليفُ عيناها بشكٍّ صريحٍ، تتلاشى علاماتُ الإرهاقِ أمامَ غريزةِ الحذرِ التي استيقظت فجأةً، ثم تسألُهُ بنبرةٍ باردةٍ وكأنَّها نصلُ سكينٍ حادٍ:

​"مِن أينَ تعلمُ بما حصلَ؟"

يرفعُ يزنُ حاجبيهِ استنكاراً محاولاً امتصاصَ حدةِ نظراتِها، ثم يزفرُ بضيقٍ وهو يجيبُها بنبرةٍ يحاولُ أن يجعلَها عاديةً:

​"أخبرتني أختُكِ، من أينَ سأعلمُ غيرَ هذا؟"

تعدلُ أليفُ وقفتَها، وتتراجعُ حدةُ نظراتِها لتحلَّ محلَّها ثقةٌ عمياءٌ بقدرتِها أن تواجهَ، ثم تنطقُ بهدوءٍ يقطعُ كلَّ طرقِ تراجعٍ:

​"آه، نور.. علمتُ، لا داعيَ للقلقِ يا يزن، عندما فعلتُ هذا كنتُ على علمٍ بالعواقبِ، وسأتحملُ كلَّ شيءٍ."

​يهزُّ يزنُ رأسَهُ بقلةِ حيلتِهِ، وتتوارى نظراتُ تحذيرٍ خلفَ ابتسامةٍ باهتةٍ تحملُ ذكرياتِ الطفولةِ المشاكسةِ، ثم ينطقُ بكلماتِ وداعٍ مغلفةٍ بالقلقِ:

​"لا زلتِ عنيدةً، لا داعيَ للغضبِ منها، هي أخبرتني لأنها تقلقُ عليكِ. لا أستطيعُ إجباركِ على شيءٍ، كما تريدينَ عليَّ الذهابُ."

......

يجتمعُ الأخوةُ في سكونِ مكتبِ أركانَ، حيثُ يلفُّ المكانَ هدوءٌ مهيبٌ لا يكسرُهُ سوى رائحةُ القهوةِ، يجلسُ أركانُ بشرودِ قائدٍ، بينما يمررُ آسرُ أصابعَهُ على المكتبِ ويراقبُ جسارُ قدحَهُ بصمتٍ، في مشهدٍ يجسدُ قوةَ رابطةِ دمٍ قبلَ العاصفةِ.

في هذه الأثناء، جاءت، وصُدم لرؤيتها أشار للاخوه بالذهاب ، يخطو أركانُ نحوها بسرعةٍ مباغتةٍ، تلاشت مظاهرُ الاسترخاءِ عن وجههِ، ثم يمسكُ ذراعها برفقٍ مشوبٍ بحدةٍ وهمسَ بنبرةٍ حارقةٍ:

​"ماذا تفعلين؟ وجودكِ هنا خطرٌ عليكِ!"

تثبتُ نظراتِها في عينيهِ الموقدتينِ قلقاً، وتسحبُ ذراعَها بهدوءٍ وكأنها تعلنُ استقلالَها، ثم تجيبُهُ بكلماتٍ تزنُ الجبالَ:

​"لا تقلق، أنا عانيتُ كثيراً من الأخطارِ وواجهتُها، هذا لا شيء وأيضاً لا أريدُكَ أن تخضعَ لهُ بسببي، أنا سأتحملُ عقوبةَ ما فعلتُهُ."

يقتربُ منها أركانُ، وتتحولُ ملامحُهُ القاسيةُ فجأةً لتتبدلَ بظلِّ ابتسامةٍ غامضةٍ، ثم يهمسُ بمداعبةٍ يحاولُ بها تلطيفَ حدةِ الموقفِ:

​"وأنتِ، خرجَ من داخلكِ سوءٌ، لكنكِ لم تنجحي بقتلهِ! ليتكِ طلبتِ نصيحةَ شخصٍ خبيرٍ."

ضحكت إليف ضحكةً حقيقيةً انطلقت من أعماق قلبها لأول مرةٍ منذ دهر، وكأن مداعبة أركان كانت مفتاحاً حرر الضيق المكبوت الذي طالت مدته، وكأنه يعلم مفاتيح قلبها جيداً.. لأول مرةٍ أدركت، هل حقاً كان أي أحد سيستطيع أن يرسم البسمة على قلبها غيره ؟

تتلاشى ضحكتُها بشكلٍ تدريجيٍ، لتعودَ ملامحُ القلقِ تعتلي وجهَها، تنظرُ إليهِ بعينينِ يملؤُهما خوفٌ، ثم تسألُهُ بنبرةٍ يرتجفُ لها أيُّ قلبٍ:

​"هل تسخرُ مني؟ أعلمُ أنهُ هددكَ، ومن المحتملِ يريدُ ترككَ لهذا العالمِ، هذا صعبٌ، فأنتَ اعتدتَ على وجودِكَ هنا، ليسَ من السهلِ.. لا أريدُ أن أكونَ سبباً بشيءٍ كهذا."

نظر إليها، ثم وضع يده على كتفها، محاولًا أن يقلل الذنب عنها

يستقيمُ بوقفتِهِ بشموخٍ يطردُ كلَّ ذرةِ قلقٍ من المكانِ، وتلمعُ أعينُهُ ببريقِ قوةٍ معتادةٍ، يقتربُ منها ويهمسُ بيقينٍ لا يقبلُ شكَّاً:

​"أنا عثرتُ على طريقةٍ، لن يؤذيكِ، وأيضاً بوجودي تتكلمينَ عن زعيمِ العالمِ؟ لا تجعليني أضحكُ، عليكِ الرحيلُ، هنا خطرٌ، ولا أريدُ التسببَ بمصيبةٍ أخرى، عليَّ حلُّ هذهِ المشكلةِ أولاً، اتفقنا؟"

​تومئُ برأسِها دليلاً على الموافقةِ، تتراجعُ خطوةً لورائِها وهي ترمقُهُ نظرةً أخيرةً تحملُ مزيجاً ما بينَ ثقةٍ وامتنانٍ، وتقولُ بنبرةٍ راقيةٍ:

​"حسناً، سأذهبُ، أتمنى لكَ نجاحاً مثمراً، ولا تنسَ اطلاعي."

ثم ذهبت دون النظر والالتفات، كونها واثقة أنه يستطيع النجاح.

.....

كان يبتسم وينتظر رده، وهو يعتقد أنه ناجح، لكنه نسي أنه لا يتعامل مع أيّ شخص، وأنه أذكى منه بكثير، ولن يخضع بهذه السهولة، ولديه خطة ثانية دائمًا لكل وضع

يخفضُ رجل جاسرٍ منظارَهُ ببطءٍ، والشكُّ يبدأُ بنهشِ ملامحِهِ وهو يراقبُ سكونَ مكتبِ أركانَ أمامَهُ، ثم يلتفتُ نحو جهازِ اللاسلكيِّ هامساً بتساؤلاتٍ قلقةٍ لسيدِهِ:

​"لماذا لم يتصلْ؟ هل يريدُ توديعَها؟ هل علينا التحركُ، سيدي؟"

يأتي صوتُ جاسرٍ من عبرِ الجهازِ باردٌ ويحملُ رزانةً، وفي طياتهِ حذرٌ اكتسبَهُ من ندوبِ ماضٍ لا يرحمُ، ليجيبَ الرجلَ الذي يعملُ تحتَ أمرِهِ بلهجةٍ آمرةٍ:

​"لا، لننتظر، ربما يكونُ يفكرُ أو يجهزُ نفسَهُ لتجربةِ عالمٍ ذي قانونٍ. لا يمكننا المعرفةُ، لا يجبُ أن نتصرفَ دونَ تفكيرٍ كالمرةِ السابقةِ."

يرمي الجهازَ على الطاولةِ بضيقٍ، ثم يسندُ ظهرَهُ لمقعدِهِ الجلديِّ، ويراقبُ عقاربَ الساعةِ التي تبدو وكأنها توقفتْ عن العملِ، يهمسُ بنبرةٍ يملؤُها السأمُ والتحفزُ:

​"سأحاولُ أن أصبرَ... هيا أيها السيدُ، لا تجعلني أنتظرُ طويلاً.

....

يقفُ اركان وسطَ رجالِهِ الذينَ اصطفوا أمامَهُ بوفاءٍ، يرمقُ آسرَ وجسارَ بنظرةِ إخوةٍ يخافُ عليهم ويثقُ بهم في آنٍ واحدٍ، ثم يسألُهُم بصوتٍ يملؤُهُ ثقلٌ وصدقٌ :

​"هل أنتم جاهزون؟"

​يتقدمُ آسرٌ خطوةً، والابتسامةُ الجانبيةُ الواثقةُ تعلو وجهَهُ، يتبادلُ نظرةً ذاتَ مغزىً مع جسارٍ، ثم يجيبُ شقيقَهُ أركانَ بنبرةٍ تقطرُ حماساً لما هو قادمٌ :

​"ومتى لم نكنْ؟ وخصوصاً أنها القاضيةُ يا أخي!"

عدلُ جسارٌ وضعيةَ سلاحِهِ بهدوءٍ مريبٍ، وعيناهُ تلمعا ببريقٍ باردٍ لم يتمْ ظهورُهُ منذُ زمنٍ، ثم يعلقُ على كلماتِ أخاهُ آسرَ بصوتٍ هادئٍ يكادُ يكونُ كهمسٍ :

​"أشعرُ أنَّ اليومَ أسعدُ لحظةٍ بحياتي!"

يرتسمُ الحزمُ النهائيُّ على ملامحِهِ، ويتحولُ ذلكَ الأخُ إلى قائدٍ في ثانيةٍ الذي يهتزُّ لهُ العرشُ، ثم يشيرُ للبابِ بصرامةٍ يطلقُ فيها أمرَهُ الأخيرَ:

​"إذاً هيا، لا أريدُ أخطاءً!"

​يرتسمُ على ثغرهِ طيفُ ابتسامةٍ لا تبشرُ بالخيرِ، وهو يتأكدُ من جاهزيةِ الذخيرةِ لهُ ببرودٍ تامٍ، ثم يرفعُ رأسَهُ ليواجهَ نظرةَ أركانَ المصوبةَ عليهِ مجيباً بثقةٍ يرتعبُ لها: ​"أعدُكَ لنْ أخطأَ، لا نيةَ لي بإفسادِ يومٍ كهذا!"

ذهب أسر وجسار وبعض من الرجال معا يتجهزون للمعركة القادمة التي تنتظرهم

.......

كانت سعيدة وتنتظر نتيجة جهدها في دراستها بعد ساعات دراسة طويلة

تتلاشى ابتسامةُ نورٍ بشكلٍ تدريجيٍ، وهي تنظرُ لأليفَ الغارقةِ في توترِ انتظارِ نتيجتِها، وتقتربُ منها بخطواتٍ متعثرةٍ قلقةٍ، وهي تفركُ أناملَها بترددٍ، ثم تهمسُ بنبرةٍ يمتزجُ فيها عتابٌ مرعبٌ على مستقبلِ شقيقتِها :

​"أختي، هل ذهبتِ لهُ رغمَ الخطرِ الذي حذرتكِ منهُ؟"

تأخذُ نفساً عميقاً يهدئُ توترَها، ثم تمسكُ يدي أختِها لتسكنَ اضطرابَهُما، وتجيبُ بنبرةٍ يملؤُها يقينٌ مطلقٌ بأركانَ :

​"أنا أنتظرُ شيئاً مهماً جداً، وغيرَ هذا، هو لديهِ خطةٌ ستحمينا نحنُ الاثنانِ، لا تقلقي."

تصرخُ بابتسامةٍ تشقُّ ملامحَ وجهِها، والدموعُ تلمعُ في عينيها، تقفزُ لترتميَ في حضنِ نورٍ، تطوقُ عنقَها بقوةٍ كأنها تخشى أن تضيعَ اللحظةُ، ثم تتحدثُ وهي مدفونةٌ في كتفِ أختِها بنبرةٍ يختنقُ فيها فرحُها بالوفاءِ لوعدِها بعمِّها :

​"نور! لا أصدقُ! نجحتُ! أنا سعيدةٌ، وأخيراً، لن أخذلَ عمي... على الأقلِ خطونا خطوةً تجاهَ العهدِ."

......

​أمامَ مصنعِ جاسرَ الضخمِ، القابعِ بحمايةٍ مشددةٍ، كانَ الظلامُ يبتلعُ جساراً وآسرَ، وهما يتقدمانِ بحذرٍ

كمفترسينَ، يضبطانِ أسلحتَهُما الكاتمةَ للصوتِ ببرودٍ، ثم في لمحِ البصرِ، تنطلقُ الرصاصاتُ لتخترقَ أجسادَ الحراسِ قبلَ أن يدركوا ما الذي يحدثُ، ليتساقطَ الواحدُ تلوَ الآخرِ صرعى بالدماءِ،

وحينما سادَ صمتُ الموتُ في داخلِ المصنعِ، خرجَ الأخوانِ والابتسامةُ لا تفارقُ ملامحَ وجهِهِما، ليشعلا فتيلَ نيرانٍ التي التهمتِ الجدرانَ بجوعٍ، فارتفعَ الدخانُ ليحجبَ السماءَ، وتزلزلتِ الأرضُ تحتَ وقعِ ما حدثَ مِنَ الانفجاراتِ المتتاليةِ.

​وفي وسطِ الجحيمِ، وقفَ آسرُ وجسارُ يصورّانِ فيديو لإنتاجهِما بدمٍ باردٍ، ثم أرسلاهُ لأركانَ كرسالةٍ لانتصارٍ مشفوعةٍ بدمٍ ورمادٍ، وبعدَ تأكُّدِهِما من سقوطِ المصانعِ الباقيةِ عبرَ الاتصالاتِ، استقلا سيارةً وانطلقتْ بهما بسرعةٍ خارقةٍ، تاركينَ خلفَهُم إرثَ ما صنعَهُ جاسرُ يتحولُ لرمادٍ تذروهُ الرياحُ.

​يدخلُ جاسرُ بثباتٍ يعتقدُ أنَّهُ مرعبٌ، ثم يقفُ عندَ مكتبِ أركانَ واضعاً أناملَهُ بضغطٍ وقوةٍ، يميلُ بجسدِهِ للأمامِ ليرغمَهُ على التواصلِ البصريِّ، ويردفُ بنبرةٍ تقطرُ سماً لمنْ أمامَهُ:

​"هلِ اتخذتَ قرارَكَ، هلْ أتصلُ بالسجنِ أمْ أجهزُ القبرَ؟"

​يسندُ أركانُ بظهرهِ إلى الوراءِ ببرودٍ لا يتناسبُ معَ حجمِ التهديدِ الذي تلقاهُ، ويشبكُ أناملَهُ ببعضِهِما وهو ينظرُ لعيونِ جاسرَ المشتعلةِ بهدوءٍ مستفزٍ، ثم يميلُ برأسِهِ ويردفُ بنبرةٍ هادئةٍ كالهدوءِ ما قبلَ العاصفةِ:

​"ليسَ كلاهما، هلْ مصانعُكَ بخيرٍ؟ كيفَ حالُ الإنتاجِ؟"

تتوسعُ أعينُ جاسرَ بصدمةٍ، ويرفعُ يديهِ عنِ المكتبِ ببطءٍ شديدٍ وكأنَّ شيءَ ما قدْ خدرَ أصابعَهُ، ثم يتراجعُ خطوةً للخلفِ محاولاً أنْ يستوعبَ الكارثةَ التي تلوحُ بالأفقِ، يهمسُ بصوتٍ مرتعشٍ يفتقدُ ثباتَهُ الذي كانَ سابقاً : ​"ماذا تقصدُ؟ أتمنى أنكَ لمْ تفعلِ الشيءَ الذي ببالي!"

​يرفعُ أركانُ يديهِ بحركةٍ بطيئةٍ مستفزةٍ، ثم يصوبُ الهاتفَ أمامَ أنظارِ جاسرَ الذي يشعرُ بقلبِهِ يشتعلُ فيهِ نيرانٌ، وهو يرى مصنعَهُ يحترقُ بيدِ رجالِ أركانَ الذي لطالما وصفَهُم بإخوتِهِ، يظهرُ في الفيديو جسارٌ وآسرٌ يبتسمانِ للكاميرا والخلفيةُ جحيمٌ منْ نيرانٍ، وكأنهم يهدونَ دماراً لأخيهِمُ الكبيرِ

يكادُ يلتصقُ بياقةِ أركانَ منَ الغضبِ، يبتعدُ أركانُ بحركةٍ سريعةٍ ليختلَّ توازنُ جاسرَ، ويحاولُ التماسكَ

يصرخُ جاسرُ بنبرةٍ تمتلئُ بالجنونِ والحقدِ العارمِ:

​"كيفَ تجرؤُ؟! الآنَ لمْ يعدْ هناكَ تهاونٌ، سترى كيفَ سأقتلُها امامكَ !"

يتقدمُ أركانُ بخطواتٍ واثقةٍ، ثم يردفُ بنبرةٍ تقطرُ تحدي وفخرٍ بقوةِ إخوتِهِ:

​"حاوِلْ.. وسترى كيفَ سأحرقُ مصنعَكَ الرابعَ أمامَكَ!"

يتراجعُ جاسرُ بضعَ خطواتٍ وكأنَّ الهواءَ بدأَ ينفذُ منَ الغرفةِ، ينظرُ لبرودِ أركانَ القاتلِ، ثم يقولُ بنبرةٍ يملؤُها الانكسارُ والضعفُ لأولِ مرةٍ في حياتِهِ:

​"أنتَ رحيمٌ.. لا تفعلْ!"

​يرسمُ أركانُ على ثغرِهِ ابتسامةً باردةً لا تصلُ لأعينِهِ، ثم يميلُ بجسدِهِ للأمامِ قليلاً ليصبحَ وجهُهُ مقابلاً لوجهِ جاسرَ المكسورِ، ويردفُ بفحيحٍ هادئٍ يرتعبُ لهُ الأبدانُ : ​"رحيمٌ.. لكنْ ليسَ معَ السيءِ مثلِكَ، هلْ نسيتَ؟ ذاكرتُكَ ضعيفةٌ!"

ينطقُ بِها جاسرُ بلهفةٍ ممزجةٍ بخوفٍ، يرتجفُ صوتُهُ، يحاولُ التماسكَ بأيِّ بصيصِ أملٍ لإيقافِ كابوسٍ بدأَهُ إخوةُ أركانَ، يردفُ بتوسلٍ هادئٍ:

​"لنْ أفعلَ.. اتفقنا؟ أوقِفهُم فقطْ!"

يرجعُ أركانُ لكرسيهِ بكلِّ هدوءٍ، يضعُ قدماً فوقَ أخرى وهوَ ينظرُ لارتجافِ جاسرَ باستهزاءٍ، ثم يطلقُ رصاصتَهُ الأخيرةَ إلى الجدارِ وكأنها تحذيرٌ للقادمِ، بنبرةٍ هادئةٍ لكنها حادةٌ كشفرةٍ:

​"فكرتُ.. أنتَ تستحقُّ المزيدَ، لكنْ بهذا القدرِ يكفي، إذا حاولتَ لمسَ إخوتي، عائلتي، أو منْ بحولي، لنْ يحترقَ فقطْ مصنعٌ.. اعلمْ بهذا، والآنَ اذهبْ، أنا بحالةِ استرخاءٍ لا تفسدْها عليَّ!"

​يخرجُ جاسرُ بمرارةِ كسرتِهِ، بينما يراقبُهُ أركانُ ببرودٍ يثيرُ الرعبَ بمنْ أمامَهُ، فأركانُ لا يمنحُ الموتَ كخلاصٍ لخصومِهِ، بل يجعلُهُم يتمنونَهُ وهمْ يشاهدونَ حياتَهُم تتفتتُ بلمحِ البصرِ أمامَهُم، بدأَ التكتيكُ الفعليُّ يُمارسُ على جاسرَ؛ أنْ يعيشَ وهوَ يدركُ أنَّ نفسَهُ، مالَهُ، حتى مستقبلَهُ، أصبحوا رهينةً فقط لإشارةٍ واحدةٍ منْ أصابعِ أركانَ

اتمنى لكم قراءة ممتعه

برايكم هل جاسر رح يبقى هادئ بعد هيك ضربة ولا رح ينفجر بالعاصفة رسميا ويرد رد اقوى باضعاف ؟

تتوقعوا اركان يبقى صامد للنهاية ؟ ولا في احتمال ينكسر 🥺؟

في النتيجة الصراع طويل وكل رد اوجع من الي قبله 💔

جاسر قد بدا يرتعب من اركان فما القادم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين يحترق العالم

المؤلف Evyra6
2025/06/14 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة